في جدل الخطاب الثقافي العالمي والعربي, وفي قلب حوارات الحياة اليومية, يتنامي الحديث عن دور وسائل الاتصالات الحديثة, كأحد أوجه ثورة المعلومات في صياغة العالم المعاصر, وهو الحديث الذي بات يتمتع بحضور شبه أسطوري يطرح نفسه في مفهوم الثورة ويمتد الخطاب الثقافي, بموازاة الحوار اليومي أحيانا الي فضاء البحث عن طبيعة النظام الاقتصادي االاجتماعي البازغ, الذي تؤسس له ثورة المعلومات كركيزة لنمط انتاج المعرفة الآخذ في النمو, لدرجة تؤشر بقرب هيمنته علي نمط انتاج الصناعة الذي يصير كلاسيكيا, ونمط انتاج الزراعة الذي صار بالفعل تاريخيا, بينما ينشغل الخطاب الثقافي وحده هذه المرة بتأمل التأثيرات المحتملة لنمط الانتاج الجديد في طبيعة النشاط الفكري الراهن, وبالأخص في جوهر الثقافة السياسية. ذلك أن اقتصاد الزراعة مثلا كان قد قام علي حامل المجتمع النهري, الذي يخضع كل فاعلياته لتنظيم الانتاج الزراعي وما يوجده من أنشطة, ويستلزمه من متطلبات التجانس والتكتل والاستقرار, والتي سمحت برسوخ علاقات وتكوينات اجتماعية أدت لقيام نظام اقتصادي اجتماعي, مهد بدوره لنشوء الدولة بعد مرحلة طويلة في التاريخ البشري, ظل فيها نمطا انتاج الصيد والرعي عاجزين عن إفراز هذا النظام, ومن ثم الدولة لما تتطلبه ممارساتهما من ديناميكية للكر والفر والترحال والهجرة, وما ترسخه طبيعتهما من حركة إنسانية سيالة تناقض الاستقرار, وروح فردية ترفض التعاضد والتلاصق, وتنفي الحاجة الي التنظيم, وخشونة في الطبع وحدة في المزاج, لا يتوافقان مع قيم التمدين, كما أن اقتصاد الصناعة نهض علي حامل الطبقة الاجتماعية التي صارت هي راعيته والملهمة لتجلياته, حيث أفرزتها تطوراته التي صعدت بالبرجوازية الي موضع الطبقة المتحكمة في نمط الانتاج الرأسمالي, ودعمتها تناقضاته التي جاءت بالبروليتاريا كطبقة معارضة, بعد أن كانت الطبقة الارستقراطية قد انحسرت بتضاؤل دورها الذي مارسته بإلهام الاقطاع وكتلته التاريخية, التي قامت علي جماع أفكار عرقية ومعتقدات دينية بأكثر مما نهضت علي فن انتاجي مميز لها.
وبغض النظر عن طبيعة العلاقة بين الطبقتين الحداثيتين: البرجوازية والبروليتارية, وما تحقق لها من توازن أو هيمنة في هذا السياق أو ذاك, وعن مدي حضور طبقات أخري فرعية بجانبهما, فإن الطبقة كمفهوم ونسق اجتماعي ووحدة تحليل معرفي, طلت هي الحامل التاريخي لاقتصاد الصناعة ونمط الانتاج الرأسمالي, الذي أفرز دولته القومية الحديثة في مرحلة صعوده, وما تطلبه هذا الصعود من قاعدة مجتمعية محددة وأسواق تجارية موحدة, وقواعد تنظيم راسخة تفرضها سلطة عليا آمرة, ثم أفرز بعد ذلك أهم الظواهر المصاحبة لهذه الدولة في مرحلة نضوجه وهيمنته وهي ظاهرة الاستعمار التي مارستها تلك الدول/الأمم الأوروبية, عندما راكمت الثروة وباتت في حاجة ملحة لتوسيع الأسواق وتسريع دورات الانتاج فوضعت جزءا من استثماراتها في إمرة قدراتها العسكرية لاخضاع مجتمعات عديدة في الشرق والجنوب لهيمنتها, ولتكون حلقة في دائرة نشاطها الاقتصادي الأوسع في القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي هذا السياق التاريخي الطويل نسبيا, فرض النمط الانتاجي نظامه الاقتصادي الاجتماعي السياسي, بقدر ما ألهم تجلياته الفكرية, فمع نمط الانتاج الزراعي ساد نشاط فكري تقليدي يقوم علي الدين غالبا كمتصل, وإن طفت عليه بعض بؤر نشاط عقلي من حكمة الشرق القديم أو إشراقات الفلسفة اليونانية, وذلك نظرا لما توحي به طبيعة أبنيته الاجتماعية وعلاقاته الإنسانية ومؤسساته السياسية من رؤية وجودية كونية استاتيكية, وإن كانت شفافة تري الذات الفردية وتشعر بها كنقطة في سياق الوجود الأشمل, وكجزء من أجزائه تتماهي فيه ومعه ولا تنفصل عنه, بل تنعكس عليه في ظواهره وايقاعاته وحركات كواكبه ونجومه حسبما تتبلور الروح التقليدية غير الدينية, أو تشعر بالتمايز عنه دون تعال عليه, أو قدرة علي إعادة صياغته بل فقط حسن ادارته في إطار نموذج الاستخلاف الذي تبلوره الرؤية الدينية للعالم.
وعلي العكس, فإن نمط الانتاج الصناعي صاحبه, أي مهد له وعايشه وألهمه, نشاط فكري يقوم في جوهره علي العقل غالبا كمتصل, ويؤسس لرؤية حداثية تري الذات الفردية في مركز الوجود وتشعر أنها مهيمنة علي أشكاله من حولها وتحس فيها القدرة علي إعادة صياغته اجتماعيا وسياسيا, بعد أن زادت معارفها وقدراتها علي التحكم النسبي مادته الطبيعية عبر اكتشاف متزايد لقوانينها, وحركة حثيثة وناجحة لفهم منطقها. واذا كانت هذه هي صورة التحول في النشاط الفكري بين نمطي انتاج الزراعة والصناعة, فما عساها تكون بين نمطي انتاج الصناعة والمعرفة؟ وهنا فإن حركة ما بعد الحداثة التي شكلت جوهر النشاط الفكري لمرحلة الانتقال بينهما في الثلث الأخير من القرن العشرين, قد تعطينا مؤشرا عليها, ذلك أن ما بعد الحداثة والتي ادعت كونها رد فعل علي تناقضات الحداثة تتحول عند الجوهر, وبتشككها في العقلانية الصارمة ونفيها لمركزية الذات الحديثة, ولإلغائها المسافة بين الذات والموضوع, والتعويل علي ما يسمي بفلسفة الحياة اليومية بديلا للأنساق الفكرية الشاملة كلها, وليس فقط المغلقة أو المتمركزة, وأيضا لدور التاريخ كمحتوي وإفراز لمعطيات هذه الحقيقة, وكدليل علي فكرة التقدم, وبنزوعها الي إحياء الثقافة الشعبية وما تحتويه من تعبيرات وممارسات تقليدية أسطورية حينا ودينية أحيانا, وتراثية في كل الأحيان تتحول بهذه المعاني جميعا الي ردة موضوعية وتاريخية عن ثقافة الحداثة العالمة الي موقع أقرب الي النشاط الفكري التقليدي, وأبعد عن النشاط الفكري الحديث القائم علي العقل وهو تحول يفترض له أن يزداد رسوخا مع نضوج اقتصاد المعرفة كنمط انتاج استقطابي يؤدي الي توسيع الفجوة الاجتماعية الاقتصادية بين الطبقات داخل المجتمع الواحد, وبين المجتمعات وبعضها البعض شمالا وجنوبا, نظرا لما تتطلبه أبنيته وأدواته من مهارات خاصة ومعارف راقيةتبدو صعبة المنال علي تلك المجتمعات/الطبقات, التي لم تلج الفضاء الصناعي نفسه, الذي لعبت فيه التمواد الخام والعمالة العادية أو المتوسطة وموارد الطاقة دورا مركزيا, وهذه جميعها أو معظمها كانت متاحة لمجتمعات الجنوب وفشلت في استغلالها لتخلف معارفها التكنولوجية, ومن ثم فإن تقلص أهمية هذه الموارد الآن أمام تصاعد دور المعرفة التكنولوجية لابد وأن يعظم من تصوراتها ويزيد من الفجوة بين الأفقر والأغني والأقوي والأضعف علي صعيد الطبقات والمجتمعات.
وبتزايد هذه الفجوة علي نحو حاسم, سوف تتعمق درجة الغبن التي تعاني منها مجتمعات الجنوب في التجارة الدولية لتدني قيمة انتاجها, ومن ثم قيمة عملاتها واختلال موازينها التجارية, مع ارتفاع نسبة البطالة ومن ثم معدلات التهميش الاجتماعي بين سكانها, ونتيجة ذلك تصاعد حركات الرفض والاحتجاج وضمنها بروز الأفكار الراديكالية, حيث النزعات اليمينية العنصرية من ناحية, والأصوليات الدينية من ناحية أخري, وكلتاهما أخطر ما يواجه الأبنية السياسية والاجتماعية والثقافية في العالم, وعلي النحو الذي يشهده بعد11 سبتمبر, ويرجع في جزء من دوافعه, ولعلها الأعمق الي سياسات العولمة الجارية منذ تسعينيات القرن الماضي. وثمة أمر آخر يفاقم هذا التطور, وهو نمط معالجة المجتمعات الفقيرة نفسها لأزمة تخلفها, التي قد تأخذ مثلا استراتيجية غير حصيفة ينادي بها البعض الآن في مصر, وتدعو الي التركيز علي الاستثمار في قطاع المعلومات والصناعات المتقدمة, علي نحو لا يراكم هذه الثروة الناجمة عنه لدي فئة محدودة من المصريين, من نخبة المتعلمين ولكنه سوف يحرم باقي قطاعات الانتاج التي تستوعب نسبة معتبرة من هذه الاستثمارات بما يزيد من تخلفها, خاصة مع تسامح هذه الدعوات أو عدم اكتراثها بهذه النتائج السلبية بدعوي ضغط الوقت والحاجة الي الانطلاق السريع, ولو من أعلي دونما انتظار لتنمية المجتمع كله صناعيا, وهو ما قد يؤدي الي تنامي عملية تشطير المجتمع والثقافة في مصر نتيجة لتزايد الاستقطاب الطبقي, والتطرف الفكري. ومن هنا, فإن الطريق الي تجنب هذا المصير يتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم التنمية البشرية, دونما إهدار لمفهوم النمو الاقتصادي المتسارع, حيث يمكن الاستثمار في قطاع المعلومات ونمط انتاج المعرفة الأكثر تطورا من ناحية, ومنهج التنمية الأفقية الذي يجعل قاعدته هي المجتمع كله أو كتلته الأساسية المندمجة في حركة التعليم العصري علي الأقل, والذي يركز علي الاستثمار في القطاعات الصناعية الحديثة: الكيماوية, ووالهندسية, والكهربائية, وبالأخص صناعة السيارات.
هذا المنهج التكاملي في التنمية يقود الي اندماج كتلة العمل المصرية الحديثة في الفضاء الصناعي وتنظيماته الاجتماعية, وقيمه الثقافية الأكثر حداثة, وهو ما يعيد بناء الطبقة الوسطي المصرية علي مرتكزات اقتصاد السوق والقطاع الخاص وقيمها الانفتاحية, التي قتلت جميعها منذ أواسط السبعينات وبالتدريج حركة ارتجاعية ضد هذه الطبقة, التي كان قد تم بناؤها في عقدي الخمسينات والستينات علي مرتكزات الاقتصاد المخطط والقطاع العام, وربما يسهم في نجاح هذا المنهج التكاملي حقيقتين مهمتين: الأولي: هي أن السوق المصرية وامتداداتها المنطقية في العالم العربي وإفريقيا, لاتزال تحتاج الي كثير من المنتجات الصناعية الكلاسيكية بحسبانها سوقا أقل تقدما في مستويات المعيشة وأنماط الاستهلاك, التي لاتزال تحتاج لاشباعها هذا المستوي التكنولوجي, حيث الطلب عليه لايزال موجودا. والثانية: هي أن الاستثمار الرأسي في الثورة المعلوماتية يحتاج بطبيعته الي التركيز, فيما يشبه المدن التكنولوجية, وعلي نخبة المتعلمين, وعلي مجالات محددة يمكن النجاح فيها, وأسواق محددة يمكن النفاذ إليها وجميعها محددات تجعل من مثل هذا الاستثمار آلية لمراكمة الثروة وتحقيق التفوق علي المستوي الوطني, لكنها لا تجعل منه ـ خاصة في المجتمعات الأقل تقدما ـ قاطرة تشد المجتمع كله خلفها, حيث تبقي قطاعات واسعة منه غير قادرة علي الاندماج فيه, والأرجح أنها لو تم حرمانها من الاستثمار الأفقي, فإنها سوف تبقي في موقع المتفرج عرضة لعمليات تهميش اجتماعي, وضد عمليات بناء الطبقة الوسطي وتعميق الحداثة المصرية.
موضوعات أخرى |