|
|
 |
هذا الإصرار من الرئيس الأمريكي بوش, وأركان إدارته علي رفض التعامل مع الرئيس الفلسطيني عرفات, حتي ولو أعاد الشعب الفلسطيني انتخابه مرة ثانية, أصبح يمثل حجر زاوية في السياسة الأمريكية لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي, فلا يكاد يمر يوم إلا ونجد تصريحا لمسئول أمريكي يؤكد هذا الإصرار إلي حد أن وزير الخارجية باول أعلن الأحد الماضي أن الإدارة وبناء علي خطاب الرئيس بوش قررت عدم التعامل مع عرفات الآن أو في المستقبل, لأن قيادته متصدعة وغير مناسبة للشعب الفلسطيني, ولابد من انتخاب قيادة جديدة, كما حذر الشعب الفلسطيني بأنه في حالة عدم انتخابه للقيادة الجديدة, فإن أمله في قيام دولة فلسطينية لن يتحقق..! .. وما أعلنته أيضا كونداليزارايس مستشارة الأمن القومي بإنه لايمكن إحراز تقدم نحو السلام في الشرق الأوسط من دون حدوث تغيير علي رأس القيادة الفلسطينية.
لماذا إذن هذا الإصرار الأمريكي علي رفض التعامل مع عرفات أو بمعني أدق تصفيته سياسيا؟ .. وإجابة علي هذا السؤال أجد من الضروري عدم اتفاقي مع الرأي الذي يفسر أن سبب عقدة الإدارة الأمريكية من عرفات هي دمغه والقيادة الفلسطينية بالإرهاب, كما جاء في خطة بوش التي دعا فيها الشعب الفلسطيني لانتخاب زعماء جدد لايدمغهم الإرهاب وهو مايعني أن القيادة الحالية إرهابية, ويأتي عدم اتفاقنا مع هذا التفسير أن الأحداث تلغيه تماما, حيث إن الرفض الأمريكي للتعامل مع عرفات كان سابقا علي الحادث الإرهابي في الحادي عشر من سبتمبر الماضي, الذي كرس هاجس الإرهاب في عقل الإدارة الأمريكية, وفرض نفسه علي سياستها, بدليل أن الرئيس بوش منذ بدأت إدارته في المشاركة في حل مشكلة الشرق الأوسط ـ بعد عدم الحماس في ذلك ـ وهو يعلن عن عدم ثقته بعرفات, وخيبة أمله فيه, وأكد هذا الموقف بعدم دعوته لزيارة واشنطن, كما كان يحدث في عهد كلينتون, بل الأكثر من ذلك رفضه مقابلته أو حتي مصافحته خلال حضورهما اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي!
.. ولعل أقرب التفسيرات الموضوعية التي يراها الخبراء والمحللون السياسيون لهذا الرفض الأمريكي للتعامل مع عرفات والسعي إلي تصفيته سياسيا تتمثل في التالي: أولا: أنه يمثل انتصارا لمصلحة طيار الصقور في الإدارة الأمريكية الذي ينتقد باستمرار حكومة عرفات ويعتبرها فاسدة, ولها علاقة وطيدة بالعمليات الإرهابية( وهي المقاومة الباسلة), وهذا التيار يمثله نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد, ومستشارة الأمن القومي رايس وهم الذين يتبنون موقف وسياسة شارون, التي تزعم أن التعامل مع عرفات كرئيس إرهابي, سوف يضعف من حجة أمريكا ومصداقيتها في حربها ضد الإرهاب العالمي.
ثانيا: أن هذا الرفض يمثل ترضية للسفاح شارون, ودعما لسياسته, التي يزعم فيها أنه يواجه الإرهابي الفلسطيني, ويرفض التعامل مع عرفات الذي يقوده, وهو يسعي إلي التخلص منه, كما نفذ, ولايزال, ذلك بمحاصرته في مقره وتدميره أكثر من مرة!, بل الأكثر من ذلك الإعلان عن خطط لاغتياله, أو لاخراجه من الأرض الفلسطينية وغيرها.
ثالثا: يزكي رفض التعامل مع عرفات أيضا مصلحة الإدارة الأمريكية, حيث تحرص علي دعم أصوات اليهود هناك في الانتخابات المقبلة التي تبدأ في نوفمبر المقبل بانتخابات الكونجرس, حيث يري تيار الصقور ضرورة عدم تصادم الإدارة مع هذه القاعدة الانتخابية العريضة, التي تتعاون مع التيارات المسيحية المتطرفة من ناحية, ومع اللوبي اليهودي من ناحية أخري, وجميعها تؤيد وتناصر السياسية الشارونية.
رابعا: لعل أبرز مثال علي تأثير هذا التيار الرافض للتعامل مع عرفات يتضح لنا من تغيير باول للهجة تصريحاته, إذا ماتذكرنا الفارق بين تصريحاته الأحد الماضي ـ التي بدأنا بها المثال والتي أشار فيها إلي أن الإدارة لن تتعامل مع عرفات الآن أو في المستقبل, وبين تصريحاته التي أعلنها عقب إذاعة بوش لخطة, حيث قال في حديث إذاعي: إن قرار الدعوة إلي انتخاب قيادة جديدة للسلطة الفلسطينية اتخذ علي مضض بعد إضاعة فرص عدة منحت لعرفات بهدف التخلي عن الإرهاب والبدء في تنفيذ إصلاحات, وأن الولايات المتحدة تأمل بألا ينتخب الفلسطينيون عرفات مجددا رئيسا للسلطة الفلسطينية لكنها ستحترم نتائج الانتخابات إذا كانت حرة ونزيهة.
*** .. تلك هي العوامل التي نرصدها وراء إصرار الإدارة الأمريكية علي رفض التعامل مع عرفات, ومايجعلنا نراها صحيحة أنه يبدو واضحا أن الإرادة الإسرائيلية ورغبات شارون واضحة في إعدادها بل وفي الكثير من المفردات التي استخدمت فيها, ومايجعلنا نتمسك بذلك هو أن شارون كان علي علم كامل بمضمون الخطاب أو الخطة قبل إلقاء بوش لها بتسع ساعات, حيث نشر أن الخطاب وصل إلي مكتب شارون وقرأه هو ومساعدوه واطمأنوا إلي أن مضمونه مقبول لهم تماما, بل الأكثر من ذلك نشر أن بوش كان علي اتصال دائم مع شارون منذ يوم الخميس السابق علي اليوم الذي ألقي فيه بوش خطابه, وأنه أجري تنسيقا مفصلا معه, وأنه أبلغه أنه سوف يطالب الشعب الفلسطيني بتغيير عرفات وكل المحيطين به, الذين ارتبطوا بالإرهاب, وهو شرط لقيام الدولة الفلسطينية ـ المؤقتة!! ... وأمام هذا الحصر للأسباب التي نراها وراء الرفض الأمريكي للتعامل مع عرفات, والسعي إلي تصفيته أو عزله سياسيا, تتفق تماما مع التفكير والرغبة الاسرائيلية, والحرص الأمريكي علي مصالحها مع إسرائيل, يدفعنا إلي التخوف من أن يكون وراء ذلك تخطيط يعطي لأمريكا ـ الراعي الأول لعملية السلام مبررا لعدم الالتزام بما جاء في خطة رئيسها, وتأجيل حل هذا الصراع, أو علي الأقل التلاعب والمراوغة في ذلك, وهو مايمثل جزءا من السياسات الاسرائيلية في كل عهود حكوماتها, خاصة أن شارون اتخذ قراره بالبدء في تفكيك مكاتب الارتباط المشتركة التي تمثل آخر مفردات التعاون الأمني مع الفلسطينيين طبقا لاتفاق أوسلو, وهومايراه الخبراء تمهيدا وتكريسا للاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة أمينا وإداريا!
*** .. وأمام رفض العالم كله, زعماء وشعوبا وخبراء سياسة لهذا الموقف الأمريكي الذي يحاول فرض وصايته علي إرادة الشعب الفلسطيني, وهو الأمر المرفوض شكلا وموضوعا عربيا وعالميا, ولايتفق أبدا مع الشرعية الدولية ومبادئ الديمقراطية التي تنادي بها أمريكا نفسها والتي احتفلت الخميس الماضي بعيد استقلالها, وأمام هذا التخوف من أن يكون وراء هذا الإصرار علي عدم التعامل مع عرفات حتي لو أعيد انتخابه, بتنفيذ أمريكا لتهديدها بعدم تأييد قيام الدوله الفلسطينية, يصبح من الضروري أمام العالم كله, وفي المقدمة العالم العربي والإسلامي, التعاون الكامل للعمل علي إقناع الإدارة الامريكية أن تترك للشعب الفلسطيني حقه الشرعي الأصيل في اختيار قيادته, في ظل انتخابات ديموقراطية نزيهة تحت إشراف دولي, وبالتالي يصبح عليها التعامل مع هذه القيادة الشرعية, حتي ولو كانت عرفات, لأن تجربة ممارساته السياسية في المباحثات في الفترة الماضية, اتسمت بالمرونة, وقد تأتي الانتخابات وسط هذا الرفض الأمريكي بالتدخل في الشأن الفلسطيني بقيادات أكثر تشددا, يمكن أن تتجمد معها التسوية, وتزداد مخاطر العنف, وبالتالي تهدد المنطقة والمعالم العالمية فيها, وفي المقدمة المصالح الأمريكية.
*** .... والمؤكد أن التحركات والاتصالات التي يقودها زعيم مصر مبارك لإنقاذ الموقف الخطير في المنطقة يأتي من حرص مصر علي مسيرة السلام, وإعادة الفلسطينيين والاسرائيليين إلي مائدة المفاوضات, ارتكازا علي مبادئ وأسس واضحة في مقدمتها ضرورة التوصل إلي آليات محددة وجداول زمنية ملزمة للطرفين, تضمن وضع إيجابيات خطة بوش إلي واقع ملموس, ههذه هي القضية, وليست القضية هي رفض عرفات وتصفيته, فهذا شأن فلسطيني لايحق لأي دولة التدخل فيه, وكأن الشعب الفلسطيني أصبح مكتوبا عليه أن يدافع عن حقوقه الشرعية, بداية من انتخاب قياداته إلي الدفاع عن أرضه المغتصبة, بسبب هذا التعسف الأمريكي ـ الاسرائيلي..!! |
|
|
|
|
|