|
كتبت: إيمان عارف |
 |
لمدة أربعة قرون أو أكثر, لم يكن الجسر القديم بمدينة موستار البوسنية, والذي استمدت منه المدينة اسمها مجرد وسيلة انتقال تربط بين منطقة البحر المتسط والدلة العثمانية, ولكنه كان دليلا علي العلاقات الطبيعية بين المسلمين المسيحيين أو بصيغة أخري بين الشرق الغرب. لقد كان الجسر الذي بني علي هيئة قوس وعلي جانبيه ابرج حجرية نقطة التقاء للصرب الكروات والمسلمين, إلي جانب كونه وسيلة انتقال المسافرين بين مناطق بعيدة مثل اسطنبول بتركيا ومدينة جلاسكو البريطانية. ولكن هذا الوضع تغير تماما منذ أوائل التسعينيات مع اندلاع الحرب الأهلية, بعد أن تحود نهر( نيرتفا) الي خط للمواجهة بين المسلمين والكروات, ورغم المحاولات المستميتة التي بذلها البعض لحماية الجسر إلا أن استمرار القصف أدي في النهاية الي النتيجة الحتمية المتوقعة, وهي انهيار الجسر في أحد أيام شهر نوفمبر1993.
ولكن الآن وبعد مرور سنوات علي نهاية الحرب, فرن سكان موستار وبمساعدة المجتمع الدولي قرروا إعادة بناء الجسر, حيث تجمع أهالي المدينة في الشهر الماضي لمشاهدة النحاتين وهم يشكلون أول حجر سيوضع في الجسر, بحيث يبدو مثل البناء الأثري القديم. ويشير أحد المهندسين البوسنيين المسلمين, إلي أن إعادة بناء الجسر ربما تستغرق18 شهرا, وإن كانت الجروح التي تركت آثارها غائرة في نفوس الجميع سوف تستغرق مدة أطول من ذلك حتي تلتئم فمازال كل من المسلمين والكروات يعيشان حياة منفصلة داخل المدينة, ومن ثم فإن هذا الجسر يمثل علي الأقل شعام الأمل الباقي وإن كان شعاع أمل ضعيف. ومن المقر أن تتم إعادة بناء الجسر بنفس التصميم القديم الذي يعود تاريخه الي ععام1566, والذي صممه أحد المهندسين الأتراك المعروفين آنذاك وذلك في عهد السلطان التركي سليمان الفاتح. وكان الجسر يعد في قته أعجوبة بسبب تصميمه الذي اتخذ شكل القوس الذي يربط جانبي النهر, والذي يرتفع عن سطح المياه أكثر من20 مترا. وللمفارقة فإن العمال الأتراك هم من سيعيدون إنشاء الجسر, حيث يخططون للاستعانة بأكثر من140 حجرا من الأحجار الأصلية للجسر, بجانب أكثر من1088 حجرا آخر سيتم نحتها بحيث بدو مظهرها أثريا مثل ماتم استخدامه في القرن السادس عشر.
ولكن إذا كانت إعادة بناء الجسر ممكنة, فإن تضميد جروح الحرب لن يكون بهذه السهولة, فالجسر القديم الذي أصر الكروات علي تدميره, لم يكن بسبب أهميته الاستراتيجية, ولكن لأنه كان تجسيدا للتعايش العرقي بين المسلمين والكروات والصرب. والان فإن كلا من المسلمين والكروات ـ بعد قرار الصرب أثناء الحرب ـ يعيشان حياة منفصلة علي جانبي النهر, والأهم أنهم لايشتركون في نفس الرؤية بانسبة لإعادة بناء الجسر, فبينما يتحمس المسلمون بشدة لأبنائة, فإن الكروات يتحفظون علي ذلك, ويؤكدون أن هذا الأمر له دلالة واضحة, وهي رغبة المسلمين في استعادة الطابع العثماني للمدينة, مؤكدين أن الجسر ليس رمزا لكل المدينة, إن كان هناك اتفاق بين الجميع علي أن الجس سيؤدي لانتعاش المدينة ماديا بسبب تدفق السائحين والمسافرين.
إن الأمل لم يتلاشي بعد, كما يقول أحد سكان المدينة المسلمين, وربما كان الجسر سببا في إحداث قدر من التغيير, فعلي الأقل سيجتمع الطرفان ليتبادلوا الحديث, والزمن كفيل بإصلاح ماأفسدته الحرب في نفوس الجميع. |
|
|
|
|
|