من أجمل ماانتهي إليه تقرير التنمية البشرية في المنطقة العربية الذي أعده فريق من العلماء العرب هو الدعوة الي مجتمع المعرفة جميل أن يدفع العلماء العرب نحو صورة معينة للمجتمع المنشود في العالم العربي. فالعرب يبحثون الآن عن جذور أزمتهم ويحتاجون الي إحساس مرهف بالاتجاه الذي يمكنهم أن يمضوا عبره الي حل تلك الأزمة. وجميل أن تكون المعرفة مفتاح هذا المجتمع المنشود.فالمعرفة كمسعي وكنتيجة هي أرقي ما أبدعه البشر وهي العنوان الصحيح للحضارة. والأجمل هو أن يستعيد العلماء العرب المثل التقدمية التي خذلها الفكر العالمي خلال الربع الأخير من القرن العشرين بسبب نزعة التشاؤم التي هيمنت عليه. ومجتمع المعرفة مصطلح أرقي من مصطلح مجتمع المعلومات الذي روجه علماء المستقبليات الغربيون بدءا من عقد السبعينيات. فالواقع أن مصطلح المعلومات غامض ومراوغ. فليست هناك معلومات خام تهيم علي وجهها دون مرشد أو منظومة فكرية ما. ويستحيل أن تخلو المعلومات من مرشد أو نمط معرفي ما. وقد تكون المعلومة حجرة البناء الأولي لأيديولوجيا بعينها بالمعني الشائع لهذا المصطلح: أي لمعرفة زائفة. كما أن المعلومة قد تكون مادة أساسية لمعرفة علمية بالمعني الشائع للمصطلح أي لمعرفة صحيحة.
ويمكن تعريف المعلومات فيما بين هذا وذاك بأنها ما يلزم لإثبات سلامة أو عدم سلامة فكرة أو ادعاء ما. وبهذا المعني تمثل المعلومات المدخل السليم للإثبات وهو جوهر النشاط العلمي. أما المعرفة فهي منظومات من البيانات ذات دلالة ومعني. مجتمع المعرفة مصطلح وهدف أرقي لأننا لا ننشد المعلومات بذاتها ولذاتها وإنما لمافيهامن دلالة ومعني.
ولكن المصطلح علي ما فيه من جمال لا يخلو من غموض وحيرة. وأسوأ ما فيه عندما يوظف في مجال العلم هو انه قد يكون مدخلا ليوتوبيا جديدة وبعيدة ومهتزة اهتزاز الأنوار في الأفلاك. ويضاعف من المشكلة أن المصطلح يختلط ويتزاحم مع فيضان من المصطلحات الدالة عما يعتبره علماء التنمية البشرية من أمور مرغوبة ومعاني فاضلة. فبداية لا يخلو أي مجتمع من معارف ومن نشاط معرفي. ومن هذا المنظور ليس هناك مجتمع محدد يسمي مجتمع معرفة. ولكي يكون للمصطلح معني ودلالة محددة تميزه عما يوجد في أي مجتمع من نشاط معرفي يجب أن نعرفه بأنه المجتمع الذي تلعب فيه المعرفة دورا قياديا. ولكن هذا المعني يكاد يتحد مع ما ذهب إليه أفلاطون عندماصك مصطلح حكومة الحكماء أو العارفين. وهنا نجد أنفسنا أمام مشكلة مزدوجة. فأولا حكومة العلماء والحكماء والعارفين ليست حكومة ديموقراطية بل ولاتتفق بالضرورة مع فكرة مجتمع يقوم علي المشاركة. وكان أفلاطون واضحا تماما في هذه المسألة مثله في ذلك مثل أساتذة سقراط الذي اتهم الديمقراطية بأنهاحكومة الغوغاء أو الجهلاء. وثانيا فإن حكومة العلماء والحكماء لم توجد قط حتي في الحالات القليلة التي لعبت فيها المعرفة دورا كبيرا في صياغة المجتمع ونظمه الاجتماعية. ومن هذا المنظور تتحول فكرة مجتمع المعرفة الي يوتوبيا جديدة أصعب منالا علينا وأبعد عنا من المجتمعات المتقدمة بالفعل والتي يلعب فيهاالعلم وتقوم فيها المعرفة بدور أساسي.
ولا أشك لحظة في أن ما قصده العلماء العرب الذين اعتمدوا مصطلح مجتمع المعلومات كعنوان أوطريق للمجتمع العربي المنشود هو إشاعة المعرفة لتصل الي عموم الناس فتصير المعرفة هدفا لكل الناس وملكة أو مهارة يتقوي بها الجميع.هنا يمكن من الناحية النظرية النظر لمجتمع المعلومات كأعلي مستويات الديموقراطية. فالديموقراطية حكومة ومثلها مثل أي حكومة تقوم علي علاقات القوة. فإذا كانت المعرفة قوة كمايذهب القول الشائع فإن نشر المعرفة يؤدي الي إشاعة القوة وتوزيعها توزيعا أقرب الي المساواة والعدل وهو ما يضمن الوصول الي أرقي صور الديموقراطية. ولكن هذا المعني لا يخلو بدوره من مشاكل. فالمطلوب للوصول الي مجتمع المعلومات من هذا المنظور هو إنهاء احتكار الصفوة للمعرفة. وهذا بدوره يشكل نوعا من اليوتوبيا.
هذه اليوتوبيا حميدة وسليمة ومرغوبة بكل تأكيد. فليس هناك ما هو أروع من أن يصبح أكثر الناس أو جميعهم حكماء علماء أو علي الأقل عارفين ومنتجين للمعرفة. ولكننا إن أخذنا بهذا المعني نضاعف المسافة الفاصلة بين وضعنا المجتمعي الراهن والمجتمع المنشود. فقد فشلنا حتي الآن في مجرد إنهاء الأمية الأبجدية بل ولم نحقق نجاحا يذكر في وقف تدهور النظام التعليمي أداء ومحتوي. ولن نتحدث هنا عن نوعية التعليم. وعندما نتحدث عن التعليم ندخل الي منظور ومن ثم الي مشكلة أخري في تعريف مجتمع المعرفة وهي مشكلة وقع فيها تقرير التنمية البشرية المذكور ووقع فيها أيضا كل من صكوا المصطلح وتبنوه كهدف بديل للأهداف التي وضعتها المناهج التقليدية للتنمية.
فقد انتهي الأمر بهؤلاء جميعا الي توحيد المعرفة مع الأدوات المستخدمة في إشاعتها وتنميتها مثل النظام التعليمي والكتاب والصحيفة ووسائل الإعلام الجماهيري. وهناك مؤشرات معروفة لمدي شيوع هذه الأدوات ومدي نموها الكمي ونصيب الفرد منها. ويؤدي هذا الخلط الي نكسة شديدة للمصطلح أو للهدف المتوخي منه. فالافتراض المضمروراء التوحيد بين المعرفة وأدوا إشاعتها هو أنه كلما زاد نصيب الفرد من التعليم والصحف والتلفاز وأجهزة الراديو وغيرها من أدوات نشر المعرفة زادت المعرفة واقتربنا من نموذج مجتمع المعرفة. وهذا الافتراض خاطيء جوهريا ولا دليل عليه مطلقا. والأهم هو أنه يعيدنا الي مصطلح مجتمع المعلومات من حيث لا نقصد. فالمجتمعات المتقدمة حليا تتميز بحكم التعريف بمستوي عال جدا لنصيب الفرد من التعليم والصحف وأجهزة الراديو والتلفاز والكتب والدخول الي شبكات المعلومات وغيرها من المؤشرات المعتادة في هذا المقام. ولكن هذه المجتمعات ليست بحال أو فلنقل ليست بالضرورة مقامة علي المعلومات أو تجسيدا لفكرة مجتمع المعلومات. فالمجتمع الأمريكي مثلا لديه يتميز بإرتفاع نصيب الفرد من هذا كله وهو بهدا المعني مجتمع المعلومات نفسه. ولكن ما أبعد المسافة التي تفصل بين هذا المجتمع وبين فكرة مجتمع المعلومات. بل وبوسعنا أن نزعم أن المجتمع الأمريكي لم يكن أبعد عن فكرة مجتمع المعرفة عنه الآن. ويكفي أن نشير هنا الي السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية لكي نفضح مايحركها من غرائز أسطورية وجهالات مستحكمة. بل ويكفي أن نشير أيضا الي إسرائيل التي تقوم في ذات كينونتها علي أساطيرلا علاقة لهاب المعرفة رغم أن هذه الدولة من أعلي بلاد العالم فيمايتعلق بمؤشرات امتلاك أدوات المعرفة.
لقد آن الأوان لكي نفجر فقاعة أخري. لقد قلنا أن امتلاك أرقي وأكثر أدوات المعرفة وإشاعتها لا يعني ولايشكل بذاته دلالة علي المعرفة ذاتها ناهيك عن القول بإقامة المجتمع علي المعرفة. فعندما نتحدث عن المعرفة فنحن نفترض ضمناسلامتها قالبا وفحوي. فإذا كان المجتمع قائما علي أساطير أويتصرف علي هدي من أساطير يستحيل أن يكون مجتمع معرفة. ولكن من حقنا أن نذهب الي ما هو أبعد من ذلك. فحتي حكومة العلماء لا تضمن الوصول الي مجتمع المعرفة إن كان ما يوحي به المصطلح هو السلامة المعرفية وليس مجرد كثرة البيانات أو حتي المعلومات. هنا أيضا نشير الي حقيقة أن بعض العلماء تولوا وظيفة الرئاسة في بلاد بعينها دون أن يعني ذلك أن يكون أدائهم أفضل من الجهلاء الأكثر عددا الذين حكموا في بلاد أوفر عددا. ويكفي أن نشير هنا أيضا الي أن أول رئيس لإسرائيل كان عالما في الكيمياء وكان من أكثر القادة الصهاينة من جيله تعصبا. لقد ساهم في تأسيس الهياكل العلمية والمعملية لإسرائيل ولكن فكره السياسي والاجتماعي كان اسطوريا ولاصلة له بالمعرفة كما نفهم هذا المصطلح. ولدينا أمثلة لمئات العلماء المشهورين والذين سطروا أسماءهم في تاريخ العلم دون أن يكون لديهم نصيب يذكر من الحكمة أو المعرفة ا لسليمة بالعالم والمجتمع. ومن نافل القول الآن أن العلماء قد يقوموا بوظيفتهم المهنية علي أفضل وجه دون أن يكون لديهم أدني اعتبار للأخلاق أو الرحمة الإنسانية. ومن هذا المنظور قد تنشأ في يوم ما حكومة من العلماء دون أن يساعدنا ذلك علي الإطمئنان لأدائها سواء في مجال المعرفة أو في مجال الأخلاق. ولن يكون هناك أية غرابة عملية في أن تدفع مثل هذه الحكومة العالم الي الهلاك أو الدماروالانتحار. ألم يكن العلماء هم من صنعوا كل أدوات الدمار التي نعرفها اليوم؟
لنترك دنيا الأشخاص ولنعرف فكرة مجتمع المعلومات من حيث بناؤه أو هيكله. وقديكون أفضل تعريف للمصطلح هو أنه ذلك ا لمجتمع الذي يسمح أو يشجع تعدد الاختيارات ودورانها نعني بذلك ليس مجرد وجود بيانات أو معلومات أو حتي معارف بل تعدد قوالبها ودلالتها الفكرية والأخلاقية والفلسفية وإتاحة فرصة إدراك تعدد مناهج حل المشكلات. فالتعدد والتنافس بين نظم الفكر ومذاهب المعرفة هو ما ضمن إنهاء احتكار الفكرة الواحدة أو المذهب أو التفسير الواحد للحقيقة وكان بذلك مفتاح التقدم من حيث أن التقدم يتطلب الانتقال من فكرة ثبت فشلها أو سوءها الي فكرة أرقي وأفضل. وهنا يتعين علينا أن نطرح السؤال المهم التالي: هل التعدد السياسي وتأكيد المواطنية والمشاركة هي التي ضمنت تعدد نظم الفكر ودورانها في المجتمع أم العكس.؟ البعض قد يري أن التعدد الفكري هو الذي يقود الي تعدد سياسي. ولكن الأرجح تاريخيا هو أن ما حدث هو العكس حيث كان التعدد السياسي هو ما ضمن التعدد الفكري ودوران الأفكار وإتاحتها للناس. وفي العالم العربي مثلا ليس هناك نقص في التعدد الفكري ولكن.. هناك حرمان تام تقريبا من مزايا المواطنة والحقوق والحريات الديموقراطية ومن ثم التعدد السياسي. فإذا كان ذلك صحيحا قد يكون من الأفضل التخلي عن يوتوبيا مجتمع المعلومات رغم ما في المصطلح من جاذبية وسحر خاصة للمفكرين والعلماء والتركيز بدلا منه علي الوصول الي مجتمع المشاركة أو مجتمع المواطنة أو المجتمع المدني أو ببساطة المجتمع الحر. |