|
دروس التاريخ |
 |
أمريكا رغم ما تملكه من رصيد في مجال العلاقات الدولية, ورغم ما لديها من قدرات فكرية ودراسات تاريخية, إلا أنها ـ للأسف ـ لم تتعلم من دروس التاريخ, وتظن نفسها فوق القوانين المحركة للبشرية, وانها بما تملك من امكانات سوف تظل علي عرش تتويجها للعالم إلي الأبد. أمريكا نسيت روما, وكيف كانت سلطاتها وقيادتها للعالم القديم, ثم كيف انهارت.
ونسيت بريطانيا العظمي الامبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس, وكيف ضاعت! ونسيت ممتلكات فرنسا التي عادلت أكثر من عشرين مرة مساحتها, وكيف أصبحت الآن مقصورة علي حدودها الأوروبية.
ودروس التاريخ مليئة بمحاولات فرض زعامات مصطنعة رغم أنف شعوبها. ولعل ما كان من فرنسا في دولة المغرب ما يجعل امريكا تفهم أن مخططها نحو فلسطين وقيادتها الشرعية مصيره الحتمي الفشل والانهيار. ففرنسا عندما أدركت أن الحركة الوطنية المغربية في طريقها إلي تحقيق الاستقلال, قامت بنفي الملك محمد الخامس, ثم أتت بشخص يدعي الجلاوي ليقود الطريق كعميل لها, ولتأكيد وجودها في المغرب, وبدأت تستخدمه في التشهير بمحمد الخامس, ونجحت في تنصيبه سلطانا علي المغرب, ولكن ذلك لم يدم طويلا.
فرغم الحكم البوليسي, والحصار العسكري من جانب فرنسا علي المغاربة, فإنها لم تستطع قتل الحركة الوطنية! ورفض الشعب أن يذهب للصلاة في المساجد, وزادت أسطورة محمد الخامس الذي قضي عامين في المنفي بفرنسا, وفشل التآمر السياسي خاصة بعد أن أتت فرنسا بمحمد بن عرفة لتنصيبه ملكا مزيفا علي المغرب يساعده الجلاوي الذي كان بمثابة زعيم للقبائل.
وبدأت حركة المقاومة تزداد عنفا, وأصبحت أكثر فعالية من ذي قبل, ونجحت في إجبار فرنسا علي الاطاحة بمحمد بن عرفة, وإعادة محمد الخامس مرة أخري! نذكر أمريكا أيضا بما حدث في لبنان1942, عندما قامت فرنسا باعتقال بشارة الخوري رئيس الجمهورية ومجلس وزرائه, وفرضت اميل ادة علي لبنان, علي الرغم من أن الخوري كان منتخبا من الشعب اللبناني, مما زاد المقاومة اشتعالا. وأجبرت فرنسا ـ في النهاية ـ علي الاعتراف بالخوري رئيسا للجمهورية!
ولاشك أن دعوة أمريكا تغيير ياسر عرفات هو ضرب لكل القيم الديمقراطية, وإجهاز علي كل ما كانت ومازالت تؤمن به الولايات المتحدة. ولو قرأت أمريكا التاريخ جيدا, واستوعبت دروسه وأحداثه, فسوف تتأكد أن دعوتها ستنتهي بالفشل.
والمطلوب لحل المشكلة الفلسطينية هو إدراك أن ما يطالب به الفلسطينيون حق كفلته لهم الشرعية الدولية وأن أمن اسرائيل وحمايتها لن يكون إلا في ظل تحقيق أمل الفلسطينيين في دولة مستقلة لها وجود سيادي, وليس في ابتلاع كل أرض فلسطين. إن التجربة المستفادة من حركة التاريخ تؤكد أن الشعوب لاترضي بعميل يقودها, وأن جذوة الكفاح الوطني ستظل متأججة, ولا يمكن أن تموت, مهما تكن التحديات والقوي المتربصة بها.
والتجربتان المغربية واللبنانية خير شاهد علي ذلك. |
|
|
|
|
|