الكتاب

42238‏السنة 126-العدد2002يوليو29‏19 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

يوليو وعبد الناصر
وهل كان مثقفا‏...‏؟‏!(3)‏
بقلم : د‏.‏ مصطفي عبد الغني

هل السياسي يجب أن يكون مثقفا؟
نعيد طرح السؤال‏,‏ في هذا الشهر بشكل مباشر‏:‏
ـ هل كان عبد الناصر مثقفا؟

وعبورا فوق‏492‏ موقعا احتفاليا في هذه الأيام ـ بتعبير وزير الثقافة ـ تشهد مصر احتفاء واحتفالا بذكري يوليو‏..‏
وعبورا فوق عديد من الاحتفالات المشابهة في عديد من أقطار العالم العربي‏.‏
ثم عبورا فوق هذه الكتابات الغربية التي زادت هذا الشهر حتي وصفتها بعض المواقع الإليكترونية أنها نوعا من النوستالجيا‏(‏ الحنين‏)‏ الذي يبديه العديد من الكتاب الغربيين عن عبد الناصر‏(‏ العروبي‏)‏ في عصي الإسلام السياسي والاضطرابات الغامضة في العالم العربي‏.‏

‏..‏ نقول عبورا فوق كل هذا‏;‏ فإن التوقف عند‏(‏ وعي‏)‏ عبد الناصر كسياسي يمتلك قدرا هائلا من وعي المثقف يلفت النظر إزاء كل هذه الندوات والتحليلات والكتابات المكثفة والمراجعات المتباينة في ردود أفعالها‏,‏ ثم إزاء ما يمثله عبد الناصر ومشروعه الفكري من قيمة مازالت بيننا حتي اليوم‏.‏
ومع ما تثيره ذكري يوليو من قضايا إشكالية‏,‏ قد نعود إليها مرة أخري‏,‏ فإن أكثر ما يلفت النظر في وعي زعيم مثل جمال عبد الناصر هو أنه لم يكن سياسيا وحسب‏,‏ وإنما سياسي جمع إلي التكوين السياسي الوعي الثقافي‏,‏ حتي إننا نستطيع أن نعيد طرح السؤال الذي نعرف إجابته جيدا الآن‏:‏
ـ هل كان مثقفا حقا؟ فنجد الإجابة أمامنا بغير جهد كبير فلنحاول الإجابة معا‏,‏ ونفكر بصوت عال‏;‏ هل‏..‏؟

‏(2)‏
علي المستوي الشخصي‏,‏ فقد لمست هذا الوعي الثقافي‏,‏ ليس بين أوراقي الدراسية وحسب‏,‏ وإنما بين الجماهير العريضة في انحاء العالم العربي‏,‏ بل وبين الجماهير العربية والتي تعيش بشكل أو بآخر في الغرب‏,‏ بل وبين السياسيين والمثقفين انفسهم ممن شهدوا هذه الفترة وعرفوا عبد الناصر عن قرب‏..‏
ولأضرب مثالا واحدا‏,‏ فاذكر انني كنت في احدي العواصم الغربية‏,‏ وعقب إلقاء كلمتي عن عبد الناصر‏,‏ والذي أسهبت فيه حول الوعي الثقافي الفائق له‏,‏ روعت أن عددا كبيرا من الحاضرين ـ واغلبهم من الشباب العرب المغتربين ـ راحوا يلفتون نظري الي ان عبد الناصر كان مثقفا‏..‏
ألم أقل هذا؟‏,‏ حدثت نفسي‏,‏ ومع ذلك يبدو أنني في حاجة ماسة لأعيد ما قلته‏,‏ فاستبدل بالكلام الذي يلقيه المحاضرون بالورق الذي بين أيدي‏;‏ لم تفتني الدلالة ورحت أدلل‏;‏ من جديد‏,‏ علي وعي عبد الناصر الفائق بدور المثقف حتي أنه لا يكف عن إيراد وعي المثقفين في خطبه الكثيرة وقيمهم علي ان يكون هذا الوعي وهذه القيمة تمارس‏(‏ ضمن تحالف قوي الشعب العاملة‏..‏ لأن المثقفين ليسوا طبقة وإنما هم علي وجه الدقة قوة

ورحت أسهب ـ أكثر في ضرب الأمثلة من الخطب المتناثرة لعشرين عاما ووثائق مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام‏(‏ يناير‏1967‏ ـ ديسمبر‏1968,‏ وأكثر مالفت نظري كما أشرت‏,‏ أنني رغم إشارتي إلي وعي عبد الناصر يالمثقفين ومصادر وعيه هو الشخصي‏(‏ كمثقف‏),‏ فإن القاعة راحت تكرر‏,‏ وكأنها لم تسمع منذ قليل‏,‏ ان عبد الناصر كان مثقفا‏,‏ وكأنهما تريد التأكيد علي هذه الحقيقة‏..‏
بل ورحت اورد لأدلل ـ في قضية لا تحتاج لدلالة أو برهان ـ من كتابات معاصريه أن أحد رفاقه خالد محيي الدين علي سبيل المثال ـ لم يكن ليمل من التأكيد في كتابه الأخير ان عبد الناصر كان قارئا ممتازا سواء قبل الثورة أو بعدها‏,‏ وحتي بعد أن اصبح حاكما متعدد المسئوليات كان يولي مسألة المعرفة اهتماما خاصا‏,‏ وكان هناك جهاز خاص مهمته ان يلخص له الكتب المهمة وأن يترجم له العديد من الكتب والمجلات والصحف‏.‏؟

وإبان استعداده للسفر الي اوروبا‏,‏ في كل مرة‏,‏ يجد رغبة عبد الناصر الوحيدة في المعرفة فيضيف‏:‏
وطلب مني أن أرسل له كل ما اعتقد أنه مفيد من كتب ومجلات ولعل شغفه بالمعرفة هو الذي جعله يهتم مسألة المعلومات‏,‏ وكان عبد الناصر لا يتخذ أي قرار إلا بناء علي معلومات وكان يهتم دوما بالمعلومات ليس فقط من اجل تحقيق امكانية اتخاذ قرار صحيح‏,‏ وانما من اجل التعرف علي من يتعامل معهم تعاملا وثيقا ودقيقا والمعروف ان هيئة الاستعلامات كانت اهم هذه الاجهزة التي تحددت همتها الأولي في اطلاع عبد الناصر علي أحدث ما يصدر في العالم فكانت ترصد ما ينشر وتحضره بل وتترجم ما تترجم وتلخص ما يجب تلخيصه وفي مكتبة دار الوثائق حتي اليوم اعدادا كبيرة من الكتب المهمة المترجمة لعبد الناصر خصيصا‏..‏ وهو ما يدل علي الوعي الفائق لهذا المثقف الذي أصبح الآن سياسيا‏.‏

‏(3)‏
وهذا الوعي المثقف لدي الزعيم‏,‏ يشهد به أنصاره او أعداؤه علي السواء‏.‏
لقد ظللت قرابة خمس سنوات استمع واسجل واكتب‏(‏ كل‏)‏ ما سمعته من‏(‏ شهود‏)‏ عبد الناصر اثناء كتابة أطروحة عن يوليو ـ وفي كل مرة كنت ألاحظ ان المثقفين الشهود من شيء المواقع لا يترددون في ان يؤكدوا ان عبد الناصر كان يمتلك وعيا فائقا يجاوز به رؤية السياسي وفعله مجردا رؤية المثقف وذكاء المفكر من ذلك‏,‏ كان الحوار الطويل مع احد اهم رموز اليسار في الفترة الناصرية في حوار طويل حول عبد الناصر الذي عاني منه اليسار كما عاني هو ايضا من اليسار‏,‏ ووجدتني اسأل المثقف اليساري فجأة‏:‏
ـ وهل كان عبد الناصر فيما تري مثقفا؟

وقبض ابو سيف يوسف ـ المناضل اليساري المعروف ـ قلمه وراح يكتب بالحرف الواحد‏:‏
كان عبد الناصر قارئا جيدا حين تجلس معه تحس انه ليس مجرد قارئ عادي وانما قارئ متمرس يعرف جيدا الاشتراكية إقرأ مثلا محاضرة في اللجنة الوحدوية تكتشف علي الفور ان لديه دراية عالية عن الاشتراكية‏.‏

كان أول ما يقرأه صباحا مجلة‏(‏ الطليعة‏)‏ وعلي فكرة لم يكن عبد الناصر يقرأ الطليعة ليعرف منها اليسار‏,‏ كان عبد الناصر يعرف اليسار جيدا‏).‏
وسألت المثقف الإسلامي السؤال نفسه‏,‏ فراح يقول لي خالد محمد خالد ـ رحمه الله ـ انه ـ أي عبد الناصر ـ كان يشتري قبل الثورة نسخا كثيرة له من جيبه الخاص من كتاب‏(‏ مواطنون لا رعايا‏)‏ ويقوم بنفسه بتوزيعه علي زملائه‏,‏ وقد كان يفعل ذلك مع كتب أخري لكتاب آخرين‏,‏ بل أن خالد محمد خالد أسهب اكثر ان عبد الناصر بعد الثورة ظل مستمرا في قراءة الكتب‏,‏ ومستمرا في مناقشة أصحابها بل أنه ـ وهذا مسجل في ادارة الرقابة ـ ان عبد الناصر أفرج شخصيا عن كتب لخالد محمد خالد كانت في طريقها الي المصادرة أو صودرت بالفعل‏,‏ وهو ما أكده عبد الناصر نفسه لصاحب هذه الكتب في اجتماع علي الهواء في اللجنة المركزية في بداية الستينيات‏(‏ ونعتذر عن إيراد النص لطوله‏).‏

‏*‏ أيضا راح المثقف الليبرالي يؤكد هذا‏,‏ فقد أسهب إحسان عبد القدوس لأكثر من مرة علي وعي السياسي الذي يكن احتراما بالغا للمثقفين والذي ـ يشير الي صورة عبد الناصر بعد ان رحل‏:‏
كان يقرأ كثيرا ويرغب دائما في الحصول علي كتب‏,‏ ويطلب مني عناوين محددة‏,‏ وكان يأخذ مني الكثير‏,‏ وفي كل مرة كان يجد معي كتابا او يجدني أقرأ كان يسألني علي الفور‏:‏ ماذا أقرأ‏;‏ وفي حالات كثيرة أثناء الحديث الفطري معه كان يسأل بعمق أو يغيب عنا بعمق‏,‏ وهو ما يبرز حين يحس بهذا فيعتذر مرددا أنه كان يفكر فيما يقرأ‏.‏

نحن لا نريد ان ندلل بعد هذا كله علي ان عبد الناصر كان سياسيا مثقفا‏,‏ أو سياسيا واعيا ـ أكثر من كثير من السياسيين ـ بما يحدث حوله‏,‏ ومراجعة مواقفه وخطبه يرينا أنه يريد أن يقدم حكومة الثورة فيربط بينها وبين الدولة فهي‏(‏ حكومة المثقفين‏)‏ ـ هكذا ـ ومراجعة خطبه في الخمسينيات والستينيات تؤكد أكثر مفهومه بالنسبة للمثقفين‏.‏
ولدينا عشرات المراجع التي تؤكد وعي السياسي المثقف بشكل يلفت النظر كثيرا‏.‏
إن عبد الناصر كان مثقفا كبيرا بقدر ما كان سياسيا كبيرا‏.‏
وهل يحتاج هذا لسؤال‏..‏؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية