الكتاب

42238‏السنة 126-العدد2002يوليو29‏19 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

فرح ديبا تفتح قلبها
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

قالت لي امبراطورة إيران السابقة فرح ديبا إنها كثيرا ما تتعرض لإجراءات أمن غير عادية‏,‏ حين تسافر إلي الولايات المتحدة‏,‏ فهي تحمل جواز سفر مصريا وهو ما يدعو في عرف الأمن الأمريكي إلي الشك والريبة‏..‏ يقول إن جهة ميلادها هي طهران وهو ما يدعو في عرف الأمن الأمريكي إلي مزيد من الشك‏,‏ ومزيد من الريبة‏..‏ وهكذا يتم تفتيش كل شيء‏,‏ بما في ذلك الأحذية وكعوب الأحذية‏,‏ فليس دائما يتعرف عليها ضباط الأمن الأمريكيون الذين قد يجهلون ليس فقط تاريخ إيران‏,‏ وإنما أيضا موقعها علي الخريطة‏,‏ فتصبح الامبراطورة السابقة بالنسبة لهم سيدة تحمل جواز سفر من إحدي بلاد الشرق الأوسط‏!‏ يقول إن منشأها بلاد الشيطان‏!!..‏ لكن فرح ديبا تضيف‏:‏ والحقيقة أنهم في معظم الأحيان يعتذرون بشكل غير مباشر عن تلك الإجراءات المشددة‏,‏ وفي المرة الأخيرة سألني مسئول الأمن بمطار نيويورك‏:‏ هل لديكم فرص عمل هناك في مصر؟‏..‏ لقد سئمت هذه الإجراءات التي أقوم بها هنا كل يوم رغما عني‏!.‏
ولمحت نظرة حزن واضحة في عيني فرح ديبا وهي تقول‏:‏ إنني أعتز جدا بجواز السفر الذي منحته لي مصر في عهد الرئيس السادات حين تخلي العالم كله عنا بما في ذلك من كنا نظنهم أصدقاء‏!.‏

وكانت فرح ديبا بذلك تسترجع ذكريات عام‏1979‏ حين فوجيء شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي وأسرته بأنه ليس هناك دولة في العالم تريد أن تقبله بها‏,‏ بعد أن خرج من إيران علي إثر قيام ثورة آية الله الخميني‏,‏ وليسوا كثيرين في العالم الذين كانوا يحكمون بلادهم ويأمرون وينهون‏,‏ ثم إذا هم لاجئون يجوبون العالم بلا مأوي‏,‏ فلا دولة هناك علي استعداد لقبولهم‏,‏ ولقد كانت المفاجأة التي اتسمت ببعض التدني هي ما حدث من الولايات المتحدة بالذات‏,‏ التي كان الشاه أكبر حليف لها في المنطقة‏,‏ ثم إذا بها تدير له ظهرها بمجرد سقوطه‏,‏ وترفض استضافته هو وأسرته بها علي أراضيها‏.‏
وتقول فرح ديبا‏:‏ إننا لن ننسي أبدا ما قام به الرئيس أنور السادات حين وافق علي أن نجييء إلي مصر‏,‏ ومنحنا جوازات سفرنا المصرية‏,‏ بعد أن صرنا بلا هوية‏,‏ إن فضله وفضل مصر علينا سيظل كبيرا‏,‏ ثم تضيف‏:‏ وأنا أقول فضله وفضل مصر‏,‏ لأننا تأكدنا أن قرار الرئيس السادات كان معبرا عن طبيعة الشعب المصري المتحضر والكريم‏,‏ ذلك أن بعض الصحفيين الأجانب جاءوا إلي مصر في ذلك الوقت يسألون الناس عن رأيهم في قرار الرئيس‏..‏ وكانوا يتصورون أنهم سيحصلون علي انتقاد لهذا القرار يبرر موقف بلادهم التي رفضتنا‏,‏ لكنهم فوجئوا ـ حسبما نشر في ذلك الوقت ـ ببائع البطيخ في الشارع وسائق التاكسي ومعظم من تحدثوا إليهم يوافقون علي قرار الرئيس السادات قائلين إن هؤلاء أناس خرجوا من بلادهم ورفضهم حلفاؤهم القدامي‏..‏ فأين يذهبون؟‏!‏

وتتواري نظرة الحزن قليلا لتفسح الطريق لتلك الابتسامة الرقيقة التي اشتهر بها وجه فرح ديبا منذ طالعتنا صورها الأولي عند زواجها من شاه إيران عام‏1959‏ والتي لم تستطع سنوات المحن الـ‏23‏ الأخيرة أن تسلبها إياها‏,‏ ثم تقول‏:‏ إن جواز السفر المصري هو الجواز الوحيد الذي أحمله اليوم‏..‏ ولولاه لست أعرف ماذا كان يمكن أن يحدث لي أنا وأولادي‏,‏ خاصة بعد وفاة زوجي في العام التالي مباشرة لقيام الثورة؟‏!.‏
ثم تسرح بعيدا تلك العينان التي تبدو صاحبتهما دائما وكأنها قد أفاقت لتوها من نوم هاديء طويل‏,‏ وهي تقول‏:‏ لقد كانت الأوقات التي أمضيناها في مصر سعيدة للغاية‏,‏ كنا نقيم بقصر القبة‏,‏ وكنت أجد ترحيبا ومودة من جميع الناس‏,‏ لذلك لم أفهم علي الإطلاق لماذا كان يقال لنا دائما ألا نخرج من القصر‏,‏ بل وألا نتجول حتي في حديقته؟‏!‏ لقد كنت أشعر بانتماء للمكان لدرجة أنني قررت أن أتعلم العربية وأن تكون مصر هي مستقري علي الدوام‏,‏ لكن للأسف انشغالي بمرض الشاه وتعاملي مع‏,‏ الأطباء ومتابعة علاجه كانت تأخذ الوقت الأكبر‏,‏ ولم أستطع أن أولي دروس العربية الاهتمام الكافي‏.‏

وسألت فرح ديبا‏:‏ إذا كنت قد وجدت الراحة في مصر‏..‏ فلماذا تركتيها أنت وأسرتك بعد وفاة الشاه؟
قالت‏:‏ بعد رحيل زوجي يوم‏27‏ يوليو‏1980‏ أخبرتنا الولايات المتحدة أنه بإمكاننا أن نذهب إليها إذا أردنا‏..‏ وفي ذلك الوقت لم أفكر إلا في مصلحة أولادي الأربعة‏,‏ فقد كانوا يتطلعون إلي الالتحاق بالجامعات في الولايات المتحدة‏,‏ لذلك قبلت التوجه إلي هناك‏..‏ وأذكر أنني قبل سفري كنت أحضر عرضا موسيقيا في دار الأوبرا هنا في القاهرة لعازف التشيللو العالمي روستروبوفيتش‏,‏ الذي قابلته بعد العرض فقال لي إن أحد أسباب قدومه إلي مصر هو إعجابه بموقفها من حاكم سابق تنكر له العالم كله هو وأسرته‏..‏ فلم تحتضنه إلا بلد الحضارة الإنسانية والخلق الكريم‏..‏ ولقد سعدت جدا أن قال لي ذلك في حضور السفير الأمريكي بالقاهرة‏.‏

قلت‏:‏ لكنك الآن تركت الولايات المتحدة وأقمت في باريس؟
قالت‏:‏ نعم‏..‏ لأن توجهي إلي الولايات المتحدة كان من أجل الأولاد‏,‏ وبمجرد أن صارت لكل منهم حياته‏,‏ تركت الولايات المتحدة‏,‏ فقد ذهبت فرحناز ابنتي الكبري تدرس علم النفس في جامعة كولومبيا بنيويورك‏,‏ والتحق علي رضا بجامعة برنستون يدرس الفيزياء والرياضيات والموسيقي‏,‏ فهو المثقف في بيتنا‏,‏ أما ابني الأكبر رضا بهلوي‏41‏ عاما فهو يقيم الآن بشكل دائم في فرجينيا بالقرب من واشنطن‏,‏ وكان يدرس في كاليفورنيا حين قامت الثورة في إيران‏,‏ وهكذا لم أجد لنفسي شيئا يبقيني في الولايات المتحدة‏,‏ فانتقلت عام‏1985‏ للإقامة في فرنسا‏,‏ لأنها أكثر دولة كنت أعرفها بعد إيران منذ ذهبت إليها أدرس المعمار في الخمسينيات‏.‏

وإذا كانت الشاهبانو ـ كما كان لقبها وقت كانت زوجة الشاه ـ تقيم بصفة دائمة في باريس‏,‏ فهي تحضر إلي مصر كل سنة في مثل هذا الموعد‏,‏ حين تحل الذكري السنوية لرحيل زوجها يوم‏27‏ يوليو من كل عام‏,‏ حيث تقوم بزيارة ضريحه بمسجد الرفاعي بالقلعة‏,‏ أما القبر الثاني الذي سيضاف إلي زياراتها السنوية فهو الخاص بابنتها الصغري ليلي التي توفيت في العام الماضي‏,‏ في ظروف مأساوية بسبب تناولها كميات كبيرة من الأقراص المنومة‏,‏ وقد دفنت في فرنسا حيث كانت تقيم مع والدتها‏.‏
ومنذ بداية خروج فرح ديبا إلي الأضواء عام‏1959‏ وحتي الآن كانت الرحلة طويلة‏,‏ قطعتها الفتاة الإيرانية الجميلة التي ذهبت إلي باريس لدراسة العمارة والتي أصبحت فجأة الزوجة الثالثة لشاه إيران محمد رضا بهلوي‏,‏ بعد زواجه الأول من الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق‏,‏ والتي رزق منها بالأميرة شاهناز‏,‏ ثم زواجه بعد ذلك من جميلة الجميلات ثريا إصفندياري ابنة السفير المرموق والأم الألمانية والتي لم تنجب له أبناء فطلقها‏,‏ رغم حبه الكبير لها‏,‏ وتزوج فرح ديبا التي أنجبت له علي الفور أربعة أبناء أكبرهم رضا في العام التالي مباشرة للزواج‏,‏ ثم علي رضا‏,‏ ثم فرحناز ثم ليلي‏,‏ ورغم أن اسم أسرتها ديبا‏,‏ وهي كلمة تعني حرير في اللغة الفارسية‏,‏ إلا أن حياة فرح ديبا لم تكن حريرا في حرير‏,‏ فمنذ خرجت مع الشاه من إيران تحول الحرير في كثير من الأحيان إلي أكثر الأنسجة خشونة‏,‏ ولم يبق من الحرير إلا جمال الامبراطورة السابقة طويلة القوام‏,‏ والتي لم تترك سنواتها التي تخطت الستين علاماتها علي وجهها القططي المستدير‏.‏

وسألت فرح ديبا‏:‏ من أنت؟
قالت علي الفور‏:‏ أنا فرح بهلوي‏.‏
قلت‏:‏ فقط؟

قالت‏:‏ نعم‏..‏ فأنا لست فرح ديبا‏,‏ الفتاة التي كنت قبل الزواج‏,‏ ولست أيضا الامبراطورة التي أصبحت بعد الزواج‏,‏ أنا امرأة اسمي فرح‏..‏ تزوجت رجلا اسمه محمد رضا بهلوي‏,‏ وصرت الآن الأرملة التي تحمل اسمه‏,‏ لذلك فأنا أقدم نفسي سواء في التليفون أو في أي تعارف اجتماعي باسمي الحقيقي فرح بهلوي‏.‏
قلت‏:‏ هل يعني هذا أنك تخطيت تماما قسوة التجربة التي عايشتيها عندما خلع الشاه عن عرش إيران؟

قالت وفي صوتها نبرة صدق واضحة‏:‏ إن قلت لك إنني تخطيتها تماما‏,‏ أكون غير صادقة‏..‏ فمثل هذه التجارب القاسية لا تنسي بسهولة‏,‏ بل قد لا تنسي علي الإطلاق‏..‏ لكني أستطيع أن أقول إنني تمكنت من مواصلة حياتي رغم هذه التجربة‏.‏
قلت‏:‏ كيف تمضين وقتك الآن؟

قالت‏:‏ إنني أقضي وقتا طويلا في الرد علي الرسائل التي يبعث بها مواطنون إيرانيون إلي عنواني الإلكتروني‏,‏ خاصة من الجيل الجديد‏,‏ فأنا أشعر بأن هناك مسئولية معينة أتحملها تجاه أبناء وطني رغم أن استفساراتهم في معظم الأحيان تكون عن أشياء عادية في الحياة‏,‏ لكن يبدو أن أحدا لا يعتني بها‏,‏ إن تعداد إيران وصل إلي نحو‏70‏ مليونا من بينهم نحو‏30‏ مليونا من الشباب‏,‏ وهؤلاء من حقهم أن يعرفوا ما يجري حولهم في العالم‏,‏ وأن يتلقوا قدرا من التوجيه الموضوعي المحايد‏,‏ وأنا أشعر من رسائلهم أن هذا هو ما يسعون إليه‏.‏
فسألتها‏:‏ وما هي علي سبيل المثال آخر رسالة تلقيتيها؟

قالت‏:‏ كانت قبل مجيئي إلي القاهرة مباشرة‏,‏ وهي من فتاة إيرانية تؤلف الموسيقي‏,‏ وقد أرسلت لي موسيقاها وطلبت مني رأيي‏..‏ فاستمعت إليها‏,‏ وأعجبتني للغاية فاتصلت بأحد الموسيقيين الفرنسيين وعرضتها عليه‏,‏ ثم طلبت من الفتاة الاتصال به وتلقي رأيه في موسيقاها بشكل مفصل‏..‏ وقبل تلك الرسالة كانت هناك أخري تسأل عن موضوع يحتاج الرد عليه إلي كتاب كامل‏..‏ فقد كان السؤال يدور حول ما حدث عام‏1979..‏ أما خلاف ذلك فأنا سيدة لها أولاد وأحفاد‏,‏ وهم يأخذون جزءا كبيرا من وقتي‏,‏ وأنا ليس لي دور في الحياة العامة‏,‏ وإنما لي دور أعتز به في الحياة الخاصة‏,‏ سواء بالنسبة لأبنائي وأحفادي‏,‏ أو بالنسبة لأبناء وطني الذين يلجأون إلي‏.‏
قلت لها‏:‏ إنك تزورين مصر سنويا‏,‏ حيث تقيم زوجة الشاه الأولي فوزية‏..‏ وتعيشين بشكل دائم في باريس حيث كانت تعيش زوجته الثانية الأميرة ثريا حتي رحيلها قبل أقل من سنة‏..‏ هل قابلت أيا منهما ولو بالمصادفة؟

قالت‏:‏ لا‏..‏ لم أقابل أيا منهما أبدا‏.‏
ثم سكتت قليلا لتعود فتقول‏:‏ إنني آسفة‏..‏ إنني لم أعرف ثريا قبل وفاتها‏..‏ وربما كان علي أن أسعي للتعرف علي فوزية التي قيل لي انها مازالت تعيش في الإسكندرية‏,‏ لقد مرت كل منهما في ظروف صعبة للغاية‏,‏ وهذا قد يكون شيئا إضافيا يجمع بيننا‏.‏
قلت‏:‏ ما هي أمنيتك الآن؟
قالت بلا تردد‏:‏ أن أري طهران مرة أخري‏.‏

وأتصور أن حديثنا يكون بذلك قد اكتمل‏..‏ لكن الشاهبانو امبراطورة إيران السابقة التي مازال الناس يعرفونها باسم فرح ديبا‏,‏ وتفضل هي اسم فرح بهلوي‏..‏ تعود فتقول‏:‏ إن ما يجعلني أتحمل حياة المنفي التي أحياها منذ سنوات هي الأمل في أنني في يوم من الأيام سأعود لتطأ قدمي مرة أخري أرض إيران‏,‏ ولتري عيني سماء إيران‏,‏ ولتسمع أذني أصوات الشوارع في إيران‏,‏ ودون هذا الأمل تصبح حياتي مستحيلة‏.‏
وتلمع عيناها قليلا وهي تقول‏:‏ أأقول لك سرا؟ إنني في بعض الأحيان أشتاق إلي أبناء وطني فأقوم بطلب أي رقم تليفون في إيران لا أعرف أصحابه‏..‏ وأتحدث إلي من يجيبني حول أي شيء‏,‏ وبعدها أشعر أنني مازلت علي قيد الحياة‏,‏ وأن علاقتي بوطني مازالت موصولة رغم حياة المنفي الكئيبة التي فرضت علي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية