|
|
عشنا عملنا القضائي بجميع مراحله.. لا نتحرر أبدا من رباط العنق.. داخل بذلة كاملة.. حتي في سعير الحر الهجير.. خلال أزمان وأركان لم تكن ألفت بعد أجهزة التبريد.. وكم تأففنا من هذه الطقوس.. وحسبناها ضربا من التزمت والتعنت.. حتي غلبتنا حجة أسلافنا.. أن العدالة جوهر ومظهر.. وأبسط هذه المظاهر ارتداء رجل القضاء ملابسه كاملة إن لم يزد عليها معطفه الأسود الردنجوت كما فعلنا ونجن جلوس في دوائر محكمة النقض.. وكذا الشعر المستعار كحال قضاة بلاد العالم الغربي. شرد فكري كثيرا متقصيا أهمية المظهر في تفعيل دور العدالة.. أليس منتهاها أن يصل كل لائذ بها إلي حقة بأسرع وأيسر السبل؟ إذن ما شأن هذا الهدف السامي بأن ينصب القاضي موازينه علي منصة عالية في قصر منيف.. أو أن يطلق أحكامه تسبقها أغلظ أيمانه.. وهو مضطجع علي أريكة خشبية كالعهد بمحاكم الأخطاط التي تشكلت من أعيان الناحية علي مدار عشرينيات القرن الماضي؟ الفارق بين الوضعين جد خطير.. فمن يرتاد محفلا قضائيا باذخا يحاول أن يرقي بنفسه إلي ذات مستواه.. القاضي يفتتح جلساته في مواعيدها.. يديرها بأعصاب رطبة لم تعكرها أفاعيل التقلبات الجوية.. وبنظام محكم لاينال منه زحام خانق.. ولا فوضي صارخة.. أعوان القضاة من وكلاء نيابة ومحامين وخبراء وأمناء سر وضباط شرطة, كلما نظروا إلي رفعة المكان حادوا عن أي تصرف لا يلائمه.. أما المواطنون من خصوم وشهود فمتي توجهوا إلي باحته.. ومثلوا في ساحته.. ترسخت في وجدانهم بوحي المكان مشاعر الإجلال والعرفان للقضاء.
لا أنسي قط أنني إذ ابتعثت وأنا قاض في منحة دراسية إلي باريس.. وما أن تعرفوا علي مهنتي في المطار حتي جعلوني أسلك منفذا خصصوه لرجال العدالة لا يمر بالدائرة الجمركية, ولما قصدت قصر العدالة لمقابلة المستشار الفرنسي لاستعين به في البحث المنوط بي إعداده.. لم اتمالك نفسي أن أقف مشدوها أحملق عبر ممرات المحكمة الرحبة الوسيعة.. من فرط فخامتها ونظافتها!! ولقد أتي علينا حين من الدهر كنت إذا مررت بمبني حديث في أي مدينة.. خمنت صادقا دون أن تقربه أنه مدرسة.. فإذا وقعت عيناك علي بناء عتيق أيقنت أنه المحكمة!! وإن لحق الجم من دور العدالة أخيرا التجديد والإحلال.. لكن بقي هم الصيانة والنظافة علي حاله!!.. ولدينا مثالان ظاهران للعيان في القاهرة دار القضاء العالي التي كانت في الأصل مجرد محكمة ابتدائية في القضاء المختلط.. سيما الدور الثالث الذي يحتشد فيه أمناء السر.. وبجوارهم ملفات جلساتهم.. بامكانات شديدة التواضع.. ومجمع الجلاء الذي لم يمض علي تشييده سوي سنوات قلائل.. إلا أنك تحس فيما لوجلت في دهاليزه أنك تجوب عنابر السكك الحديدية!! أما مقار لجان فض المنازعات المنشأة بالقانون7 عام2000 فحدث عنها ولاحرج!! فهناك ود مفقود بينها وبين الوزارات والهيئات المختصة بأنزعتها حيث تتواني عن إفساح المنازل اللائقة بها.. كهيئات من الممكن أن تجنبها ـ فيما لو صفت النيات ـ وعورة المخاصمة القضائية.. ومن ثم فقد حان الأوان لعقد جلسات هذه اللجان في قاعات المحاكم في الفترة المسائية حين تكون دائما خالية.
وإذا كانت صحف28,27 يونيو الماضي قد حملت صرخات كبار المحامين تهيب بشبانهم وجوب الالتزام بتقاليد المهنة.. فإني دائم التوجه في الشهور الماضية لمن يحضر منهم الجلسات مكتفيا بارتداء القميص والبنطلون بأنه زي لا يتلاءم مع التزامي بالبذلة الكاملة احتراما للجلسة.. مما يعيدهم في الجلسات التالية إلي اتباع صحيح آداب مهنتهم النبيلة.
هلا انتبهنا إلي مظهر العدالة.. أسوة بجوهرها بقدر أكبر من المراجعة والمتابعة.... يقول الشاعر القديم: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزم ............ فإن فساد الرأي أن تترددا!! |
|
|
|
|
|