ملفات الأهرام

42238‏السنة 126-العدد2002يوليو29‏19 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

خمسون عاما علي الثورة‏:‏ الدولة والمجتمع‏(3)‏
بقلم : د‏.‏ عبد المنعم سعيد

مثلت ثورة‏23‏ يوليو‏1952‏ عودة الدولة المصرية واكتمالها بعد غياب طال أكثر من ألفي عام من الهوان وكانت بهذا المعني تشكل وصول العملية التي بدأت مع محمد علي الكبير من ناحية إلي قمتها ومن ناحية أخري كانت قد أصبحت لحما ودما في يد مصرية‏.‏ ولكن بغض النظر عن الأصول فإن الموضوع كان واحدا وهو أولا تحقيق استقلال القرار المصري كاملا وحمايته من التدخلات الخارجية وثانيا تعبئة المجتمع وحشد موارده من أجل الحفاظ علي الدولة‏,‏ وبشكل ما كانت هذه هي المهمة الأساسية التي ولدتها فترة الضياع الطويل للكيان السياسي المصري المستقل والتي تواضعت أمامه كل المهام الأخري‏,‏ وفي سبيل ذلك كان لا بد من وجود جيش قوي بعد استعادة المصريين الحق في حمل السلاح الذي حرموا منه طويلا وكان من الضروري الحفاظ علي وحدة المصريين مهما كانت التكلفة فلم ينس أحد أن التفكك كان هو السبب الرئيسي في ضياع الدولة واستعباد أهلها‏.‏
وعلي مدي قرنين تعرضت التجربة لاختبارات قاسية جاء أولها مع تحالف القوي العظمي لوقف مشروع محمد علي الكبير ليس فقط لعودة الدولة وإنما أيضا لعودة الإمبراطورية‏.‏ ثم جاء ثانيها مع الاحتلال البريطاني الذي استمر لسبعة عقود كاملة وتلاها ثالثا الغزوات الإسرائيلية التي أسفرت عن احتلال سيناء مرتين في عامي‏1956‏ و‏1967‏ وفي المرة الأخيرة طال مكوث الإسرائيليين خمسة عشر عاما حتي تم الجلاء الكامل في‏25‏ أبريل‏1982.‏ وربما كان العقدان الأخيران فقط ـ أي في عهد الرئيس مبارك‏-‏ هما أول عشرين عاما تعيشها مصر في تاريخها الحديث دون غزو أو احتلال أو مواجهة خارجية كبري تخص الديار المصرية مباشرة‏.‏

وهكذا عادت الدولة المصرية وعندما تحتفل بمرور خمسين عاما علي الثورة فإنها في الحقيقة تحتفل بلحظة الاكتمال الكبري لدولة منيعة قادرة علي فحص تاريخها والتعامل معه وتقييمه‏.‏ وربما لم تكن هناك مصادفة أنه في هذه المناسبة تحديدا صالحت الثورة نفسها بأكثر مما فعلت في أي وقت مضي ولم تكن القضية هي عودة الاعتراف باللواء محمد نجيب ودوره في الثورة أو نفي الخصومة ما بين عصر عبد الناصر وعصر السادات بل كانت الشجاعة في تقييم سلبياتها وعثراتها‏.‏ ولعل ذلك يدعو إلي مصالحة مع تاريخ مصر الحديث كله بكل ما فيه من تقدم وتراجع ومن انتصارات وهزائم فالثورة لم تأت من فراغ بل جاءت من تراكم جهود الحركة الوطنية‏.‏ ولولا معاهدة‏1936‏ لاستحال تكوين الضباط الأحرار من الناحية العملية ولولا التراث الضخم من الأفكار حول الإصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس ومجانية التعليم لما تشكل البرنامج الذي كان علي الثورة تطبيقه‏.‏
هذه النظرة لثورة يوليو باعتبارها تتويجا لعملية استمرت لقرنين تقريبا هو الذي يسمح لنا بالنظرة الفاحصة للماضي في كلياته دون اجتزاء لحقيقة هنا أو هناك أو لفترة بعينها أو لزعيم بعينه‏.‏ فالقضية هي أن نعرف الاختلالات الكبري في تكوين الدولة المصرية حتي يمكن أن نضع مهام المستقبل بوضوح كامل‏.‏ فلهذا تحديدا كانت الاحتفالات بالعيد الخمسيني للثورة فمن المفيد والجميل أيضا أن تكون المناسبة لتحية الأجيال التي ضحت من أجل مصر وأن تكون لتعريف الأجيال الجديدة بالتاريخ المصري‏.‏ ولكن الأهم من ذلك كله أن تكون المناسبة هي الطريق إلي المستقبل ومن المؤكد أن هناك دروسا كثيرة يمكن استخلاصها من مسار تكوين الدولة المصرية ولكن أهمها علي الإطلاق هو تأخرها في تمكين المجتمع أي إعطائه القدرات التي تمكنه من الفعل وتحقيق التراكم في قوة وقدرات الدولة‏.‏

ومن المتصور أن الموضوع يحتاج بعضا من التفصيل وربما تفلح المقاربة في الشرح فكثيرا ما قيل أن التجربة اليابانية حدثت في وقت مواكب لتجربة النهضة وبناء الدولة المصرية وكثيرا أيضا ما ينظر الناس في حيرة وكأنهم يقولون أين نحن الآن وأين استقر الحال ببلاد الشمس المشرقة‏,‏ والحقيقة أن نقطة البداية المصرية كانت في عام‏1805‏ وكانت مصر قد عرفت قبلها المطبعة مع الحملة الفرنسية علي مصر وكان ذلك ثورة علمية بكل المقاييس‏.‏ هذه الثورة عندما وصلت إلي بلدان أخري كان معناها اختفاء الأمية اختفاء تاما وعندما عرف اليابانيون الطباعة علي نطاق واسع في إطار ثورة الميجي الإصلاحية عام‏1868‏ ـ أي بعد ستة عقود تقريبا من نقطة البداية المصرية ـ كان نتيجتها بعد أقل من أربعة عقود وفي عام‏1906‏ تحديدا انتهاء الأمية تماما من اليابان‏.‏ وكانت النخبة اليابانية قد صممت علي بلوغ هذا الهدف خلال فترة قصيرة حتي تستطيع مواجهة القوي الخارجية المتفوقة علميا والأهم تفعيل الدولة من خلال تعليم يقوم ليس فقط علي تحصيل المعرفة وإنما أيضا تكوين المواطن العارف بالواجب العام‏.‏
وإذا نظرنا إلي تجربة أخري في كوبا نجد أنه بعد أربعة عقود فقط من الثورة تعرضت فيها الدولة للحصار والحرب الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية انتهت الأمية تماما وبلغت نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية‏10%.‏ وبالمقارنة فإنه بعد مرور أكثر من قرن علي وصول المطبعة إلي مصر فإن الأمية ظلت باقية علي نطاق واسع وحتي بعد مرور قرن آخر وخمسين عاما علي ثورة يوليو والوصول إلي القرن الحادي والعشرين ـ أي أكثر من قرنين علي وصول المطبعة ـ فإن أكثر من ثلث المصريين ـ حسب الأرقام الرسمية ـ لا يزال لا يعرف القراءة والكتابة وقواعد الحساب الأساسية‏,‏ والحقيقة أن الجهد الذي بذل خلال التسعينيات وفي عهد الدكتور حسين كامل بهاء الدين كان أول جهد منظم ـ مهما كانت المؤاخذات عليه ـ يبذل من أجل تقليص الأمية في مصر‏,‏ ورغم كل العواطف الملتهبة عن أهمية العلم للبلاد وصيحات الدكتور طه حسين عن التعليم الذي ينبغي أن يكون مثل الماء والهواء والإعلان عن مجانية التعليم من الحضانة حتي الجامعة في مطلع الستينيات فقد ظلت نسبة الأمية عالية وحتي الثمانينيات من القرن الماضي كانت المدارس المصرية عاجزة عن استقبال‏30%‏ ممن وصلوا إلي سن التعليم‏.‏ ولأول مرة مع نهاية التسعينيات بات ممكنا استيعاب‏96%‏ وهي حقيقة سوف ترتب نتائج بالغة الأهمية خلال المستقبل القريب والبعيد علي السواء‏.‏

وإذا كان التعليم هو الخطوة الأولي في تمكين أي مجتمع وحشد طاقاته بطريقة علمية وليس عاطفية أو شعبوية فقد قاد ذلك إلي الاختلال الثاني في مسيرة بناء الدولة المصرية حيث باتت العلاقة بين الدولة والمجتمع أشبه بعلاقات السيطرة من جانب والسعي للهروب من هذه السيطرة من جانب آخر‏,‏ وكان الخوف علي الدولة وتمزقها والنفاذ إليها من قبل قوي خارجية في بعض الأحيان مبررا وكان الخوف علي السلطان في أحيان أخري مفهوما ولكن ما لم يكن مبررا ولا مفهوما أن يستمر ذلك بعد الثورة وعودة الدولة إلي أبنائها وبشكل ما ظل المجتمع الأهلي موضع شك أظهرته قوانين الدولة المتتابعة للجمعيات الأهلية منذ عام‏1964‏ وحتي‏2002.‏ وكان واضحا دائما خوف الدولة من ظهور قوي مجتمعية مستقلة مهما كانت فائدتها وعندما بات ذلك حتميا بعد التحول إلي اقتصاد السوق والتعددية السياسية والتطورات الدولية نحو العولمة تعقد الموضوع كله بأكثر مما كان منذ سنوات‏.‏
ولكن قضية التعقيد هذه ليست موضوعنا في هذا المقام وربما يأتي زمن آخر يمكن التعامل فيه مع الموضوع بطريقة أكثر شمولا ولكن ما يهمنا هنا أن المجتمع المصري ظل بعيدا عن عملية بناء الدولة المصرية بمعني المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية المتعلقة بهياكلها الرئيسية وليس العمل في الحقول والمصانع‏.‏ وكان ذلك لأن أسرة محمد علي اعتقدت أنها وحدها هي التي تبني مصر ومرة أخري لأن طبقة أفندية ثورة‏1919‏ توهمت أنها هي التي سوف تقوم بالمهمة ومرة ثالثة لأن الضباط الأحرار وتابعيهم في المنظمات السياسية المختلفة للثورة من أول هيئة التحرير وحتي الحزب الوطني الديمقراطي ظنوا أنهم هم الدولة المصرية ذاتها‏.‏ وربما كان ذلك راجعا في بعض منه إلي غلبة التحديات الخارجية واستحواذ الحفاظ علي الدولة التي ضاعت لألفين من السنين علي القدر الأكبر من أجندة الزعماء والقادة‏,‏ ولكن بعد خمسين عاما من الثورة المصرية فقد آن لكل ذلك أن يتغير ويصبح تفعيل المجتمع وتمكينه هو المهمة الأولي للوطن والدولة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية