تقارير المراسلين

42238‏السنة 126-العدد2002يوليو29‏19 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

جورج جالوي العضو البارز بالبرلمان البريطاني وحزب العمال الحاكم للأهرام‏:‏
إذا أقدم بلير علي حرب تعسة ضد العراق سيواجه انقساما
في الحزب من القمة للقاع واستقالات في وزارته

أجري الحوار في جنوب افريقيا ـ يحيي غانم‏:‏
في عام‏1991‏ أثناء جلوس ذلك النائب في البرلمان البريطاني في مكتبه بمدينة داندي باسكوتلندا‏,‏ فوجيء بمواطن بريطاني يدخل عليه ويشكو له السلطات الأمنية لقيامها بالقاء القبض علي شابة فلسطينية تستأجر شقة يمتلكها أثناء دراستها درجة الدكتوراه‏,‏ وذلك ضمن اعداد اخري من الفلسطينيين المقيمين في بريطانيا بسبب موقف القيادة الفلسطينية المعارض لحرب العراق‏,‏ وعلي الفور توجه النائب إلي قسم الشرطة التابع لدائرته الانتخابية‏,‏ ونجح في اخراج طالبة الدكتوراه الفلسطينية أمينة زياد من الحجز‏,‏ وذلك قبل أن يعرض عليها الدخول في سجن جميل ألا وهو سجن الزوجية ـ حسب وصفه ـ ومن ثم أصبحت الدكتورة أمينة أبوزياد زوجه للنائب البريطاني العمالي البارز جورج جالوي‏,‏ إلا أن جالوي قبل أن يتزوج فلسطينية بسنوات طويلة‏,‏ كان قد تزوج قضية بلادها لدرجة يصعب علي أي أحد أن يتخيل أنه ليس عربيا‏,‏ بالرغم من ملامحه وهيئته ولهجته الاسكوتلندية التي تلح عليك في كل لحظة وأنت تجالسه‏,‏ وإذا كانت المصادفة قد لعبت دورا كبيرا في الحياة العائلية للنائب البريطاني البارز‏,‏ فان القدر لعب دورا اساسيا في تبني جالوي القضية الفلسطينية بشكل خاص والقضايا العربية ـ الإسلامية بشكل عام ففي عام‏1974,‏ فوجيء الرجل أثناء وجوده في مقر حزب العمال باسكوتلندا بشاب عربي وسيم يدخل عليه ويسأله حول امكانية محاورته حول القضية الفلسطينية‏,‏ وبعد أن زال اللبس الذي حدث نتيجة اعتقاد النائب البريطاني أن العربي الوسيم هو النجم العالمي المصري عمر الشريف ـ للتشابه الكبير بينهما ـ استمع النائب للشاب الذي اتضح أنه فلسطيني يدرس في بريطانيا‏.‏

وبعد ساعات من الحوار تحول النائب البريطاني إلي جندي في خدمة القضية الفلسطينية‏,‏ وذلك حسب وصفه هو شخصيا‏.‏
جالوي حل اخيرا علي جنوب إفريقيا ليشارك في مؤتمر تحت عنوان العدالة في فلسطين ذلك المؤتمر الذي نظمته منظمة أصدقاء الأقصي البريطانية بالتعاون مع شقيقتها الجنوب افريقية‏,‏ حيث التقاه الأهرام وقد حرص النائب البريطاني البارز ـ قبل أن يخوض في الموضوعات المتفجرة التي أثيرت أثناء الحوار ـ علي أن يوجه التحية للشعب المصري العظيم‏,‏ وإلي جريدة الأهرام التي وصفها بقلعة الصحافة الحصينة في العالم العربي‏,‏ وإليكم تفاصيل الحوار‏.‏

الأهرام‏:‏ معروف عنكم مواقفكم المؤيدة بشكل كبير للقضايا العربية وعلي رأسها القضية الفلسطينية‏,‏ فهل السبب في مواقفكم تلك احساسكم بمسئولية بلادكم بريطانيا المباشرة عن مأساة الشعب الفلسطيني؟
جالوي‏:‏ لقد كانت المصادفة هي السبيل الذي قادني للارتباط بالقضية الفلسطينية‏,‏ ففي أحد أيام عام‏1974‏ كنت أجلس في مقر حزب العمال بمدينتي داندي باسكوتلندا‏,‏ عندما دخل شاب فلسطيني وأعرب عن رغبته في الحوار عن القضية الفلسطينية‏,‏ ذلك الحوار الذي امتد ساعات انتهت بأن أصبحت جنديا في خدمة القضية الفلسطينية‏,‏ وسرعان ما رحلت إلي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في فلسطين‏,‏ حيث كونت العديد من الصداقات وتعرفت شخصيا علي الرئيس عرفات‏,‏ ولأنني أصبحت جزءا من القضية‏,‏ فإنني بدأت ادرك أنه عندما تزعم إسرائيل بأنها تقصف مواقع الإرهابيين فانها في الحقيقة كانت تقصف مخيمات اللاجئين المدنيين في جنوب لبنان‏,‏ وإنها عندما كانت تزعم أنها تقتل الإرهابيين‏,‏ فانها كانت تكذب‏,‏ حيث كانت في الحقيقة تقتل أصدقائي الفلسطينيين‏,‏ هذا الانخراط في القضية الفلسطينية قادني فيما بعد إلي الانخراط في قضايا العرب والمسلمين بصفة عامة‏.‏

الأهرام‏:‏ ولكن ألم يكن لاحساسك بمسئولية بلادك عن مأساة الفلسطينيين دخل في مواقفك المشرفة هذه؟
جالوي‏:‏ علي الصعيد الشخصي أنا لا أعاني من أي عقدة ذنب‏,‏ حيث انني انتمي لعائلة مواقفها كانت دائما مناوئة للتوجهات الاستعمارية البريطانية‏,‏ وقد كان أبي دائما يردد ذلك المثل الذي يسخر من شعار الامبراطورية البريطانية التي لايغيب عنها الشمس بقوله‏:‏ بالطبع‏,‏ حيث ان الله لايمكن أن يأمن للبريطانيين عندما يحل الظلام‏!‏

ولكن لاشك في أن الاستعمار البريطاني مسئول بشكل مباشر عن مآسي العرب‏,‏ فمأساة الفلسطينيين تم تدبيرها في مجلس العموم الذي أنتمي له حاليا وذلك عندما تعهد بلفور بالنيابة عن شعب بمنح شعب ثان وطن شعب ثالث‏,‏ وهكذا بدأنا الخطوة الأولي علي طريق الجحيم‏,‏ أيضا فإن بريطانيا ـ بالتعاون مع فرنسا ـ كانت مسئولة علي بقلنة العالم العربي من خلال اتفاقية سايكس بيكو‏,‏ وذلك بتقسيم العالم العربي إلي كيانات مصطنعة صغيرة وحرمانها من عوامل القوة مما عطل من عوامل قوة العرب بل وحرمهم من الثروات التي منحها الله لهم لحساب قوي خارجية‏,‏ في الوقت ذاته فانه بنفس هذا المخطط نجحت بريطانيا والغرب في منع تحقيق حلم وخطط الزعيم العربي عبدالناصر في اقامة الوحدة العربية التي تتوافر جميع مقوماتها لدي العرب‏,‏ تلك الوحدة التي لونجح الزعيم ناصر في تحقيقها لكانت الأمة العربية حاليا تتمتع بوحدة لاتقل عن تلك التي تحققت لأوروبا‏.‏

الأهرام‏:‏ كثيرا ما نردد في العالم العربي أن مصالح الغرب مع العرب وليس مع إسرائيل‏,‏ إلا انه يبدو أن ذلك لايدفع الغرب إلا إلي مزيد من الانحياز لإسرائيل‏..‏
كسياسي بريطاني بارز‏,‏ هل تري مصالح بلادك مع العرب فعلا‏,‏ ولماذا لاينعكس بالايجاب علي مواقف بلادكم تجاهنا؟

جالوي‏:‏ ببساطة‏,‏ لماذا يجب علي أمريكا وبريطانيا أن يغيروا من انحيازهم الصارخ‏,‏ مادام لم يجدوا من يجعلهم يدفعون ثمن هذه السياسات المنحازة فنحن منحاوزن ضدكم‏,‏ ومع ذلك فأنتم مازلتم تشترون بضائعنا‏,‏ وتحيون الخواجات أمثالنا وتسمعون نصائحنا‏,‏ فلماذا نغير من سياساتنا؟‏!‏ فالعرب‏,‏ يبددون معظم ثرواتهم علينا في الغرب سواء في مشتريات سلاح‏,‏ وسلع أخري‏,‏ وفي استثمارات مباشرة وغير مباشرة‏,‏ وذلك في الوقت الذي تعيش فيه إسرائيل في مأمن من العرب وفوق اراضيهم المحتلة‏,‏ فلماذا يغير الغرب من سياساته؟‏!‏ وأؤكد لك انه لو كان العرب قد أعلنوها صراحة بأنهم سيوقفون مشترياتهم من سلع معينة من الغرب أو حتي لوحوا بأنهم سيخفضون مبيعاتهم من البترول أثناء الحصار المهين للرئيس عرفات‏,‏ أؤكد أن الغرب كان سينفض من حول شارون في الحال‏.‏

الأهرام‏:‏ يدفعنا ذلك لكي نسألك أن تعرف لنا العلاقة بين إسرائيل والغرب‏,‏ هل هي تحالف استراتيجي غير مقدس أم مجرد مصالح؟
جالوي‏:‏ أختلف مع معظم الزعماء العرب في تصويرهم إسرائيل للغرب علي أنها عبء عليه‏,‏ وذلك في محاولة غير ناجحة لجذب الغرب بعيدا عن تأييد إسرائيل‏.‏

فإسرائيل أصل استراتيجي للامبريالية الغربية‏,‏ وأصبحت تمتلك مقومات عسكرية لدولة عظمي تضع بها العرب تحت مطرقة الغرب‏,‏ ومن ثم فان إسرائيل تكون الضمان الأخير لسيطرة الغرب الاستعماري علي المنطقة‏,‏ ولذا فإذا جاز استخدام مصطلح محور الشر فانه ينسحب فقط علي المحور القائم بين إسرائيل والغرب الذي يتحمل بالفعل مسئولية العديد من الشرور التي تقع بالعرب‏,‏ ذلك الحلف الذي يبدأ من شارع بنسلفانيا‏,‏ حيث يقع البيت الأبيض‏,‏ ويمر عبر‏10‏ دواننج ستريت‏,‏ حيث مقر الحكومة البريطانية‏,‏ حتي ينتهي إلي مقر رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون‏.‏

الأهرام‏:‏ إلي أي مدي تختلف مع سياسات حزب العمال الذي تنتمي إليه‏,‏ وإلي أي مدي توجد اتجاهات معارضة داخل الحزب‏,‏ وهل لهذه الاتجاهات تأثيرها علي تعديل مواقف الحزب ومن ثم حكومة رئيس الوزراء توني بلير؟
جالوي‏:‏ أنا لست بمفردي داخل الحزب والدليل علي ذلك هو أنه تم انتخابي علي مدار السنوات الـ‏15‏ الماضية لكي أكون نائب لجنة العلاقات الخارجية للحزب‏,‏ مما يؤكد أن لدي أنصارا لمواقفي‏,‏ يوجد مئات من أعضاء البرلمان ممن يؤيدون

مواقفنا المعارضة للظلم الواقع بالفلسطينيين والمعارضة للحرب ضد العراق‏,‏ وقد نجحنا في تعبئة‏100‏ ألف متظاهر في العاصمة لندن ثلاث مرات منذ الـ‏11‏ من سبتمبر الماضي لدعم هذه المواقف‏.‏ وفي‏28‏ سبتمبر القادم ستحدث أكبر مظاهرة في التاريخ السياسي البريطاني تحت شعار أوقفوا تحالف الحرب‏..‏ أوقفوا الحرب ضد الفلسطينيين والأفغان والحملة المتوقعة ضد العراق‏,‏ تلك المظاهرة التي ستتم عشية المؤتمر العام لحزب العمال في مدينة بلاكبول‏,‏ والتي اذا مانجحنا في تنظيمها‏,‏ فانها ستهز قواعد الحزب تماما‏.‏ نحن نعيش في بريطانيا وهي دولة ديمقراطية بدليل أن أحدا من قيادات حزب العمال ـ بمن فيهم بلير ـ لم يوجه انتقادا لي علي مواقفي تلك‏,‏ لأنهم يعلمون جيدا أن تلك المواقف تجد دعما لها من قطاع كبير ومعتبر من أعضاء الحزب وكتلته الانتخابية‏,‏ وسأستخدم هذه الديمقراطية حتي النهاية‏.‏ وبالنسبة لتأثيرنا‏,‏ فانني أتوقع ـ علي سبيل المثال ـ أن تنجح حملتنا داخل الحزب لفرض حظر علي توريد السلاح وقطع غياره لجيش شارون‏,‏ خاصة بعد أن خالفت الحكومة القانون الذي لايسمح ببيع أسلحة الي طرف مايمكن أن يستخدم هذا السلاح للقمع الداخلي أو للعدوان علي طرف آخر ببيعها قطع غيار طائرات اف ـ‏16‏ لاسرائيل مؤخرا‏,‏ ثم قيام شارون بتنفيذ مذبحته الأخيرة ضد الأطفال في غزة مستخدما نفس هذا السلاح‏.‏

الأهرام‏:‏ وفي حالة قرار بلير بالدخول شريكا مع أمريكا في عدوانها علي العراق؟
جالوي‏:‏ أؤكد أنه اذا أقدم بلير علي أن يجر بريطانيا لهذه الكارثة غير المبررة‏,‏ فانه سيدفع الثمن غاليا‏.‏ في هذه الحالة‏,‏ فان حزب العمال سينقسم من القمة حتي القاع‏,‏ وأؤكد أنه سيكون هناك العديد من الاستقالات في الحكومة‏,‏ ومن الحزب‏,‏ وستكون هناك عواقب وخيمة علي مستوي الانتخابات الحزبية في ويلز واسكوتلندا في مايو القادم‏.‏ وبلير يعلم تماما عواقب مثل هذا القرار‏,‏ ولهذا فانني أعتقد أنه يحاول اقناع الرئيس الأمريكي بوش بالتمهل‏.‏

الأهرام‏:‏ كيف تصفون العلاقة بين رئيس الوزراء البريطاني بلير والرئيس الأمريكي بوش؟
جالوي‏:‏ بلير ليس ذيلا‏,‏ وانما اذا تصورنا وحشا مزدوج الرأس ـ علي غرار تلك الوحوش الأسطورية ـ فان بلير يمثل الرأس الأصغر‏,‏ أقول ذلك‏.‏ وأنا علي يقين بأن الرأسمالية الاستعمارية تمر بمرحلة سيئة جدا في هذا المفترق التاريخي‏,‏ حيث يقودها رئيس تولي بالرغم من خسارته الانتخابات في بلده بعد أن استخدم أخاه حاكم ولاية فلوريدا للمغالطة في عدد الأصوات في الولاية‏.‏

الأهرام‏:‏ ولكننا لانعلم ذلك بشكل مؤكد‏!‏
جالوي‏:‏ الكل يعلم أن ال جور هو الفائز في انتخابات الرئاسة‏,‏ وبأنه لولا شقيق بوش لما فاز‏,‏ ولولا رئيس المحكمة العليا الذي عينه والد بوش أثناء ولايته كرئيس لما تولي‏.‏ وحتي كبار انصار بوش لم يستطيعوا أن ينكروا أن آل جور هو الفائز‏,‏ بالاضافة الي ذلك‏,‏ فانه قد اتضح أثناء الحملة الانتخابية أن بوش لم يستطع في معظم الوقت ذكر ـ وفي أحيان أخري النطق الصحيح ـ لأسماء العديد من زعماء دول العالم‏,‏ بما في ذلك أسماء زعماء دول كان يهدد بضرب دولهم‏!‏ أيضا‏,‏ فان الرجل أوضح عدم قدرة غريبة علي بناء جملة بلغة انجليزية سليمة لدرجة أن كتبا عديدة طرحت في الأسواق حاليا تتناول لغة‏(‏ البوشيه‏)‏ نسبة الي تلك اللغة الغريبة التي يتحدثها‏.‏ وكل هذا‏,‏ فان السيد بوش في حاجة ماسة لقدرات بلير السياسية والدبلوماسية‏.‏ ولكن هذا الدور التابع يبقي مهينا لدولة كانت في يوما ما دولة عظمي‏.‏ وكثير من أنصار بلير يقولون لي‏:‏ يجب أن نحمد الله علي وجود بلير بجوار بوش للتخفيف من غلواء مواقفه‏.‏ الا أن ردي علي ذلك هو‏:‏ أين ذلك التخفيف من الغلواء؟ لقد ذبح علي الأقل‏10‏ آلاف أفغاني من جراء جريمة لم يرتكبوها وماذا عن ذلك الطلب غير المسبوق الذي لم يجرؤ عليه أي رئيس أمريكي من قبل ـ بتغيير القيادة الفلسطينية المنتخبة بشكل ديمقراطي أكثر من انتخاب بوش نفسه وماذا عن الخطط الموضوعية حاليا بإرسال‏300‏ ألف جندي أمريكي وبريطاني فيما يشبه الحملة الصليبية علي العراق‏!‏ كل هذه المواقف تنفي وجهة النظر القائلة إن دور بلير هو التخفيف من غلواء بوش‏.‏

