قضايا و اراء

42217‏السنة 126-العدد2002يوليو8‏27 من ربيع الآخر 1423هــالأثنين

مبادئ يوليو وخطاب مصر‏2002‏
بقلم: د‏.‏ عادل صادق

ليس غريبا ولا مصادفة أن يهتم الرئيس مبارك بصفته رئيس مصر بمضمون وشكل احتفالات المصريين بذكري ثورة‏23‏ يوليو هذا العام‏..‏ ليس لأنه العيد الخمسين ولكن المغزي أعمق من ذلك‏,‏ وهو أن الخطاب المصري في عام‏2002‏ يحتوي علي المبادئ الأساسية التي قامت عليها ثورة يوليو والتي تضمنها بوضوح كتاب عبد الناصر فلسفة الثورة‏.‏

‏..‏ ولم يحد حسني مبارك عن هذه المباديء منذ توليه الحكم ولكن في هذا العام بالذات نحتاج إلي أن نستلهم بعمق هذه المباديء ليس علي المستوي الوجداني فحسب كما تعودنا ولكن علي مستوي الفكر الذي يتصدي لتفسير الواقع وإعلان المواقف والإعداد للمستقبل‏.‏
‏**‏ وعند اعادة القراءة نجد ان صلب مبادئ‏23‏ يوليو هو التأكيد علي استغلال الإرادة الوطنية رغم أن قراءة الواقع تؤكد أن القابض علي ارادته الوطنية اليوم هو كالقابض علي الجمر‏..‏ إلا أن استقلالية الارادة الوطنية هي مسألة حياة أو موت حتي لا تنصهر هويتنا القومية وتنمحي عقولنا ويعاد صياغتها وفقا لإرادة أجنبية تسعي لفرض ثقافتها بالتهديد والقوة من أجل مصالحها‏..‏ ولأن الحروب التقليدية نتائجها محدودة فإن الحرب الحديثة هي استبدال عقل بعقل آخر واستبدال هوية بهوية أخري وذلك بالتهديد بالقوة وعن طريق سلب استقلالية الإرادة الوطنية‏..‏

‏**‏ وإذا كان من المهم في عام‏1952‏ أن نسترد استقلالية إرادتنا الوطنية لطرد المحتل والقضاء علي أعدائه بالداخل فإنه من المهم أيضا تمسكنا بهذه الارادة في عام‏2002‏ حيث التهديد أعظم والخطر أفدح‏..‏
‏**‏ ولعل عبارة واحدة نطق بها رئيس أمريكا في أول حديث له بعد هجوم‏11‏ سبتمبر تكشف عن مخطط إلغاء الهويات الإقليمية من خلال القضاء علي استقلالية الإرادة الوطنية وهي التي تقول‏:‏ من ليس معنا فهو ضدنا‏..‏ ومفهوم طبعا أن تكملة العبارة‏:‏ ومن هو ضدنا فسوف نسحقه سحقا‏..‏

‏**‏ العبارة الثانية التي كشفت المستور هو وصف ما حدث في سبتمبر وما سيليه من رد فعل هو أشبه بالحرب الصليبية‏..‏ وهذا معناه أن حربهم لن توجه إلي دولة بعينها ولكنها ستوجه إلي ثقافة بعينها‏.‏ وهذا معناه أن الإبادة القائمة علي أرض فلسطين وما سبقها علي أرض أفغانستان وما سيليها علي أرض إيران وباكستان والعراق ما هي إلا جزء من المخطط الأعظم الهادف إلي سحق الثقافات وإعادة رسم الخريطة للكرة الأرضية‏..‏
‏**‏ واستفادت إسرائيل من هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ العالم لإعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط تتفق مع أهدافها للتوسع فدعمت فكرة الإرهاب الإسلامي والذي يحمي الثقافة العربية والذي من ضمن أهدافه ليس فقط القضاء علي الدولة العبرية وإنما تحرير الأرض العربية من أي نفوذ غربي وتحرير العقل العربي من أي غزو ثقافي يهدد الهوية العربية‏.‏

‏**‏ ولا يختلف عام‏2002‏ عن عام‏1948‏ في أن نؤكد اهمية دعم القضية الفلسطينية والدفاع عن الحقوق العربية‏..‏ وتلك كانت إحدي المحاور الاساسية في كتاب فلسفة الثورة‏(‏ مباديء ثورة‏23‏ يوليو‏)‏؟ ولعل هذا هو السبب الثاني الذي يجعلنا نقف علي قمة هرم خوفو في‏23‏ يوليو لنعلن تمسكنا بمباديء الثورة وأن يتضمن الخطاب المصري التأكيد علي عروبة مصر ودعم القضية الفلسطينية وذلك دفاعا عن هويتنا الأصلية وهي الهوية العربية‏..‏
ولعل مقترحات رئيس أمريكا الأخيرة المتعلقة بالقضية الفلسطينية تكشف عن الموقع الذي يتحدث منه هذا الرجل وهو موقع المتحكم في مصائر الشعوب حيث أملي علي الفلسطينيين كل ما يتعلق بأسلوب إدارتهم لحياتهم السياسية والاجتماعية‏,‏ وتحديد مستقبل دولتهم‏..‏

ولعل مطابقة مقترحات بوش مع مقترحات شارون يعني التوحد الكامل بين أهدافها من حيث استخدام امريكا لإسرائيل لفرض هيمنتها الثقافية واستخدام اسرائيل لأمريكا لتحقيق اهدافها التوسعية‏..‏
‏..‏ وإذا واصلنا القراءة في مباديء ثورة يوليو فسنجد أن أحد محاورها الرئيسية هي تحقيق العدالة الاجتماية ودعم الطبقات الفقيرة‏..‏ وأي مشتغل بالحكم يستطيع بسهولة أن يري العلاقة الحيوية بين استقلال الإرادة الوطنية والعدالة الاجتماعية‏..‏ وأن الفقر المادي والفقر الثقافي والظلم الاجتماعي هي الأبواب الأمامية وليست الخلفية التي تسمح بنفاذ السموم التي تهدد أمن وسلام المجتمع وتجرجره الي مصيدة يطلق عليها حديثا اسم العولمة‏..‏ ولا نريد ان نحمل كلمة عولمة معاني اكثر من حجمها الا ان تعريفها السياسي يعني بالقطع سلب الإرادة الوطنية والقضاء علي الهوية الثقافية من اجل احكام السيطرة الكاملة وتقسيم العالم الي تابع ومتبوع‏.‏

‏**‏ وفي ظل واقع سياسي دولي نعيشه الآن لا يمكن أن نختم الحديث عن مباديء ثورة يوليو وحاجتنا الي استلهامها في عام‏2002‏ إلا ونذكر احد المباديء الاساسية في فكر جمال عبد الناصر مفكر الثورة وهو أن ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة‏.‏
‏**‏ وبالتالي فإن ما يتردد عن خطط السلام ما هي الا دعاوي غير صادقة المقصود منها تغييب الوعي حتي يتاح للمعتدي أن يبتلع ويهضم مزيدا من الأراضي تماما مثل الهدنة المؤقتة التي فرضها العالم علي اليهود والعرب والتي أتاحت لليهود إعادة تنظيم الصفوف ودعم القوة العسكرية واحتلال مزيد من أرض فلسطين‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية