|
رسالة فيينا يكتبها: مصطفي عبد الله |
 | | ماهر عبدالواحد ـ عبدالمجيد محمود |
أكدت الجولة الثانية للمفاوضات حول الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي عقدت بمنظمة الأمم المتحدة بفيينا علي مدي أسبوعين, مدي اهتمام المجتمع الدولي بضرورة مكافحة هذه الظاهرة التي تنال بشكل كبير من خطط التنمية الاقتصادية في الدول المتقدمة والنامية علي السواء, مما يتطلب تعاونا دوليا مقننا في وثيقة عالمية توقع عليها كل الدول.
وقد انشغلت الوفود التي شاركت في المفاوضات والتي بلغ عددها حوالي مائة وعشرين دولة بأمور كثيرة تتعلق بمختلف جوانب قضية مكافحة الفساد, واحتلت مسائل الصياغة والاختلافات القانونية حيزا كبيرا في المناقشات, وتمثلت أهم القضايا المثيرة لحساسيات مالية وربما سياسية في بعض الأحيان فيما يلي:
أولا: فيما يتعلق بقضية استرداد الأموال المنهوبة المتحصلة من احدي جرائم الفساد, طالبت معظم وفود الدول النامية بضرورة استرداد هذه الأموال, وألا تقف اختلافات النظم التشريعية والقضائية بين الدول عائقا يحول دون الاسترداد. وبالرغم من اتفاق الدول علي هذا المبدأ ألا ان درجة حماسها واتفاقها بدت أقل فيما يتعلق بقواعد تنفيذ مبدأ الاسترداد.. فبينما طالبت بعض الدول باسترداد هذه الأموال كاملة, فإن دولا أخري تكاد تمثل الأغلبية طرحت فكرة اقتسام الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد بين الدول التي في حوزتها هذه الأموال والدول المتضررة صاحبة الحق في استردادها.
فطلب وفد احدي دول الاتحاد الأوروبي أن يترك أمر التصرف في متحصلات الجرائم الي القوانين الوطنية لكل دولة, بينما فطنت دول أخري لخطورة المسألة, فاقترحت أن تكون الاتفاقية نفسها هي السند والمرجع الذي يحكم ويوجب استرداد هذه الأموال, بينما أثار وفد احدي دول أوروبا الغربية خارج الاتحاد الأوروبي بعض المشكلات والعقبات التي تحول أحيانا دون الاتفاق علي كيفية استرداد الأموال ومعيار الاقتسام بين الدولة المتضررة صاحبة الحق والدولة التي توجد فيها هذه الأموال, وكان وفد هذه الدولة يريد حسم المسألة وكفي!! ومع ذلك لم تمنع هذه المناقشات المطولة من توافر اتفاق عام في نهاية المطاف علي ضرورة قيام الدول الأطراف بتحديد أماكن الأموال غير المشروعة وتعقبها والكشف عنها وتجميدها ومصادرتها.
وقد أثيرت وطرحت معايير عديدة لكيفية توزيع واقتسام الأموال غير المشروعة كأن يتم اقتسامها بين الدولتين أو التبرع بجزء لبعض المنظمات ذات الأهداف التنموية والانسانية. وقد أخذت قضية رفع السرية المصرفية مع تجريم غسل الأموال أبعادا جديدة, وتضمنت الاتفاقية نصا يوجب علي الدول التعاون القضائي الدولي وتقديم المعلومات الضرورية بشأن جرائم الفساد, وألا تكون السرية المصرفية ذريعة تتخذها الدول لرفض التعاون القضائي في هذا المجال.
وقد اقترح الوفد المصري الذي شارك بفعالية في المفاوضات تقييد رفع السرية المصرفية بأن يكون ذلك بشأن اتهام بارتكاب احدي الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية بينما طالبت احدي الدول العربية بتقييد رفع السرية المصرفية وفقا للأصول التشريعية لكل دولة, وذهبت دولة أوروبية داخل الاتحاد الأوروبي الي نفسه المعني حيث طالبت بأن يكون رفع السرية المصرفية منوطا بتوافر دلائل علي ارتكاب احدي هذه الجرائم. وقد تلاحظ وجود توافر قبول عام علي ابقاء المادة الخاصة بالسرية المصرفية كمادة مستقلة بذاتها, واقترحت بعض الوفود نقلها الي مادة أخري لكن أغلبية الوفود فضلت الابقاء عليها وأكدت مصر موقفها المؤيد للابقاء علي مكان المادة علي أن ينقل اليها جميع الأحكام المتعلقة بالسرية المصرفية والمذكورة في مواد أخري, كما حرص الوفد المصري أيضا علي تأكيد مبدأ السيادة التشريعية للدولة بالتخفيف من الطابع الالزامي لبعض النصوص فيما تفرضه من التزامات علي الدول تارة, وبادراج اشارة صريحة الي ضرورة احترام المباديء القانونية والنظم التشريعية للدولة تارة أخري.
وقد أيدت معظم الوفود ماذهب اليه الوفد المصري من وجوب مراعاة السيادة التشريعية لكل دولة, وهو ماظهر جليا في المادة المنظمة للمساعدة القانونية المتبادلة حيث طالبت مصر بأن تتم هذه المساعدة ليس فحسب وفقا للاتفاقيات الدولية والترتيبات بين الدول, بل أيضا وفقا لما تنص عليه قوانينها الوطنية في هذا الشأن. وفيما يتعلق بتسليم المجرمين المنصوص عليها في المادة الحادية والخمسين من مشروع الاتفاقية طالبت أكثر الوفود بالأخذ بالخيار الأول الذي يمثل خلاصة نص مدمج مأخوذ من الاقتراحات المقدمة من المكسيك والنمسا وهولندا وكولومبيا.
ويلاحظ خبراء القانون أن هذا الخيار هو في حقيقته النص الوارد في المادة السادسة عشرة من اتفاقية الجريمة المنظمة عبر الوطنية. ولم يخل الأمر من بعض التحفظات التي أبدتها الوفود بشأن المادة الحادية والخمسين حيث اعترضت احدي الدول علي السماح للدولة الطرف في الاتفاقية التي تلقت طلب التسليم أن تطبق المادة بشأن عدة جرائم خطيرة غير منفصلة غير المشمولة بالاتفاقية والتي تضمنها طلب التسليم اذ إن مشروع الاتفاقية لم يتضمن تعريفا للجريمة الخطيرة لذلك شاركت بعض الوفود وفد هذه الدولة اعتراضه متسائلا في الوقت نفسه حول ما اذا كان هذا يعني استعارة تعريف الجريمة الخطيرة من اتفاقية باليرمو.
أما الوفد الأمريكي الذي تريد حكومته ملاحقة مرتكبي الجرائم السياسية وماتسميهم بالارهابيين فقد أيد الخيار الأول بالفعل لكنه طالب بألا تكون الجرائم السياسية ذريعة أحيانا لعدم التسليم وهو مايعتبره الخبراء تحميل نصوص الاتفاقية أكثر من مفهومها, إذ إن الأخذ بوجهة النظر الأمريكية يتطلب هو أيضا تضمين الاتفاقية تعريفا للجريمة السياسية. ومصر التي عانت كثيرا بسبب تزخر تسليم الدول الغربية للمجرمين طالبت بشدة في مداخلة لوفدها بالأخذ بالخيار الأول وضرورة اشتمال النص علي وجوب استجابة الدول لطلبات التسليم المقدمة اليها خلال أجل معقول نظرا لما لوحظ في الواقع من بطء وتأخر في استجابة بعض الدول لهذه الطلبات الأمر الذي يتعارض مع اعتبارات تفعيل التعاون القضائي الدولي.
كما طالب الوفد المصري بعدم تقييد الدول الأطراف بأن تتبين ما اذا كانت ستعتبر هذه الاتفاقية هي الأساس القانوني للتسليم للتعاون مع سائر الدول الأطراف في وقت الانضمام لهذه المعاهدة حيث يتطلب الأمر اجراء دراسات وبحث في مجمل الاتفاقيات التي ترتبط بها الدولة وبالتالي فقد يري حذف كلمة وقت الايداع أو الانضمام لأنها تلزم الدولة وتقيدها أكثر مما ينبغي. ولم تثر المادة بنقل الأشخاص المحكوم عليهم أي اعتراضات وهي فقرة وحيدة في خيار وحيد منقول من اتفاقية الجريمة المنظمة عبر الوطنية دون أدني تغيير
وفيما يتعلق بالمساعدة القانونية المتبادلة اقترح وفد مصر هيكلة المادة لتجنب التكرار والازدواجية في الأحكام. كما اقترح الوفد المصري اضافة كلمة القوانين الوطنية الي الاتفاقات الدولية والترتيبات المذكورة بالنص, كما اقترح استبدال عبارة السجلات الحكومية ليحل محلها عبارة السجلات الادارية.
وقد أيدت فرنسا الاقتراح المصري بينما اعتبرت استراليا أن النص مثقل بالفعل بفقرات طويلة في تأييد ضمني للاقتراح المصري بينما أيدت معظم الدول العربية اقتراح مصر في هذا الشأن. وكان لافتا للنظر اتفاق كل من الوفدين الأمريكي والألماني علي استبعاد الدوافع السياسية لكيلا تفلت جرائم الفساد في اطار المساعدة القانونية المتبادلة.
وكان واضحا خلال الاجتماعات اتفاق دول بعينها علي تأييد مسألة اعادة أموال الفساد الي بلدانها الأصلية مثل مصر وبيرو وكولومبيا بينما تحفظت دول أخري بصورة ضمنية علي الفقرة الخاصة بإعادة الأموال الي بلدانها الأصلية مطالبة بنقلها الي مكان آخر في الاتفاقية. وعند مناقشة المادة الخاصة بنقل الاجراءات الجنائية ظهر اتفاق عام علي الخيار الذي يتيح لاحدي الدول الأطراف أن تنقل الي الأخري اجراءات الملاحقة المتعلقة باحدي الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية متي كان ذلك في مصلحة حسن سير العدالة وتعلق الأمر بعدة ولايات قضائية.
لكن بعض الوفود أعربت عن قلقها بشأن مساس هذه المادة بمفهوم السيادة الوطنية, وطالبت بصيغة جوازية لهذه المادة, بينما اعتبرت دول أخري أن المادة ضرورية ولا يشكو انتقاصا من السيادة الوطنية. وقد اقتحت مصر أن تتضمن المادة المعنية الي التشريعات الوطنية بالنظر لأن مفهوم نقل الاجراءات الجنائية مفهوم حديث نسبيا, كما اقترحت دول أخري استخدام عبارة الابلاغ بدلا من النقل, وأيدت عمان مصر في مطالبتها.
وفيما يتعلق بالتعاون في مجال انفاذ القانون اقترح الوفد المصري بعض الملاحظات الصياغية لتفادي عدم تطابق النص العربي لمشروع الاتفاقية مع النصوص الأخري لذلك كان لمصر دور هام في تنقيح النص العربي للمشروع حيث ظهر العديد من الاختلافات بين النص العربي والنصوص الأخري للاتفاقية, وقد تم تعديل ذلك بما يضمن الاتساق والتطابق بين كافة النصوص التي ستعتمد بها الاتفاقية. وقد ثار جدل طويل في المناقشات بشأن المادة التي تدعو الدول الي قصر الحصانات والامتيازات التي يتمتع بها كبار الموظفين والتي قد تمثل قيودا علي مساءلتهم الي الحد الضروري لعمل المجتمع الديمقراطي, فقد اعترضت دول عديدة من بينها مصر والمكسيك وروسيا والمغرب علي عبارة المجتمع الديمقراطي لغموضها ومدلولها السياسي, وانتهي الأمر بمبادرة من فرنسا الي حذف هذه العبارة, كما اقترحت مصر وجوب تضمين مثل هذا النص اشارة الي أن يتم ذلك في اطار التشريع الوطني لكل دولة.
وقد أثيرت ايضا مسألة ضرورة إطالة أمد التقادم التي تخضع لها جرائم الفساد حيث أيدت معظم الدول مضاعفة مدة التقادم لتضييق الخناق علي مرتكبي أفعال الفساد واقترحت مصر تفعيل نظام التقادم في ذاته بأن يعتبر فرار المتهم بارتكاب احدي جرائم الفساد الي دولة أجنبية سببا لوقف التقادم ختي لايستفيد المجرمون بإمكانية فرارهم خارج دولهم ثم يعودون اليها بعد انقضاء فترة تقادم جرائمهم. وقد تباينت مواقف الدول بشأن احدي أهم المسائل التي تضمنتها المعاهدة ألا وهي اعتبار فعل الفساد سببا كافيا لابطال العقود والمناقصات والتصرفات القانونية الأخري حيث ارتأت الولايات المتحدة الأمريكية اقرار مبدأ عام بالتعويض عن الفساد وعدم التطرق للتفصيلات وترك ذلك لتشريعات كل دولة نظرا لاختلاف النظم القانونية من دولة الي أخري, بينما اعترضت دول كثيرة علي هذا النص علي أساس عدم وجوب الخلط بين المسئولية الجنائية عن جرائم الفساد وبين المسئولية المدنية بالتعويض عن أضراره.
وقد اقترحت مصر والمغرب أن يبقي النص علي ماهو عليه ولكن مع الاشارة الي عدم الاضرار بالحقوق المشروعة للغير حسن النية حيث من المتصور أن يكون المتعاقد الاخر مثلا حسن النية لاعلم له يجريمة الفساد, وهو مايفرضة أيضا مبدأ حماية الحقوق المكتسبة للغير حسن النية. وفي موضوع مهم آخر من موضوعات الاتفاقية الخاص بالولاية القضائية للدولة في نظر جرائم الفساد طالبت مصر وايدتها دول عديدة بتوسيع فكرة الولاية القضائية لتشمل حالة وقوع احدي جرائم الفساد بالاضرار لمصالح دولة معينة ولو ارتكبت هذه الجريمة في الخارج, وكذلك حالة أن ترتكب جريمة في دولة معينة بهدف التخطيط لارتكاب جريمة في دولة أخري.
ولاشك أن مثل هذا التوسع يأتي حماية لمصالح الدول النامية, ولهذا فقد أيدته مع مصر المكسيك ودول أخري. يبقي أن نشير الي خطورة الأضرار الناجمة عن الفساد وما لذلك من آثار سلبية علي عملية التنمية المستدامة.
فالفساد ينال من التنمية الاقتصادية للدول, ولافرق بين الدول المتقدمة والدول النامية التي تعاني من الفساد, وهو ظاهرة منتشرة في معظم دول العالم, لذلك كان اهتمام المجتمع الدولي به وفرد له اتفاقية خاصة به لمكافحته عن طريق التعاون بين الدول. وهو الأمر الذي يثير الدهشة والعجب في الوقت نفسه, اذ كيف يدرك المجتمع الدولي خطورة الفساد كما يدرك خطورة جرائم الارهاب في الوقت الذي خصص للفساد اتفاقية عالمية, بينما ترك الارهاب دون تحديد مفهوم قانوني له ودون البحث عن تقنين عالمي يضمن مكافحته في اطار شرعي.
والولايات المتحدة أقوي دولة في العالم التي عانت أكثر من غيرها خاصة في الحادي عشر من شهر سبتمبر من العام الماضي تزعمت ماأسمته بالتحالف الدولي ضد الارهاب الذي تستخدمه وفق مصالحها السياسية دون وجود أي معيار يضبطه. أيهما أخطر علي المجتمعات الفساد أم الارهاب.. يبدو أن ازدواجية المعايير وحدها هي التي تثير الضباب حول هذا السؤال حتي لايتمكن المجتمع الدولي من التوصل الي اجابة حقيقية له. |
|
|
|
|
|