قضايا و اراء

42238‏السنة 126-العدد2002يوليو29‏19 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

هذة الحيرة المبدعة
بقلم: أ‏.‏ د‏.‏ يحيي الرخاوي

ونحن نحتفل بهذا اليوبيل الذهبي لهذا الحدث الفارق في تاريخنا الحديث‏,‏ من حقنا أن نختلف أو نتفق‏,‏ نمدح أو نقدح‏,‏ نلوم أو نشكر‏,‏ لكننا في نهاية النهاية لابد أن نجد أنفسنا في بؤرة اللحظة الراهنة‏.‏
وفاؤنا لإيجابيات هذا الحدث الفريد هو أن نضاعف عملنا ونحن نوالي تركيزنا علي الهنا والآن وفي نفس الوقت نرصد ونخطط للمستقبل‏,‏ الذي هو ليس إلا ناتج ما نصنعه الآن‏.‏

أحاول في معظم ما أكتب للقارئ العام أن أتجنب إدخال أية مصطلحات‏,‏ أو تفسيرات أو فتاوي نفسية مباشرة‏,‏ أفعل ذلك خشية أن يتوهم الناس أن اجتهاد من هو مثلي هو فتوي علمية ملزمة طالما صدرت من مختص بصفته هذه‏,‏ لكنني أعجب وأتعجب ـ وأحيانا أغضب ـ حين يستعمل غيري مصطلحات تخصصي بسهولة‏,‏ وتعميم‏,‏ وأنا لا أجرؤ أن أفعل‏.‏
كنت قد انتهيت لتوي من قراءة كتابها المتميز‏(‏ باستثناء الجزء الأخير‏)‏ مائة وثمانون يوما في بلاد اليانكي حين طالعني مقالها في أهرام الأربعاء‏24‏ يوليو الجاري عن الطريق الصعب والحوار مع الآخر‏.‏

فإذا بها د‏.‏ وفاء إبراهيم‏,‏ تنهي مقالها بتوصية تستلهمها من مفكر نمساوي يهودي معاصر‏,‏ هو مارتن بوير‏,‏ وهو يوصي بحوار إيجابي‏,‏ استلهمه من حوار الطبيب النفسي مع مريضه‏.‏ وبعد تحفظها علي نيات المؤلف دعتنا قائلة‏:‏ فهل نأمل من أطبائنا النفسانيين أن يقدموا رؤية أولية قد تشاركهم فيما بعد تخصصات أخري‏..‏ إلخ‏.‏
إنها ليست مهمة الطبيب النفسي‏,‏ وإنما هي فرض كفاية علي من عنده ما يضيفه أو ينبه إليه‏,‏ لنتميز‏.‏

تذكرت كيف استغرقنا مؤخرا في الحديث عن قبول الآخر‏,‏ والحوار مع الآخر‏,‏ علي مستوي الحضارات والأديان جميعا‏.‏ كما تذكرت ـ باحترام شديد ـ البابا شنودة وهو ينبه إلي أن الحوار هو بين المتدينين وليس الأديان‏,‏ بمعني أن كل متدين يتوجه من موقعه الثابت الذي يملأ وعيه‏,‏ ويتمسك به لكنه توجه ضام ليلتقي مع متدين آخر يبدأ من موقع آخر‏,‏ وهم معا في طريقهم إلي وجه الحق تعالي‏,‏ آملين أن يلتقوا في بؤرة مشتركة لصالح الناس‏,‏ وتعمير الأرض بالإبداع‏,‏ فهو التوجه الضام‏,‏ الذي هو فعل تختلف تفاصيله‏,‏ لكن تتوحد غاياته‏,‏ علي خلاف حوار المواجهة الذي يفترض تنازلات‏,‏ وتسويات‏,‏ وترضيات تصلح لجزئيات الاختلاف‏,‏ ولا تنفع كثيرا في كليات المسارات المتنوعة‏.‏
بعد أن تبين قصر العمر الافتراضي للحول الجاهزة المستوردة‏,‏ خاصة وقد اهتزت قدسيتها‏,‏ وتعرت وعودها‏,‏ لم يعد أمامنا حل إلا مواجهة التحدي طول الوقت‏.‏ هذا هو ما يمكن أن يخلق منا ما هو نحن من واقع استلهامنا تاريخنا‏,‏ ثم تحديثه بإعادة إيداعه‏.‏

إن المسئولية فردية‏,‏ بقدر ما هي جماعية‏,‏ فالله سيحاسبنا علي وقتنا‏,‏ وعلي حسن استعمال عقولنا‏,‏ وعلي تنمية إبداعنا‏,‏ سيحاسبنا فردا فردا‏,‏ حتي ولو لم تساعدنا سلطة مسئولة‏,‏ أو يسمح لنا مناخ مناسب‏.‏
إن الإضافة الحقيقية تحتاج إلي حيرة حقيقية‏,‏ لكن فرقا بين حيرة يسميها الطبيب النفسي‏,‏ اسم مرض مثل القلق‏,‏ وحيرة يواجهها المبدع المتحدي مع كل بداية جديدة لحل غامض‏,‏ إن علينا أن نتعلم كيف نتحمل اهتزاز البديهيات ونحن نحاول إعادة صياغة الحياة‏.‏

هذه الحيرة المبدعة لا يحلها حوار أشبه بحوار الطبيب النفسي والمريض‏,‏ إنها تحتاج للاستعداد لها بأدوات حديثة قادرة وزمن ممتد‏,‏ ومحاولات مستمرة حتي تتخلق منها فروض ممكنة‏,‏ قابلة للاختيار‏.‏

السؤال الآن هو هل عندنا ما نضيفه من موقعنا؟ سوف أطرح في نهاية المقال مثالين محددين‏.‏
المثال الأول‏:‏ شاعت ثنائية الأنا ـ مقابل ـ الآخر‏,‏ باعتبار أنها الطبيعة البشرية التي تسمح للفرد أن يتعايش مع أفراد نوعه مستقلا مختلفا‏,‏ استوردنا هذه الثنائية منهم بزعم أنها تحافظ علي المسافة‏,‏ وتؤمن الاختلاف‏,‏ وتسمح بحرية الفرد التي تنتهي عند بداية حرية الآخر‏,‏ هذه العلاقة الجميلة حملت فشلا داخليا لعله المسئول عن بعض تفكك الأسر‏,‏ أو عن العلاقات المهذبة الباردة‏,‏ ثم عن بعض الاغتراب‏.‏

هل عندنا بديل؟ ربما‏.‏
عندنا علاقة أخري تقول‏:‏ أنا ـ مع ـ الآخر‏:‏ إليه‏,‏ وليس أنا مقابل الآخر‏,‏ وحرف مع هنا يؤكد المعية الجدلية‏,‏ وليس بمجرد العطف‏.‏ العامل الذي يضمنا إلي بعضنا البعض هو وحدة ما نتوجه إليه‏,‏ وليس فرط حرصنا علي المسافة فيما بيننا‏,‏ إنه الحق تعالي نجتمع عليه‏,‏ ونفترق عليه‏,‏ لنتفجر إليه‏.‏

هو الكدح إليه كدحا لنلاقيه
المثال الثاني‏:‏ إن مجرد تكرارنا لمسألة حقوق الإنسان كما نستوردها منهم دون النظر في مستويات أخري‏,‏ يجعلنا نمارس هذه القضية الرائعة ممارسة خوجاتية دون النظر في بعض ما عندنا‏,‏ خذ مثلا‏:‏ حق الدعاء وحق الاستجابة‏,‏ نحن لا نستطيع أن نصدر هذين الحقين بشكلهما القديم وإلا حسبوها ميتافيزيقيا مغتربة‏,‏ هل نستطيع أن نعمق مفهومها بلغة حديثة من واقع تجارب صوفية ونماذج حياتية‏,‏ ليست بالضرورة انعزالية أو فردية؟ هذا أمر وارد خصوصا ونحن نتذكر أنه لم يعد هناك ما يسمي ميتافيزيقا‏,‏ ولكن ثمة فيزيقا قديمة‏,‏ وفيزيقا كموية‏,‏ وفيزيقا فائقة‏,‏ وفيزيقا واعدة‏,‏ وفيزيقا متفلسفة‏..‏ إلخ‏.‏

هذا ثراء لا ينتهي‏,‏ وهو موجود في تراثنا بأسماء أخري‏,‏ إلي متي نهمله‏,‏ لنستورد ما هو دونه‏,‏ مما تجاوزه هم؟‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية