|
|
نستكمل اليوم الرد علي مقال الاستاذ أحمد عبدالمعاطي حجازي حول الإزار والرداء ونشرنا الجزء الأول الاربعاء الماضي.
4 ــ وأما المشكلة الكبري في مقال الأستاذ حجازي فهي ما حاول إيهام القراء به من أن الثياب العربية لم تكن تخرج برغم تعدد الأسماء عن ثوبين هما الإزار والرداء, أما الازار فهو الثوب المشدود علي الخصر, ليغطي العورة, ومادونها وأما الرداء, فيشمل الجسم كله, ويبدو أن أكثر العرب كانوا يكتفون بالائتزار أي بوضع الازار لأنهم لم يكونوا يملكون غيره!. إلي أن قال ــ بعد ايراد أخبار من بعض كتب الادب ــ: فإذا كانت هذه هي ثياب الرجال والنساء في ذلك العصر فلاشك أن ثيابنا أسبغ وأستر ولا شك في أن عصرنا الراهن أكثر عفة واحتشاما, لأنه يحترم المرأة ويعتبرها إنسانا كاملا وليست نصف رجل وينظر إلي العفة بوصفها ضميرا, وليست إزارا أو خمارا!!.
وفي هذا الكلام تجاهل لحقائق التاريخ والاجتماع وخلط وتمويه وخروج عن موضوع النقاش! فليس صحيحا أن ثياب الرجال والنساء في عصر النبوة ـ وعند نزول هذه الآية لم تكن تخرج عن الإزار والرداء.. وبما أن الرداء كان نادرا ـ كما يدعي ـ فكانوا رجالا ونساء يكتفون بالإزار الذي يشد علي الخصر ليغطي العورة.. يعني أن النصف الأعلي من المرأة لم يكن مستورا.. بل كان باديا للأنظار!
وأكتفي في الرد علي هذا الادعاء بالرجوع إلي صحيح البخاري كتاب اللباس لنري ما تضمنه من أنواع الثياب: باب لبس القميص وقول الله حكاية عن يوسف اذهبوا بقميصي هذا فألقوه علي وجه أبي ويروي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال النبي صلي الله عليه وسلم: لا يلبس المحرم القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا الخفين, إلا ألا يجد النعلين فليلبس ما هو أسفل من الكعبين.
فنحن هنا أمام القميص والسروال والبرنس وهي ثياب ساترة ليس فيها إزار ولا رداء.. والقميص كما في القاموس لا يكون إلا من قطن وأما من الصوف فلا. وهو مخيط علي قدر الجسم, وقد كان للنبي صلي الله عليه وسلم قميص, بل أكثر من قميص, بدليل أنه أعطي قميصه مرة لعبدالله بن أبي ليكفن فيه استجابة لطلب ابنه.. وكان ابنه من خيار الصحابة.. ولا يزال القميص مستعملا في عصرنا للرجال والنساء وإن اختلفت الصفة. أما السروال فهي كلمة فارسية معربة, وكان معروفا عند العرب رجالا ونساء.. بدليل نهي النبي صلي الله عليه وسلم عن لبسه, وذلك خاص بالرجال, أما النساء فيجوز لهن في إحرامهن بالحج لبس السراويل والثياب المخيطة, وواجب عليهن تغطية الرأس في مقابل إلزام المحرم بكشف رأسه, فإن غطاه لسبب كان عليه فدية..
وأما البرنس فإنه نوع من الثياب المخيطة قال صاحب القاموس: البرنس بالضم قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه, دراعة كان أو حبة أو ممطرا وهو معروف في عصرنا وإن كان خاصا بالحمام أو بنوع من ملابس الأطفال. والدراعة التي ورد ذكرها في كلام صاحب القاموس هي ثوب لا يكون إلا من صوف كالمدرعة. وفي هذه المادة أيضا ذكر لدرع المرأة وهو قميصها. والجبة ثوب مخيط مفتوح له كمان: وفي صحيح البخاري: باب من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر ثم روي عن المغيرة بن شعبة أو رسول الله صلي الله عليه وسلم توضأ وعليه جبة شآمية ـ مصنوعة في الشام ـ فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ضيقين فأخرج يديه من تحت الجبة فغسله ومسح برأسه وعلي خفيه. والممطرة التي أشار إليها القاموس: ثوب صوف يتوقي به من المطر.
ومن الملابس المعروفة في عصر النبوة ـ كما في صحيح البخاري ـ القباء وفروج الحرير. فالقباء ـ بفتح القاف ـ مشتق من القبوة وهي انضمام ما بين الشفتين ـ فهو ثوب مخيط أيضا له جانبان منضمان يشبه الجبة. وقد كان القميص والجبة من الملابس المعروفة عند العرب كما في الشاهد البلاغي القديم في المشاكلة: قالوا اقترح شيئا نجد له طبخه .............. قل اطبخوا لي جبة وقميصا!
أما فروج الحرير ـ الوارد ذكره في صحيح البخاري ـ فهو ما يشبه القفطان في عصرنا, بدليل أن العامة تسمي القفطان: فراجية. والبرد: ثوب مخطط مخيط. ومنه بردة النبي صلي الله عليه وسلم. إن العرب في عصر النبوة لم يكونوا ـ كما ذكر الكاتب ـ يكتفون بشد الإزار حول خصورهم ولا يجدون ما يسترون به بقية أجسادهم.. فقد عرفوا هذه الملابس المخيطة, كالقميص والسروال والجبة والبرنس والمدرعة والقلنسوة والعمامة والبرد وغيرها وكانوا يأتون بالملابس المخيطة من الشام كما في الحديث الصحيح وعليه جبة شآمية كما عرفوا السراويل من الفرس وعربوا لفظها مما يدل علي شيوعها.. وعرفوا مروط النساء. والمرط ـ بكسر الميم ـ كساء من صوف أو حرير.
والآية التي صدر بها البخاري كتاب اللباس في صحيحه هي قوله تعالي: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وبعدها روي قوله صلي الله عليه وسلم: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة. وفي الكتاب الكريم: يا أيها الذين آمنوا خذوا زينتكم عند كل مسجد وفيه أيضا: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوي ذلك خير. والريش ثياب الزينة. فالحضارة العربية لم تكن تقف عن حد شد الإزار علي النصف الأسفل لستر العورة فقط.. بل عرف العرب التجمل بالثياب والتزين بها.. وقد كان للنبي صلي الله عليه وسلم حلة حسنة يقابل بها الوفود, كما ثبت في الصحيح.
وإن حرص الإسلام علي ستر عورة المرأة ـ وهي كل جسدها ما عدا الوجه والكفين ـ إنما هو تكريم لها وحفظ لقيمتها وصيانة لإنسانيتها.. حتي لا تكون سلعة معروضة بغير ثمن.. ولا تعيش علي حساب أنوثتها وفتنتها, كما يصنع المجتمع الغربي ومن يقلده.. فالمرأة اليوم وسيلة لجذب المشترين في الإعلانات التي تذيعها القنوات.. وهي أيضا مهدرة الإنسانية في شبكات البغاء العالمية التي لا ترعي للمرأة حرمة ولا كرامة.. ويكفي ما تبثه قنوات الجنس في أنحاءالعالم, التي تجعل المرأة في منزلة أدني من الحيوان.. وإن نظرة عابرة لأزياء النساء المتكشفات في المجتمعات العربية التي لا تلتزم بالأمر القرآني.. تدل علي مدي الإسفاف والمهانة التي يعامل بها مصممو الأزياء جسد المرأة..
فهناك البطون العارية والظهور العارية والصدور العارية والملابس الضيقة التي تجسد العورة وتثير الفتنة.. وهذا أمر ملموس لا يحتاج إلي استدلال.. إضافة إلي العري في الشواطئ والنوادي وغيرها.. أفبعد هذا يقال: إن ثيابنا أسبغ وأستر من ثياب عصر النبوة, وإن عصرنا الراهن أكثر عفة واحتشاما؟!
كل هذا بناء علي وهم توهمه الكاتب: أن العرب في عصر النبوة رجالا ونساء لم يكونوا يعرفون إلا الإزار والرداء.. وأنهم كانوا يكتفون غالبا بالإزار؟! وليراجع إن شاء الكتب التي تناولت الحضارة العربية الإسلامية مثل حضارة العرب لجوستاف لوبون وغيره من الكتب التي تحدثت عن أزياء العرب في الجاهلية والإسلام.
وتبقي نصيحة أخيرة للكاتب الفاضل: ألا يرضي لنفسه بترويد مقولات المتحاملين علي الإسلام الذين يزعمون أن الإسلام يجعل المرأة نصف رجل! وليس هناك زعم موغل في الافتراء أكثر من هذا الزعم, فآيات القرآن تقطع بالمساواة في الأصل بين الرجل والمرأة فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثي بعضكم من بعض وقال تعالي: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وفي الحديث الشريف النساء شقائق الرجال فهما من أصل واحد ونفس واحدة يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها.
ولا يتسع المجال هنا للرد علي شبهة أن المرأة تنال من الميراث نصف ما ينال الرجل ـ فالحقيقة أن هذا في مجال واحد, وهو اجتماع الإخوة ذكورا وإناثا.. لكن هناك حالات تنال فيها المرأة أكثر مما ينال الرجل, كحالة البنت مع الجد.. فهي تأخذ أكثر منه لا محالة.. كما قال تعالي: فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس وصور أخري تأخذ فيها المرأة أكثر مما يأخذ الرجل. وكذلك شبهة كون المرأة في الشهادة محتاجة إلي أمرأة أخري تشهد معها: فالحقيقة أن ذلك في الديون خاصة رفعا للحرج عن المرأة من أن تتحمل وحدها المسئولية في المعاملات الماليحة. أما في غير ذلك فشهادتها وحدها مقبولة كما بين العلماء حتي في الدماء والأعراض. ونأتي إلي نقطة نظام في الموضوع.. فقد كان علي الكاتب أن يترك مجال الفتوي للمفتي الذي أمنته الدولة علي الفتوي وقد تزود لها بإعداده العلمي المتخصص ودراساته الفقهية الواسعة فلا يجوز تخطئته في فتواه علي هذا النحو السافر, ولا تعليمه كيف يتعامل مع النص وكيف يفهم دلالة الألفاظ.
إن من حق الكاتب أن يأخذ في ذات نفسه بفتوي المفتي أو يرفضها, لكن مواجهتها علي أنهار الصحف ومجابهتها بالسخرية من العرب وحضارتهم ولباسهم.. لا يخدم قضية المجتمع المدني التي تحترم فيها المؤسسات ويتصرف كل منا في حدود اختصاصه ونقف عند هذا الحد حتي لا يجرفنا تيار الحديث والحديث دائما ذو شجون! وعلي الله قصد السبيل. |
|
|
|
|
|