|
|
 |
قالت لي امبراطورة إيران السابقة فرح ديبا إنها كثيرا ما تتعرض لإجراءات أمن غير عادية, حين تسافر إلي الولايات المتحدة, فهي تحمل جواز سفر مصريا وهو ما يدعو في عرف الأمن الأمريكي إلي الشك والريبة.. يقول إن جهة ميلادها هي طهران وهو ما يدعو في عرف الأمن الأمريكي إلي مزيد من الشك, ومزيد من الريبة.. وهكذا يتم تفتيش كل شيء, بما في ذلك الأحذية وكعوب الأحذية, فليس دائما يتعرف عليها ضباط الأمن الأمريكيون الذين قد يجهلون ليس فقط تاريخ إيران, وإنما أيضا موقعها علي الخريطة, فتصبح الامبراطورة السابقة بالنسبة لهم سيدة تحمل جواز سفر من إحدي بلاد الشرق الأوسط! يقول إن منشأها بلاد الشيطان!!.. لكن فرح ديبا تضيف: والحقيقة أنهم في معظم الأحيان يعتذرون بشكل غير مباشر عن تلك الإجراءات المشددة, وفي المرة الأخيرة سألني مسئول الأمن بمطار نيويورك: هل لديكم فرص عمل هناك في مصر؟.. لقد سئمت هذه الإجراءات التي أقوم بها هنا كل يوم رغما عني!. ولمحت نظرة حزن واضحة في عيني فرح ديبا وهي تقول: إنني أعتز جدا بجواز السفر الذي منحته لي مصر في عهد الرئيس السادات حين تخلي العالم كله عنا بما في ذلك من كنا نظنهم أصدقاء!.
وكانت فرح ديبا بذلك تسترجع ذكريات عام1979 حين فوجيء شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي وأسرته بأنه ليس هناك دولة في العالم تريد أن تقبله بها, بعد أن خرج من إيران علي إثر قيام ثورة آية الله الخميني, وليسوا كثيرين في العالم الذين كانوا يحكمون بلادهم ويأمرون وينهون, ثم إذا هم لاجئون يجوبون العالم بلا مأوي, فلا دولة هناك علي استعداد لقبولهم, ولقد كانت المفاجأة التي اتسمت ببعض التدني هي ما حدث من الولايات المتحدة بالذات, التي كان الشاه أكبر حليف لها في المنطقة, ثم إذا بها تدير له ظهرها بمجرد سقوطه, وترفض استضافته هو وأسرته بها علي أراضيها. وتقول فرح ديبا: إننا لن ننسي أبدا ما قام به الرئيس أنور السادات حين وافق علي أن نجييء إلي مصر, ومنحنا جوازات سفرنا المصرية, بعد أن صرنا بلا هوية, إن فضله وفضل مصر علينا سيظل كبيرا, ثم تضيف: وأنا أقول فضله وفضل مصر, لأننا تأكدنا أن قرار الرئيس السادات كان معبرا عن طبيعة الشعب المصري المتحضر والكريم, ذلك أن بعض الصحفيين الأجانب جاءوا إلي مصر في ذلك الوقت يسألون الناس عن رأيهم في قرار الرئيس.. وكانوا يتصورون أنهم سيحصلون علي انتقاد لهذا القرار يبرر موقف بلادهم التي رفضتنا, لكنهم فوجئوا ـ حسبما نشر في ذلك الوقت ـ ببائع البطيخ في الشارع وسائق التاكسي ومعظم من تحدثوا إليهم يوافقون علي قرار الرئيس السادات قائلين إن هؤلاء أناس خرجوا من بلادهم ورفضهم حلفاؤهم القدامي.. فأين يذهبون؟!
وتتواري نظرة الحزن قليلا لتفسح الطريق لتلك الابتسامة الرقيقة التي اشتهر بها وجه فرح ديبا منذ طالعتنا صورها الأولي عند زواجها من شاه إيران عام1959 والتي لم تستطع سنوات المحن الـ23 الأخيرة أن تسلبها إياها, ثم تقول: إن جواز السفر المصري هو الجواز الوحيد الذي أحمله اليوم.. ولولاه لست أعرف ماذا كان يمكن أن يحدث لي أنا وأولادي, خاصة بعد وفاة زوجي في العام التالي مباشرة لقيام الثورة؟!. ثم تسرح بعيدا تلك العينان التي تبدو صاحبتهما دائما وكأنها قد أفاقت لتوها من نوم هاديء طويل, وهي تقول: لقد كانت الأوقات التي أمضيناها في مصر سعيدة للغاية, كنا نقيم بقصر القبة, وكنت أجد ترحيبا ومودة من جميع الناس, لذلك لم أفهم علي الإطلاق لماذا كان يقال لنا دائما ألا نخرج من القصر, بل وألا نتجول حتي في حديقته؟! لقد كنت أشعر بانتماء للمكان لدرجة أنني قررت أن أتعلم العربية وأن تكون مصر هي مستقري علي الدوام, لكن للأسف انشغالي بمرض الشاه وتعاملي مع, الأطباء ومتابعة علاجه كانت تأخذ الوقت الأكبر, ولم أستطع أن أولي دروس العربية الاهتمام الكافي.
وسألت فرح ديبا: إذا كنت قد وجدت الراحة في مصر.. فلماذا تركتيها أنت وأسرتك بعد وفاة الشاه؟ قالت: بعد رحيل زوجي يوم27 يوليو1980 أخبرتنا الولايات المتحدة أنه بإمكاننا أن نذهب إليها إذا أردنا.. وفي ذلك الوقت لم أفكر إلا في مصلحة أولادي الأربعة, فقد كانوا يتطلعون إلي الالتحاق بالجامعات في الولايات المتحدة, لذلك قبلت التوجه إلي هناك.. وأذكر أنني قبل سفري كنت أحضر عرضا موسيقيا في دار الأوبرا هنا في القاهرة لعازف التشيللو العالمي روستروبوفيتش, الذي قابلته بعد العرض فقال لي إن أحد أسباب قدومه إلي مصر هو إعجابه بموقفها من حاكم سابق تنكر له العالم كله هو وأسرته.. فلم تحتضنه إلا بلد الحضارة الإنسانية والخلق الكريم.. ولقد سعدت جدا أن قال لي ذلك في حضور السفير الأمريكي بالقاهرة.
قلت: لكنك الآن تركت الولايات المتحدة وأقمت في باريس؟ قالت: نعم.. لأن توجهي إلي الولايات المتحدة كان من أجل الأولاد, وبمجرد أن صارت لكل منهم حياته, تركت الولايات المتحدة, فقد ذهبت فرحناز ابنتي الكبري تدرس علم النفس في جامعة كولومبيا بنيويورك, والتحق علي رضا بجامعة برنستون يدرس الفيزياء والرياضيات والموسيقي, فهو المثقف في بيتنا, أما ابني الأكبر رضا بهلوي41 عاما فهو يقيم الآن بشكل دائم في فرجينيا بالقرب من واشنطن, وكان يدرس في كاليفورنيا حين قامت الثورة في إيران, وهكذا لم أجد لنفسي شيئا يبقيني في الولايات المتحدة, فانتقلت عام1985 للإقامة في فرنسا, لأنها أكثر دولة كنت أعرفها بعد إيران منذ ذهبت إليها أدرس المعمار في الخمسينيات.
وإذا كانت الشاهبانو ـ كما كان لقبها وقت كانت زوجة الشاه ـ تقيم بصفة دائمة في باريس, فهي تحضر إلي مصر كل سنة في مثل هذا الموعد, حين تحل الذكري السنوية لرحيل زوجها يوم27 يوليو من كل عام, حيث تقوم بزيارة ضريحه بمسجد الرفاعي بالقلعة, أما القبر الثاني الذي سيضاف إلي زياراتها السنوية فهو الخاص بابنتها الصغري ليلي التي توفيت في العام الماضي, في ظروف مأساوية بسبب تناولها كميات كبيرة من الأقراص المنومة, وقد دفنت في فرنسا حيث كانت تقيم مع والدتها. ومنذ بداية خروج فرح ديبا إلي الأضواء عام1959 وحتي الآن كانت الرحلة طويلة, قطعتها الفتاة الإيرانية الجميلة التي ذهبت إلي باريس لدراسة العمارة والتي أصبحت فجأة الزوجة الثالثة لشاه إيران محمد رضا بهلوي, بعد زواجه الأول من الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق, والتي رزق منها بالأميرة شاهناز, ثم زواجه بعد ذلك من جميلة الجميلات ثريا إصفندياري ابنة السفير المرموق والأم الألمانية والتي لم تنجب له أبناء فطلقها, رغم حبه الكبير لها, وتزوج فرح ديبا التي أنجبت له علي الفور أربعة أبناء أكبرهم رضا في العام التالي مباشرة للزواج, ثم علي رضا, ثم فرحناز ثم ليلي, ورغم أن اسم أسرتها ديبا, وهي كلمة تعني حرير في اللغة الفارسية, إلا أن حياة فرح ديبا لم تكن حريرا في حرير, فمنذ خرجت مع الشاه من إيران تحول الحرير في كثير من الأحيان إلي أكثر الأنسجة خشونة, ولم يبق من الحرير إلا جمال الامبراطورة السابقة طويلة القوام, والتي لم تترك سنواتها التي تخطت الستين علاماتها علي وجهها القططي المستدير.
وسألت فرح ديبا: من أنت؟ قالت علي الفور: أنا فرح بهلوي. قلت: فقط؟
قالت: نعم.. فأنا لست فرح ديبا, الفتاة التي كنت قبل الزواج, ولست أيضا الامبراطورة التي أصبحت بعد الزواج, أنا امرأة اسمي فرح.. تزوجت رجلا اسمه محمد رضا بهلوي, وصرت الآن الأرملة التي تحمل اسمه, لذلك فأنا أقدم نفسي سواء في التليفون أو في أي تعارف اجتماعي باسمي الحقيقي فرح بهلوي. قلت: هل يعني هذا أنك تخطيت تماما قسوة التجربة التي عايشتيها عندما خلع الشاه عن عرش إيران؟
قالت وفي صوتها نبرة صدق واضحة: إن قلت لك إنني تخطيتها تماما, أكون غير صادقة.. فمثل هذه التجارب القاسية لا تنسي بسهولة, بل قد لا تنسي علي الإطلاق.. لكني أستطيع أن أقول إنني تمكنت من مواصلة حياتي رغم هذه التجربة. قلت: كيف تمضين وقتك الآن؟
قالت: إنني أقضي وقتا طويلا في الرد علي الرسائل التي يبعث بها مواطنون إيرانيون إلي عنواني الإلكتروني, خاصة من الجيل الجديد, فأنا أشعر بأن هناك مسئولية معينة أتحملها تجاه أبناء وطني رغم أن استفساراتهم في معظم الأحيان تكون عن أشياء عادية في الحياة, لكن يبدو أن أحدا لا يعتني بها, إن تعداد إيران وصل إلي نحو70 مليونا من بينهم نحو30 مليونا من الشباب, وهؤلاء من حقهم أن يعرفوا ما يجري حولهم في العالم, وأن يتلقوا قدرا من التوجيه الموضوعي المحايد, وأنا أشعر من رسائلهم أن هذا هو ما يسعون إليه. فسألتها: وما هي علي سبيل المثال آخر رسالة تلقيتيها؟
قالت: كانت قبل مجيئي إلي القاهرة مباشرة, وهي من فتاة إيرانية تؤلف الموسيقي, وقد أرسلت لي موسيقاها وطلبت مني رأيي.. فاستمعت إليها, وأعجبتني للغاية فاتصلت بأحد الموسيقيين الفرنسيين وعرضتها عليه, ثم طلبت من الفتاة الاتصال به وتلقي رأيه في موسيقاها بشكل مفصل.. وقبل تلك الرسالة كانت هناك أخري تسأل عن موضوع يحتاج الرد عليه إلي كتاب كامل.. فقد كان السؤال يدور حول ما حدث عام1979.. أما خلاف ذلك فأنا سيدة لها أولاد وأحفاد, وهم يأخذون جزءا كبيرا من وقتي, وأنا ليس لي دور في الحياة العامة, وإنما لي دور أعتز به في الحياة الخاصة, سواء بالنسبة لأبنائي وأحفادي, أو بالنسبة لأبناء وطني الذين يلجأون إلي. قلت لها: إنك تزورين مصر سنويا, حيث تقيم زوجة الشاه الأولي فوزية.. وتعيشين بشكل دائم في باريس حيث كانت تعيش زوجته الثانية الأميرة ثريا حتي رحيلها قبل أقل من سنة.. هل قابلت أيا منهما ولو بالمصادفة؟
قالت: لا.. لم أقابل أيا منهما أبدا. ثم سكتت قليلا لتعود فتقول: إنني آسفة.. إنني لم أعرف ثريا قبل وفاتها.. وربما كان علي أن أسعي للتعرف علي فوزية التي قيل لي انها مازالت تعيش في الإسكندرية, لقد مرت كل منهما في ظروف صعبة للغاية, وهذا قد يكون شيئا إضافيا يجمع بيننا. قلت: ما هي أمنيتك الآن؟ قالت بلا تردد: أن أري طهران مرة أخري.
وأتصور أن حديثنا يكون بذلك قد اكتمل.. لكن الشاهبانو امبراطورة إيران السابقة التي مازال الناس يعرفونها باسم فرح ديبا, وتفضل هي اسم فرح بهلوي.. تعود فتقول: إن ما يجعلني أتحمل حياة المنفي التي أحياها منذ سنوات هي الأمل في أنني في يوم من الأيام سأعود لتطأ قدمي مرة أخري أرض إيران, ولتري عيني سماء إيران, ولتسمع أذني أصوات الشوارع في إيران, ودون هذا الأمل تصبح حياتي مستحيلة. وتلمع عيناها قليلا وهي تقول: أأقول لك سرا؟ إنني في بعض الأحيان أشتاق إلي أبناء وطني فأقوم بطلب أي رقم تليفون في إيران لا أعرف أصحابه.. وأتحدث إلي من يجيبني حول أي شيء, وبعدها أشعر أنني مازلت علي قيد الحياة, وأن علاقتي بوطني مازالت موصولة رغم حياة المنفي الكئيبة التي فرضت علي. |
|
|
|
|
|