الأهرام‏:‏ ماهي الفروق الجوهرية بين مواقف حزب العمال الحاكم والمحافظين فيما يتعلق بالقضايا العربية؟
جالوي‏'‏ هي فروق هامشية جدا‏.‏ فحزب المحافظين ـ علي سبيل المثال ـ في حالة العراق سيعمل علي الاسراع بضرب العراق وبشكل أعنف مما سيسعي له حزب العمال‏.‏ وفي حالة فلسطين‏,‏ فان المحافظين سيبيعون السلاح لشارون بدون أن ينتقدوه في حين أن حزب العمال يبيعه السلاح وينتقده في نفس الوقت‏.‏ فبغض النظر عن الحزب الذي يحكم‏,‏ فانه تبقي أنه يحكم دولة امبريالية استعمارية‏.‏

الأهرام‏:‏ وماذا عن الموقف الحقيقي للحكومة البريطانية من المطلب الأمريكي ـ الاسرائيلي بتغيير القيادة الفلسطينية؟
جالوي‏:‏ علي الصعيد الكلامي‏,‏ فانها أدانت ذلك المطلب موكدة اعترافها بالقيادة المنتخبة ديمقراطيا‏.‏ ولكن عمليا فان الحكومة أكدت دعمها لمنطق أمريكا بأن الرئيس عرفات أصبح جزءا من المشكلة‏,‏ وهو موقف متناقض‏,‏ ولكن الهدف منه هو عملية‏(‏ تدليك‏)‏ لاراحة الدول العربية‏.‏

الأهرام‏:‏ وماتوقعاتكم في ظل هذا التصلب والتعسف الأمريكي الغربي؟
جالوي‏:‏ لم يحدث في التاريخ أن تخلي شعب عن قيادة اختارها بناء علي طلب خارجي‏,‏ بالعكس‏,‏ فانه في هذه الحالة يتجمع الشعب بكل فصائله حول القيادة أيضا‏,‏ فانه لم يحدث في التاريخ أن طلب من شعب أن يتوقف عن المقاومة حتي يتم انسحاب قوات الاحتلال المعتدية‏,‏ حيث ان التاريخ يثبت أن المنطق والأخلاق والقانون يدعو لانهاء الاحتلال‏,‏ وبالتالي تتوقف المقاومة‏.‏ ان مايحدث حاليا مخالف لكل منطق‏.‏ لقد زرت الأراضي المحتلة بشكل منتظم منذ عام‏1980‏ وحتي عام‏1987‏ عند بداية الانتفاضة الأولي‏.‏ وطوال هذه السنوات كانت الأوضاع هادئة في الداخل ولم تكن هناك مقاومة‏,‏ وبالتالي فان الاسرائيليين قبعوا في سعادة ولم يعجل ذلك الهدوء بانهاء الاحتلال يوما واحدا‏,‏ وأنا علي قناعة بأن اسرائيل لن تستطيع أن تزيح عرفات‏,‏ الا اذا لاسمح الله قاموا بقتله‏.‏ وفي هذه الحالة‏,‏ فانهم حتي لو أتوا بزعامة عميلة‏,‏ فان الفلسطينيين قادرون علي ازاحة هذه الزعامة المفروضة‏.‏ أما علي صعيد اسرائيل‏,‏ فانها ستخسر كثيرا بازاحة عرفات‏,‏ حيث انها لن تجد زعامة أكثر اعتدالا منه‏.‏ لقد قلتها لزعماء اسرائيل انكم بسياستكم تلك تنتزعون الشعلة من أيدي القوميين المعتدلين المتصالحين لكي تضعوها في أيدي تيار لايمكن أن يتصالح معكم‏,‏ ولايؤمن بمبدأ دولتين‏,‏ وانما دولة واحدة فقط‏.‏

الأهرام‏:‏ هل تعتقد أن اسرائيل لاتعلم تلك الحقيقة؟
جالوي‏:‏ بالعكس‏,‏ فان شارون يدرك هذه الحقيقة تماما‏,‏ الا أنه يعمل علي تأجيل ساعة الاستحقاق‏,‏ وذلك بمحاولة ايهام الغرب بأنه يواجه متطرفين لايقبلون‏.‏
بالتصالح‏,‏ وأنا في ذلك أفهم دوافع شارون‏,‏ الا أن مالاأفهمه ولا أقبله هو موقف الغرب المؤيد لشارون ولا دوافعه‏,‏ وأنا في هذا المقام أقول للدول الغربية‏:‏ الا تتعلمون من الاخطاء الفادحة التي تقدمون عليها ؟ لقد ساعدتم جماعة الاخوان المسلمين لمناوئة جمال عبد الناصر وقمتم بدور رئيسي في بناء أسامة بن لادن وذلك قبل أن تسهموا في دعم جماعة حماس والجهاد الاسلامي‏.‏

الأهرام‏:‏ هل يفهم من ذلك معارضتكم للمقاومة الاسلامية وهي التي تقود عمليا جانبا معتبرا من المقاومة حاليا‏,‏ بما في ذلك عملياتها الاستشهادية؟
جالوي‏:‏ بالعكس فأنا أؤيدها علي طول الخط‏,‏ كما أنني احترمها سواء في لبنان أو في فلسطين‏,‏ فهؤلاء الاسلاميون يخوضون جهادا مشروعا وشرسا للدفاع عن الدين والوطن والشعب‏,‏ ويؤسفني أن أقول إن الغرب يتحمل النصيب الاكبر من مسئولية فشل التيارات القومية واليسارية وخذلانها الشعوب العربية مما دفع غالبية الشعوب العربية للتطلع الي التيار الاسلامي في هذه المواجهة‏,‏ وأنا أقول دائما لزعماء الغرب‏:‏ لو كنا قد تركنا زعيما مثل مصدق في ايران كزعيم ديمقراطي اشتراكي قومي‏,‏ لم تكن ايران لتشهد هذا التحول الذي جاء به الامام الخوميني‏,‏ أما بالنسبة للعمليات الاستشهادية فبعيدا عن تأييدي أو عدمه‏,‏ فانها ستستمر‏,‏ كما أنها تتفق مع المنطق القائل بأن الحياة تصبح في مثل هذه الظروف أسوأ من الموت‏.‏

الأهرام‏:‏ ماتصوركم للحل الامثل؟
جالوي‏:‏ بالطبع فإن الحل الامثل يتمثل في دولة واحدة يعيش فيها جميع أصحاب الديانات كمواطنين متساوين‏,‏ تلك الدولة التي لن تكون دولة علمانية لما تضمه الدولة من مشاعر مقدسة لجميع الديانات‏,‏ أيضا فإن هذه الصيغة تضمن حلا لمشكلة ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين نسيتهم اتفاقية أوسلو‏,‏ والذين بدون عودتهم لن يتم التوصل الي حل عادل وبالتالي دائم في الوقت نفسه فإن الدولة الواحدة ستضمن حلا عادلا لمشكلة القدس‏,‏ ولكن طبقا للفكر الصهيوني فإن الحل القائم علي دولة واحدة غير ممكن الا أنه في نفس الوقت فإن الحل القائم علي دولتين يبقي بعيدا في الوقت الحالي‏,‏ فحزب الليكود يرفض عمليا فكرة دولتين‏,‏ حيث انه يرغب في دولة فلسطينية بدون حدود عربية وبدون سيادة وبدون لاجئين‏,‏ وبدون سيطرة علي الموارد تلك الدولة التي لن يقبلها العرب‏,‏ كما أن حزب العمل لن يصل الي الحكم في المستقبل القريب ولا البعيد وذلك اذا ماتغاضينا عن حقيقة أن العمل ارتكب جرائم في حق الفلسطينيين أضعاف ماأرتكبه الليكود والموقف حاليا في الاراضي المحتلة كما رأيته خلال زيارة مؤخرا‏,‏ هو أن غالبية الشعب الفلسطيني بدأ يشعر بأنه مادام خيار الدولة الواحدة مرفوض‏,‏ كما أن خيار الدولتين مرفوض هو الآخر فإنه من الافضل أن يخوضوا جهادا طويل الامد لتحرير الارض كلها‏,‏ بدلا من مجرد‏23%‏ من الوطن فقط‏,‏ وذلك هو الخطأ القاتل الذي وقعت فيه اسرائيل المحكومة بالصهيونية‏.‏

الأهرام‏:‏ هل تعتقدون بهجوم وشيك علي العراق؟
جالوي‏:‏ نعم للأسف لقد كنت أقف مؤخرا بمقربة من بلير عندما تحدث عن العراق‏,‏ وقد تراءي لي من أسلوبه في الكلام والكلمات التي اختارها والعلامات التي ظهرت علي وجهه أن الحرب وشيكة وبأن بريطانيا ستنضم لها‏,‏ ولاخطة كما يتم تسريبها ستبدأ بقصف جوي يستمر‏60‏ يوما تعقبه حملة برية تضم‏300‏ ألف جندي من بينهم‏25‏ ألف بريطاني‏,‏ أما أهداف الحملة فهي اسقاط النظام العراقي ووضع نظام عميل وارد لندن‏,‏ وبالتالي عمليا احتلال العراق وتأمين اسرائيل بشكل كامل وكسر العرب لفترة طويلة قادمة وفرض تلك الحلول الاسرائيلية علي الفلسطينيين‏.‏

الأهرام‏:‏ وفي سبيل تحقيق هذه الاهداف هل يمكن أن تصل الجرائم الي هذا الحد؟
جالوي‏:‏ يجب أن نعلم أن العراق بالنسبة للغرب ليس كأي دولة وانما هي دولة عربية ذات قدرات ضخمة وفي سبيل تحقيق أهدافهم تلك هم مستعدون بالتضحية بأي عدد من أبناء الشعب العراقي‏,‏ كما قتلوا من أبنائه علي مدار سنوات الحصار الظالم مليون مواطن بدون أن يزرفوا دمعة واحدة عليهم وبالرغم من الخطأ القاتل الذي وقعت فيه العراق ـ أو استدرجت له ـ بغزو الكويت‏,‏ الا أنه يجب الا نخفي الحقيقة بأن قرار تدمير العراق اتخذ قبل ذلك عندما هدد الرئيسي العراقي صدام حسين خلال قمة عمان عام‏1989‏ اسرائيل في حالة هجومها علي أي دولة عربية بأن يحرق نصفها‏,‏ في هذه اللحظة اتخذ القرار بتدمير العراق‏,‏ والسؤال هنا‏:‏ ماهو الثمن الذي ستدفعه الدول العربية ـ أو الدولة ـ التي ستسمح لكل من أمريكا وبريطانيا باستخدام اراضيها في هذه الحرب ؟ وكيف ستواجه الحكومات شعوبها ؟ إن دولة مثل الاردن ـ علي سبيل المثال ـ لن يتحمل شعبها مثل هذه الضغوط‏,‏ وإنني شخصيا أحذر الغرب من الضغط علي الاردن‏,‏ حيث إن نظامه لن يتحمل وفي هذه الحالة فإن اسرائيل ستجتاحه‏,‏ ومن المحتمل أنتحاول أن تجعله وطنا بديلا للفلسطينيين إن السيناريوهات التي يمكن أن تعقب مثل هذه الحرب التعسة ضد العراق ستكون مؤلمة للغرب نفسه الذي سيواجه أنظمة وشعوبا معادية له ولمصالحه بشكل لايمكن تخيله حاليا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية