قضايا و اراء

42238‏السنة 126-العدد2002يوليو29‏19 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

العدالة‏..‏ جوهر‏..‏ ومظهر‏!!‏
بقلم: المستشار الدكتور‏/‏ علي فاضل حسن

عشنا عملنا القضائي بجميع مراحله‏..‏ لا نتحرر أبدا من رباط العنق‏..‏ داخل بذلة كاملة‏..‏ حتي في سعير الحر الهجير‏..‏ خلال أزمان وأركان لم تكن ألفت بعد أجهزة التبريد‏..‏ وكم تأففنا من هذه الطقوس‏..‏ وحسبناها ضربا من التزمت والتعنت‏..‏ حتي غلبتنا حجة أسلافنا‏..‏ أن العدالة جوهر ومظهر‏..‏ وأبسط هذه المظاهر ارتداء رجل القضاء ملابسه كاملة إن لم يزد عليها معطفه الأسود الردنجوت كما فعلنا ونجن جلوس في دوائر محكمة النقض‏..‏ وكذا الشعر المستعار كحال قضاة بلاد العالم الغربي‏.‏
شرد فكري كثيرا متقصيا أهمية المظهر في تفعيل دور العدالة‏..‏ أليس منتهاها أن يصل كل لائذ بها إلي حقة بأسرع وأيسر السبل؟ إذن ما شأن هذا الهدف السامي بأن ينصب القاضي موازينه علي منصة عالية في قصر منيف‏..‏ أو أن يطلق أحكامه تسبقها أغلظ أيمانه‏..‏ وهو مضطجع علي أريكة خشبية كالعهد بمحاكم الأخطاط التي تشكلت من أعيان الناحية علي مدار عشرينيات القرن الماضي؟ الفارق بين الوضعين جد خطير‏..‏ فمن يرتاد محفلا قضائيا باذخا يحاول أن يرقي بنفسه إلي ذات مستواه‏..‏ القاضي يفتتح جلساته في مواعيدها‏..‏ يديرها بأعصاب رطبة لم تعكرها أفاعيل التقلبات الجوية‏..‏ وبنظام محكم لاينال منه زحام خانق‏..‏ ولا فوضي صارخة‏..‏ أعوان القضاة من وكلاء نيابة ومحامين وخبراء وأمناء سر وضباط شرطة‏,‏ كلما نظروا إلي رفعة المكان حادوا عن أي تصرف لا يلائمه‏..‏ أما المواطنون من خصوم وشهود فمتي توجهوا إلي باحته‏..‏ ومثلوا في ساحته‏..‏ ترسخت في وجدانهم بوحي المكان مشاعر الإجلال والعرفان للقضاء‏.‏

لا أنسي قط أنني إذ ابتعثت وأنا قاض في منحة دراسية إلي باريس‏..‏ وما أن تعرفوا علي مهنتي في المطار حتي جعلوني أسلك منفذا خصصوه لرجال العدالة لا يمر بالدائرة الجمركية‏,‏ ولما قصدت قصر العدالة لمقابلة المستشار الفرنسي لاستعين به في البحث المنوط بي إعداده‏..‏ لم اتمالك نفسي أن أقف مشدوها أحملق عبر ممرات المحكمة الرحبة الوسيعة‏..‏ من فرط فخامتها ونظافتها‏!!‏
ولقد أتي علينا حين من الدهر كنت إذا مررت بمبني حديث في أي مدينة‏..‏ خمنت صادقا دون أن تقربه أنه مدرسة‏..‏ فإذا وقعت عيناك علي بناء عتيق أيقنت أنه المحكمة‏!!‏ وإن لحق الجم من دور العدالة أخيرا التجديد والإحلال‏..‏ لكن بقي هم الصيانة والنظافة علي حاله‏!!..‏ ولدينا مثالان ظاهران للعيان في القاهرة دار القضاء العالي التي كانت في الأصل مجرد محكمة ابتدائية في القضاء المختلط‏..‏ سيما الدور الثالث الذي يحتشد فيه أمناء السر‏..‏ وبجوارهم ملفات جلساتهم‏..‏ بامكانات شديدة التواضع‏..‏ ومجمع الجلاء الذي لم يمض علي تشييده سوي سنوات قلائل‏..‏ إلا أنك تحس فيما لوجلت في دهاليزه أنك تجوب عنابر السكك الحديدية‏!!‏ أما مقار لجان فض المنازعات المنشأة بالقانون‏7‏ عام‏2000‏ فحدث عنها ولاحرج‏!!‏ فهناك ود مفقود بينها وبين الوزارات والهيئات المختصة بأنزعتها حيث تتواني عن إفساح المنازل اللائقة بها‏..‏ كهيئات من الممكن أن تجنبها ـ فيما لو صفت النيات ـ وعورة المخاصمة القضائية‏..‏ ومن ثم فقد حان الأوان لعقد جلسات هذه اللجان في قاعات المحاكم في الفترة المسائية حين تكون دائما خالية‏.‏

وإذا كانت صحف‏28,27‏ يونيو الماضي قد حملت صرخات كبار المحامين تهيب بشبانهم وجوب الالتزام بتقاليد المهنة‏..‏ فإني دائم التوجه في الشهور الماضية لمن يحضر منهم الجلسات مكتفيا بارتداء القميص والبنطلون بأنه زي لا يتلاءم مع التزامي بالبذلة الكاملة احتراما للجلسة‏..‏ مما يعيدهم في الجلسات التالية إلي اتباع صحيح آداب مهنتهم النبيلة‏.‏

هلا انتبهنا إلي مظهر العدالة‏..‏ أسوة بجوهرها بقدر أكبر من المراجعة والمتابعة‏....‏ يقول الشاعر القديم‏:‏
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزم ............ فإن فساد الرأي أن تترددا‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية