|
|
ونحن نحتفل بهذا اليوبيل الذهبي لهذا الحدث الفارق في تاريخنا الحديث, من حقنا أن نختلف أو نتفق, نمدح أو نقدح, نلوم أو نشكر, لكننا في نهاية النهاية لابد أن نجد أنفسنا في بؤرة اللحظة الراهنة. وفاؤنا لإيجابيات هذا الحدث الفريد هو أن نضاعف عملنا ونحن نوالي تركيزنا علي الهنا والآن وفي نفس الوقت نرصد ونخطط للمستقبل, الذي هو ليس إلا ناتج ما نصنعه الآن.
أحاول في معظم ما أكتب للقارئ العام أن أتجنب إدخال أية مصطلحات, أو تفسيرات أو فتاوي نفسية مباشرة, أفعل ذلك خشية أن يتوهم الناس أن اجتهاد من هو مثلي هو فتوي علمية ملزمة طالما صدرت من مختص بصفته هذه, لكنني أعجب وأتعجب ـ وأحيانا أغضب ـ حين يستعمل غيري مصطلحات تخصصي بسهولة, وتعميم, وأنا لا أجرؤ أن أفعل. كنت قد انتهيت لتوي من قراءة كتابها المتميز( باستثناء الجزء الأخير) مائة وثمانون يوما في بلاد اليانكي حين طالعني مقالها في أهرام الأربعاء24 يوليو الجاري عن الطريق الصعب والحوار مع الآخر.
فإذا بها د. وفاء إبراهيم, تنهي مقالها بتوصية تستلهمها من مفكر نمساوي يهودي معاصر, هو مارتن بوير, وهو يوصي بحوار إيجابي, استلهمه من حوار الطبيب النفسي مع مريضه. وبعد تحفظها علي نيات المؤلف دعتنا قائلة: فهل نأمل من أطبائنا النفسانيين أن يقدموا رؤية أولية قد تشاركهم فيما بعد تخصصات أخري.. إلخ. إنها ليست مهمة الطبيب النفسي, وإنما هي فرض كفاية علي من عنده ما يضيفه أو ينبه إليه, لنتميز.
تذكرت كيف استغرقنا مؤخرا في الحديث عن قبول الآخر, والحوار مع الآخر, علي مستوي الحضارات والأديان جميعا. كما تذكرت ـ باحترام شديد ـ البابا شنودة وهو ينبه إلي أن الحوار هو بين المتدينين وليس الأديان, بمعني أن كل متدين يتوجه من موقعه الثابت الذي يملأ وعيه, ويتمسك به لكنه توجه ضام ليلتقي مع متدين آخر يبدأ من موقع آخر, وهم معا في طريقهم إلي وجه الحق تعالي, آملين أن يلتقوا في بؤرة مشتركة لصالح الناس, وتعمير الأرض بالإبداع, فهو التوجه الضام, الذي هو فعل تختلف تفاصيله, لكن تتوحد غاياته, علي خلاف حوار المواجهة الذي يفترض تنازلات, وتسويات, وترضيات تصلح لجزئيات الاختلاف, ولا تنفع كثيرا في كليات المسارات المتنوعة. بعد أن تبين قصر العمر الافتراضي للحول الجاهزة المستوردة, خاصة وقد اهتزت قدسيتها, وتعرت وعودها, لم يعد أمامنا حل إلا مواجهة التحدي طول الوقت. هذا هو ما يمكن أن يخلق منا ما هو نحن من واقع استلهامنا تاريخنا, ثم تحديثه بإعادة إيداعه.
إن المسئولية فردية, بقدر ما هي جماعية, فالله سيحاسبنا علي وقتنا, وعلي حسن استعمال عقولنا, وعلي تنمية إبداعنا, سيحاسبنا فردا فردا, حتي ولو لم تساعدنا سلطة مسئولة, أو يسمح لنا مناخ مناسب. إن الإضافة الحقيقية تحتاج إلي حيرة حقيقية, لكن فرقا بين حيرة يسميها الطبيب النفسي, اسم مرض مثل القلق, وحيرة يواجهها المبدع المتحدي مع كل بداية جديدة لحل غامض, إن علينا أن نتعلم كيف نتحمل اهتزاز البديهيات ونحن نحاول إعادة صياغة الحياة.
هذه الحيرة المبدعة لا يحلها حوار أشبه بحوار الطبيب النفسي والمريض, إنها تحتاج للاستعداد لها بأدوات حديثة قادرة وزمن ممتد, ومحاولات مستمرة حتي تتخلق منها فروض ممكنة, قابلة للاختيار.
السؤال الآن هو هل عندنا ما نضيفه من موقعنا؟ سوف أطرح في نهاية المقال مثالين محددين. المثال الأول: شاعت ثنائية الأنا ـ مقابل ـ الآخر, باعتبار أنها الطبيعة البشرية التي تسمح للفرد أن يتعايش مع أفراد نوعه مستقلا مختلفا, استوردنا هذه الثنائية منهم بزعم أنها تحافظ علي المسافة, وتؤمن الاختلاف, وتسمح بحرية الفرد التي تنتهي عند بداية حرية الآخر, هذه العلاقة الجميلة حملت فشلا داخليا لعله المسئول عن بعض تفكك الأسر, أو عن العلاقات المهذبة الباردة, ثم عن بعض الاغتراب.
هل عندنا بديل؟ ربما. عندنا علاقة أخري تقول: أنا ـ مع ـ الآخر: إليه, وليس أنا مقابل الآخر, وحرف مع هنا يؤكد المعية الجدلية, وليس بمجرد العطف. العامل الذي يضمنا إلي بعضنا البعض هو وحدة ما نتوجه إليه, وليس فرط حرصنا علي المسافة فيما بيننا, إنه الحق تعالي نجتمع عليه, ونفترق عليه, لنتفجر إليه.
هو الكدح إليه كدحا لنلاقيه المثال الثاني: إن مجرد تكرارنا لمسألة حقوق الإنسان كما نستوردها منهم دون النظر في مستويات أخري, يجعلنا نمارس هذه القضية الرائعة ممارسة خوجاتية دون النظر في بعض ما عندنا, خذ مثلا: حق الدعاء وحق الاستجابة, نحن لا نستطيع أن نصدر هذين الحقين بشكلهما القديم وإلا حسبوها ميتافيزيقيا مغتربة, هل نستطيع أن نعمق مفهومها بلغة حديثة من واقع تجارب صوفية ونماذج حياتية, ليست بالضرورة انعزالية أو فردية؟ هذا أمر وارد خصوصا ونحن نتذكر أنه لم يعد هناك ما يسمي ميتافيزيقا, ولكن ثمة فيزيقا قديمة, وفيزيقا كموية, وفيزيقا فائقة, وفيزيقا واعدة, وفيزيقا متفلسفة.. إلخ.
هذا ثراء لا ينتهي, وهو موجود في تراثنا بأسماء أخري, إلي متي نهمله, لنستورد ما هو دونه, مما تجاوزه هم؟.
|
|
|
|
|
|