تقارير المراسلين

42238‏السنة 126-العدد2002يوليو29‏19 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

أسطورة شارون‏:‏
بين حماس واليمين الإسرائيلي

كتب: صبـحي عسـيلة
تناقلت الصحف نتائج الاستطلاع الذي نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية يوم‏19‏ يوليو الجاري حول شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون والتي كان مفادها أن تراجعا ما قد حدث لشعبية شارون في أوساط الرأي العام الإسرائيلي حيث قال‏54%‏ من الإسرائيليين إنهم راضون عن أداء رئيس الحكومة بينما كانت تلك النسبة قبل أسبوعين فقط من إجراء هذا الاستطلاع هي‏61%.‏
وفي الوقت ذاته تؤكد نتائج الاستطلاع أن ذلك لا يعني أن شارون قد أصبح غير مفضل كرئيس للوزراء أو أن ساعة رحيله قد اقتربت فقد أكد‏42%‏ من الإسرائيليين تفضيلهم لشارون رئيسا للوزراء مقابل‏28%‏ فقط لنيتانياهو‏.‏

وفي الحقيقة فإن شارون قد حافظ دائما علي تصدره نتائج الاستطلاعات منذ توليه السلطة ففي الاستطلاع الذي أجرته صحيفة‏'‏ يديعوت أحرونوت‏'‏ في منتصف يونيو‏2001‏ حول الحكومة الأكثر شعبية في تاريخ إسرائيل جاءت حكومة شارون في المقدمة حيث قال‏54%‏ من الإسرائيليين إن تلك الحكومة تدير شئون البلاد بشكل جيد أو جيد جدا وجاء شارون الوزير الأكثر شعبية بنسبة‏80%.‏ وفي الاستطلاع الذي نشرته صحيفة معاريف في أول فبراير‏2002‏ ظهر أن‏48%‏ من الإسرائيليين مازالوا راضين عن طريقة عمل رئيس الوزراء‏.‏ وفي استطلاع آخر نشرته صحيفة‏'‏ يديعوت أحرنوت‏'‏ في‏16‏ مايو‏2002‏ أعرب‏66%‏ من الإسرائيليين عن اعتقادهم بأن شارون يستطيع قيادة الدولة بنجاح‏.‏
ومن ثم فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو‏:‏ إذا كان شارون لم ينجح تماما ـ علي الأقل حتي الآن ـ في قمع الانتفاضة وإن كان قد نجح إلي حد بعيد في تقليل سقف التوقعات الفلسطينية كما أنه لم ينجح كذلك في توفير الأمن أو تحقيق السلام للإسرائيليين الذي كثيرا ما وعدهم به فكيف يمكن تبرير تزايد أو ارتفاع شعبيه شارون ودرجة تأييده في الشارع الإسرائيلي علي النحو المشار إليه؟‏!‏ وتزداد صعوبة تبرير تلك النتائج علي مستوي الشارع الإسرائيلي بالإشارة إلي حقيقة أن انتخاب الإسرائيليين لشارون لم يكن معبرا عن حبهم أو تفضيلهم له بقدر ما كان تعبيرا عن غضبهم من رئيس الوزراء السابق إيهود باراك ورغبتهم في معاقبته بما يعني أنه لو رشح شخص آخر نفسه غير شارون ضد باراك فإنه علي الأرجح كان سيفوز أيضا‏,‏ فالقضية إذن لم تكن في شخص شارون فلماذا حاز كل ذلك التأييد‏.‏ وفي الحقيقة فإنه يمكن إرجاع ذلك إلي عاملين أساسيين هما‏:‏

الأول‏:‏ انجراف الشعب الإسرائيلي تجاه اليمين فقد أصبح معظم الإسرائيليين أقرب إلي اليمين خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية‏.‏ ففي مارس عام‏2001‏ وعقب وصول شارون إلي السلطة أظهر استطلاع للرأي أن‏71%‏ من اليهود في إسرائيل يؤيدون سياسة الحصار والإغلاق علي المدن والتجمعات الفلسطينية‏,‏ كما أعرب‏79%‏ عن تأييدهم للسياسة التي ينتهجها شارون والتي تقضي بعدم استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين مادام العنف مستمرا من جانبهم‏.‏ كما ارتفعت نسبة من يؤيدون عدم إزالة المستعمرات من أقل من‏50%‏ قبل الانتفاضة إلي‏67%‏ في ظل الانتفاضة‏.‏ إضافة إلي ذلك فقد خفت صوت اليسار تماما خاصة مع انضمام حزب العمل إلي حكومة اليمين ومعاناته من مشاكل هيكلية كثيرة تحول دون استعادته لقوته وموقعه لدي الشارع الإسرائيلي في القريب‏.‏

الثاني‏:‏ العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون بقيادة حماس داخل إسرائيل وضد المدنيين‏.‏ والمشكلة أن قادة حماس يصرون علي أن تلك العمليات لن تتوقف حتي تتوقف إسرائيل عما تقوم به ضد الشعب الفلسطيني بينما يستخدم شارون تلك العمليات بنجاح شديد لمواصلة ما يقوم به ضد الشعب الفلسطيني مدعوما بسند وتأييد شعبي قوي حيث يقوم شارون باستفزاز حماس للقيام بعمليات استشهادية في أوقات كثيرة ليستخدمها كذريعة لضرب الفلسطينيين ولتصوير الفلسطينيين بأنهم لا يرغبون في السلام وفي ذات الوقت يستخدم تلك العمليات في وأد أية أصوات تسعي للسلام في إسرائيل معتمدا علي إثارة المخاوف والهواجس الأمنية لدي الشعب الإسرائيلي من المخاطر التي تحيط به وأصبحت أقرب إليه من أي وقت مضي واستطاع بآلته الإعلامية أن يقنعهم ـ يعتقد‏72%‏ من الإسرائيليين طبقا للاستطلاع الذي أجرته صحيفة يدعوت احرنوت في منتصف مايو‏2002‏ أن شارون رجل صادق ـ أنه لا سبيل للخلاص من ذلك الوضع سوي باستخدام القوة لكسر شوكة الفلسطينيين بما يعني أنه لا سبيل أمامهم سوي شارون‏.‏
لقد ساعد المنهج الذي تصر حماس علي اتباعه في التعامل مع الإسرائيليين إلي دفع الإسرائيليين تجاه اليمين بما يعني ارتفاعا في شعبية شارون وهو ما أدي بدوره إلي‏'‏ تسخين‏'‏ الساحة الفلسطينية وتشددها تجاه الإسرائيليين ودخل الصراع العربي‏-‏الإسرائيلي إلي حلقة مفرغة جهنمية رسم خيوطها شارون واستغل قدرته علي استفزاز حماس وقوي الخيار المسلح الفلسطينية لتنفيذ هذا المخطط وكانت البداية حادثة اقتحام شارون للمسجد الأقصي قبل نحو عامين‏.‏ ومما لا شك فيه أن شارون هو أكثر المستفيدين من هذا الوضع‏,‏ فالرجل الذي توقع له معظم المحللين أنه لن يكمل مدته المقررة في رئاسة الوزراء أو علي الأقل فإنه لن يكمل العام في رئاسة الوزراء ما زال يمكث في السلطة والأدهي أن شعبيته مرتفعة في الشارع الإسرائيلي علي النحو السابق الإشارة إليه‏.‏ ومن ثم فربما لن يكون من قبيل المبالغة القول إن شارون مدين بجزء كبير من نجاحه وشعبيته للكثير من الفلسطينيين الذين نجح في استفزازهم أو جرهم إلي الساحة أو المعركة التي يجيدها وهي ساحة المواجهات وربما الحرب‏.‏ إضافة إلي ذلك فقد شارك بعض العرب في دفع الفلسطينيين إلي الطريق ـ الفخ ـ الذي يريده شارون دون أن يكون لديهم تصور محدد عما سيقدمونه للفلسطينيين حينما يشتد الوطيس‏.‏ فإذا بالأمور تصل إلي ما هي عليه الآن حيث أوقع الفلسطينيون والإسرائيليون أنفسهم في فخ شارون فلا الفلسطينيون حققوا أهدافهم ولا الإسرائيليون نعموا بالأمن وبقي الفائز الوحيد هو شارون الذي نجح في تسخير كل الأطراف لمصلحته هو‏.‏

ليس ثمة شك في أن العمليات الاستشهادية التي تصر حماس علي القيام بها ضد المدنيين الإسرائيليين ـ رغم أنها في أحيان كثيرة تكون رد فعل لاستفزازات شارون ـ قد ساهمت بشكل أساسي في خسارة الفلسطينيين المعركة الإعلامية أمام الجانب الإسرائيلي فقد نجحت إسرائيل في استغلال تلك العمليات لتسويق فكرة أنهم ضحية ما يسمونه الإرهاب الفلسطيني للرأي العام العالمي والأمريكي علي وجه الخصوص وأن ما يقومون به من أعمال ضد الفلسطينيين ما هي إلا رد فعل يحاولون به الدفاع عن أنفسهم في إطار الحملة الأمريكية التي تحولت إلي حملة عالمية لمحاربة الإرهاب‏.‏ ويظل الأخطر أن عمليات ونهج حماس منذ بداية انتفاضة الأقصي والتحول الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف قد خلقا وكرسا أسطورة شخصية شارون وحكومته التي غدت تحوز أغلبية لم تسبقها إليها أية حكومة إسرائيلية أخري‏.‏ والسؤال‏:‏ هل تمتلك حماس رؤية لكيفية التخلص من تلك الأسطورة ـ شارون ـ التي شاركت في صنعها ـ إذا ما امتلكت زمام الأمور ـ أم أنها ستكون ضحية ما تصر علي فعله وربما علي يد شارون ذاته أم أنها ستمتلك الجرأة للاعتراف بأنها بعملياتها تشارك في تدعيم موقف شارون ومن ثم تحاول أن تفوت الفرصة عليه وتستغل هي استفزازته الوحشية لكسب التعاطف العالمي من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني؟‏!‏

إن‏'‏ مجزرة‏'‏ غزة الأخيرة فرصة مثالية تمثل محك اختبار للطريق الذي ستسلكه حماس ومدي استجابتها لاستفزازات شارون فهل تستطيع حماس أن تنتزع زمام المبادرة وتضع شارون بإجرامه أمام العالم مستغلة الإدانة الدولية لفعلته الأخيرة أم أن‏'‏ مجزرة غزة‏'‏ ستمر كسابقاتها ويتكرر نفس السيناريو‏:‏ استفزاز إسرائيلي غير مبرر تعقبه عمليات استشهادية تتلوها مجازر شارونية أبشع ضد الشعب الفلسطيني تتفهمها الولايات المتحدة وغالبية الرأي العام العالمي والإسرائيليين بالطبع فتترسخ أسطورة شارون‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية