قضايا و اراء

42217‏السنة 126-العدد2002يوليو8‏27 من ربيع الآخر 1423هــالأثنين

حزب الإمبراطورية الأمريكية
بقلم: د‏.‏ محمد السيد سعيد

يوما بعد يوم يكسب أنصار حزب الإمبراطورية في الولايات المتحدة أرضا جديدة ونفوذا جديدا في الإدارة الأمريكية الراهنة‏.‏
وحزب الإمبراطورية ليس حزبا سياسيا بالمعني الشائع‏.‏ فهو يتكون من أنصار فكرة الإمبراطورية الذين يوجدون داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري وفي عشرات أو مئات من الحركات السياسية والجمعيات وجماعات الضغط والمنتديات الفكرية والأكاديمية والمنابر الصحفية ومراكز البحوث‏.‏ وأغلب أنصار الإمبراطورية هم ممن يسمون أنفسهم الوطنيين الأمريكيين وهدفهم هو إقرار مبدأ سمو أمريكا وعدم قابليتها للمحاسبة في النظام الدولي وهيمنتها التامة علي الساحة العالمية وإخضاعها للأمم الأخري حتي لو تطلب الأمر استخدام القوة العسكرية بكل صورها بما فيها الترسانة النووية‏.‏ وبعضهم الثالث وهم من اليمين الصهيوني لا تهمهم أمريكا في شيء‏.‏ فهم يستخدمون أمريكا لخدمة أهداف إسرائيل‏.‏

ورغم تنافر عناصر التحالف الإمبراطوري فهم يتفقون ضمنيا علي أن الخطوة الحاسمة في بناء الإمبراطورية هي إخضاع الشرق الأوسط‏.‏
ترشيح الشرق الأوسط باعتباره ساحة المعركة الحاسمة في بناء الإمبراطورية يعود إلي أسباب واضحة‏.‏ السبب الأول أيديولوجي‏:‏ فالشرق الأوسط هو مركز اهتمام القوي المحركة الرئيسية للمشروع الإمبراطوري الأمريكي وهي تحالف اليمين الصهيوني المسيحي واليمين الصهيوني اليهودي‏.‏

وثاني هذه الأسباب‏!‏ هو أن هذا المشروع يمكن بيعه للمواطنين الأمريكيين كتطوير منطقي للحرب ضد الارهاب وهي الحرب التي تحظي بتأييد كبير داخل الرأي العام بعد‏11‏ سبتمبر‏.‏ ولكي يعزز حزب الإمبراطورية تأييد الأمريكيين لهذه الخطوة يتم تصوير العدو باعتباره الدول التي تنتج الإرهاب والاستبداد والفساد‏:‏ أي كل ما يكرهه الأمريكيون‏.‏
ولكن السبب الثالث لايقل أهمية‏:‏ وهو أن الشرق الأوسط هو أسهل الأعداء منالا كما تشير الخبرة الأمريكية‏.‏ فشرق آسيا لم تكن منطقة الحروب السهلة‏.‏ بل هي المنطقة التي خسرت فيها أمريكا جميع حروبها هناك‏.‏ وهي تذكرهم بعقدة فيتنام‏.‏ وإفريقيا ليست منطقة مصالح أساسية لأمريكا ولا تمثل مشكلة كبري لليمين المسيحي والصهيوني‏.‏ أما الشرق الأوسط فهو المنطقة الوحيدة التي سجل الأمريكيون فيها انتصارات كبري ومجانية تقريبا‏.‏ فالمنطقة مفتتة لا تجتمع علي إرادة واحدة ويبدو أن توحدها خلف مشروع سياسي أو اتحاد دفاعي أمر بعيد عن الاحتمال أو حتي التصور‏.‏ وهي من المنظور الاستراتيجي منطقة رخوة يسهل النفاذ فيها دون مقاومة كبيرة‏,‏ وهو ما يفسره كثيرون تفسيرا ثقافيا يقول‏:‏ إن اللغة تلعب دورا بديلا عن الفعل والممارسة‏.‏

لم يبلور أنصار حزب الإمبراطورية تصورا محددا عنها‏.‏ فالخبرة الأمريكية في بناء الإمبراطورية ليست مماثلة للخبرة الأوروبية‏.‏ فعلي عكس الأوروبيين تحقق الامتداد الإمبريالي للولايات المتحدة أساسا عن طريق التوسع والضم والاستيعاب لمناطق جغرافية هي امتداد طبيعي للكتلة الأرضية للمستعمرات الأمريكية الأولي‏.‏ والاستيعاب والضم للأراضي الجديدة التي كانت تابعة في الأغلب للدول اللاتينية تم من خلال منحها مكانة الولايات المتساوية التي شكلت بسهولة نسبية جزءا لا يتجزأ من الولايات المتحدة‏.‏ والمستعمرات أو المحميات القليلة التي امتلكتها الولايات المتحدة فيما وراء البحار مثل الفلبين لم تترك أثرا يذكر في التركيبة الأمريكية‏,‏ وبطبيعة الحال فإن بناء الإمبراطورية علي المستوي العالمي لن يتخذ المسار نفسه‏.‏ فالإمبراطورية ستكون أبعد ما يكون عن الضم‏.‏ ولن تكون أيضا مماثلة للاستعمار الأوروبي التقليدي‏.‏ فماذا يمكن أن تكون إذن ؟

ليس هناك تصور محدد‏.‏ فمنظرو الإمبراطورية مثل روبرت كابلان يتصورونها كنوع من الكومنولث الثقافي حيث تنتصر القيم الأمريكية خاصة اقتصاد السوق ومؤسسة الحكم الديمقراطي والحريات الدينية والسياسية المتمركزة حول الفرد انتصارا كاملا‏.‏ ولكن فيما يختلف هذا التصور عن نظرية العولمة بتفسيراتها الشعبية والليبرالية ؟ تختلف في ناحيتين‏:‏ واحدة مصرح بها والأخري مسكوت عنها‏.‏ الناحية الأولي‏:‏ هي أن الإمبراطورية تقوم بالضرورة علي ما يسمي السلام الأمريكي‏.‏ ومثله كمثل السلام الروماني والسلام البريطاني فالسلام الأمريكي يقوم علي القوة أو بالأحري علي تمركز الوظيفة البوليسية بيد أمريكا‏.‏ فالليبراليون الحقيقيون في الغرب عموما يعتقدون أن الأفكار الليبرالية مثل الديمقراطية واقتصاد السوق وقيمة الفرد والعقل العلمي‏..‏ الخ لها جاذبية اسرة وأنها تستطيع أن تلهم جميع الشعوب دون حاجة لاستخدام القوة‏.‏ أما أنصار اليمين الامبراطوري فيقولون‏:‏ إن إشاعة هذه القيم علي المستوي العالمي يحتاج إلي توظيف القوة العسكرية‏.‏ فالمعارضة لهذه القيم لا تأتي من جانب حكومات استبدادية فاسدة فحسب بل تأتي أيضا في صورة مقاومة شديدة تفرزها نظم ثقافية معينة مثل النظام الثقافي في الشرق الأوسط‏.‏ ويؤكد أنصار الامبراطورية فكرة أساسية وهي‏:‏ أن مجتمعات معينة مثل مجتمعات الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء عاجزة عن التطور من الداخل لاستيعاب التقدم الناتج عن الديمقراطية واقتصاد السوق وقيمة الفرد‏..‏ الخ‏!!‏ ولهذا تصبح القوة العسكرية ضرورية لقهر هذه المقاومة‏.‏

جانب أخر من الاختلاف عن أنصار العولمة الليبرالية مسكوت عنه لأنه يفضح الطبيعة العنصرية لهذا المشروع‏.‏ فاليبرالية ليست فقط ايديولوجية متفائلة بالطبيعة البشرية وإنما تقوم شكليا علي الأقل علي فكرة المساواة بينما يستمد المشروع الامبراطوري جانبا مهما من طاقته من أحد تلاوين فكرة مسئولية الرجل الأبيض‏.‏ وبتعبير آخر فإن حزب أنصار الامبراطورية يعتبرون أنفسهم ايضا ورثة الامبراطوريات الغربية منذ فجر التاريخ خاصة الامبراطوريتين اليونانية والرومانية‏.‏ وهم يرون أن الغرب وحده كان ولايزال هو المؤهل لحمل رسالة العلم والعقل والفرد والسوق والديمقراطية‏.‏
هذه الذهنية التمييزية تجد جذورها الفكرية إما في الايديولوجية العنصرية الأوروبية أو في التفسيرات المتطرفة للمسيحية السياسية وهناك بطبيعة الحال جذرآخر تماما لهذه الذهنية وهو عقدة أو فكرة التفوق اليهودي وهي فكرة لاتتسق فلسفيا مع عقدة التفوق الأوروبي سواء فسر هذا التفوق من منظورفكري‏/‏ فلسفي أو من منظور عنصري صرف‏.‏

الإمبراطورية الإمريكية وفقا لهذا التصور ليست شكلا من أشكال الحكومة العالمية التي يقع مركزها الرئيسي أو الوحيد في الولايات المتحدة‏.‏ وهي لا تقوم علي فكرة الاستيعاب المتساوي لمواطنين عالميين تحكمهم واشنطن‏.‏ بل هي منطقة تبشيرية ثقافية مفروضة ومحمية بالقوة المسلحة‏.‏ وتلعب القوة المسلحة الدور الرئيسي في تأسيس هذا الفضاء الثقافي وفي ضمان استقراره وكأن فكرة الإمبراطورية الإمريكية تدور في الجوهر حول عبادة القوة العسكرية بذاتها‏.‏ويمكن لهذه الفكرة أن تستقطب انصار القوة العسكرية المطلقة من مختلف الايديولوجيات خاصة الصهيونية اليمينية التي يجسدها نتانياهو وشارون‏.‏

الصهيونية الليبرالية
ولكن ذلك لا يعني أن المشروع الامبراطوري الامريكي يحظي بتأييد جميع تيارات الصهيونية الامريكية والاسرائيلية‏.‏ فهناك تيار كامل يسمي الصهيونية الليبرالية يعارض المغامرات العسكرية في الخارج وفي الشرق الاوسط تستمد هذه المعارضة جزئيا من الفكرة الليبرالية وجزئيا من الحسابات الخاصة بالجماعات اليهودية سواء في إسرائيل أو في الولايات المتحدة‏.‏ فالصهيونية الليبرالية تري ان الغرب حقق انتصارا بارزا في الحرب الباردة ليس بفضل الوسائل العسكرية وإنما الوسائل الاعلامية والسياسية والاقتصادية‏.‏ فرغم أن الغرب هو الأقوي عسكريا فإن الجانب العسكري ليس أقوي ما فيه بالمقارنة بوعود الرفاه الاقتصادي والحريات الفردية التي كانت وراء ثورات أوروبا الشرقية وسقوط الشيوعية‏.‏ولا شك ايضا في ان الصهيونية الليبرالية تخشي أن توقظ عمليات العدوان العسكري شعوب الشرق وتدفعها دفعا لخوض معركة حياة أو موت ضد اسرائيل‏.‏
فالمستقبل الحقيقي لاسرائيل ــ من وجهة النظر هذه ــ يرتهن بالحصول علي قبول المنطقة لوجودها وليس علي قوة العسكرية الإسرائيلية أو الأمريكية‏.‏ وتري الصهيونية الليبرالية أيضا أن التسليم بالمشروع العسكري لأنصار الإمبراطورية يؤدي الي تآكل الديموقرطية في المجتمع الأمريكي ذاته‏.‏ ويخشي التيار الصهيوني الليبرالي أيضا من أن يوقظ المشروع العسكري الإمبراطوري كل المشاعر المعادية للأجناس والأقليات الأخري داخل الولايات المتحدة بمن فيها اليهود‏.‏ وهم يدركون سطحية وهشاشة التحالف مع التيار المتطرف للمسيحية السياسية رغم اتشاحه بالعباءة الصهيونية أخيرا بعد فترة طويلة من كراهية اليهود‏.‏ هذه المخاوف تفسر معارضة منابر معينة خاصة الجرائد الكبري القريبة من دوائر الصهيونية الليبرالية والاتجاه الليبرالي بوجه عام وعلي رأسها النيويورك تايمز لحزب الامبراطورية‏.‏

التعقيدات السياسية
جانب آخر من الغموض كان يحيط بالمشروع الامبراطوري وهو الجانب السياسي‏.‏ وقد وقعت تغيرات مهمة في تصور هذا الجانب علي نحو انعكس بوضوح في بيان بوش بخصوص السياسة الشرق أوسطية الجديدة للولايات المتحدة‏.‏ فكان التبرير السياسي للمشروع الامبراطوري ينحصر حتي وقت قريب في التحريض الواسع ضد العراق ثم التطرف والإرهاب الديني‏(‏ الإسلامي‏)‏ المسئول عن أحداث‏11‏ سبتمبر‏.‏ كان الافتراض المضمر هو أن الحكومات العربية ستتماشي مع الحرب ضد العراق‏.‏ ومن أجل ضمان تأييد هذه الحكومات كان لابد من تسكين المشاعر الشعبية والحكومية العربية فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني‏.‏ ولكن اللقاءات التي تمت مع القادة العرب أوضحت المعارضة الشاملة في المنطقة ضد هذه الحرب‏.‏ ولهذا حدث تحوير آخر في الخطط العسكرية والسياسية للمشروع الامبراطوري الأمريكي في الشرق الأوسط‏.‏ فبدلا من افتراض تعاون حكومات عربية معينة تمت إعادة صياغة المشروع بحيث يفرض علي هذه الحكومات وبغض النظر عن الحاجة لتسكين المشاعر الشعبية فيما يتعلق بقضية فلسطين‏.‏ أي أنه تمت الإطاحة بالافتراض القائل إنه لا يمكن غزو العراق إلا إذا تم التعامل بصورة إيجابية مع قضية الفلسطينيين‏.‏ وأصبحت الصيغة الجديدة للمشروع هي غزو العراق دون تعاون الحكومات العربية الأخري ومع بقاء القضية الفلسطينية مشتعلة‏.‏ ويضيف هذا التحوير للمشروع الإمبراطوري الي شدة المعارضة له من داخل الولايات المتحدة‏.‏ فالعبء السياسي والعسكري للمشروع أصبح ــ بعد هذا التحرير ــ هائلا بكل المقاييس‏.‏ بل إنه أصبح متناقضا مع بدهيات السياسة فحتي الولايات المتحدة لا تستطيع أن تخوض حروبا متعددة لتطبيق مشروع سياسي كبير دون أن تحظي بدعم أية قوة محلية مهمة في الإقليم‏.‏

ورغم هذه المعارضة تقول الخبرة التاريخية إن الليبراليين سريعا ما يسلمون أعلامهم عندما تطغي موجة الوطنية المتطرفة علي الرأي العام في أمريكا أو في غيرها‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية