|
نصف الطريق الأصعب |
قطع السودانيون باتفاق نيروبي نصف الطريق السهل نحو إنهاء الحرب الدائرة في الجنوب بين الجيش والحركة الشعبية لتحرير السودان. ومازال عليهم الوصول إلي نهايته فوق النصف المملوء بالأشواك والألغام التي تهدد بنسف ما تحقق إذا لم يلتزم الطرفان الحكمة والحرص والنية الخالصة لتحقيق السلام.
الاتفاق تم علي مسألتين أساسيتين من قضايا عديدة كانت تمنع الوصول إلي اتفاق, هما علاقة الدين بالدولة وحق تقرير المصير للجنوب, فقد وافقت الحكومة علي مطلب الحركة وضع دستور علماني للجنوب الذي تسكنه أغلبية مسيحية ووثنية, ودستور إسلامي للشمال ذي الأغلبية المسلمة وعلي أن يظلهما دستور اتحادي, ويبدو أن الحكومة كانت تستخدم هذه المسألة كورقة مساومة لانتزاع مكسب مقابلها من الحركة, حيث لا ينص الدستور الحالي علي فرض الشريعة الإسلامية علي الجنوبيين ولا علي أنها المصدر الرئيسي للتشريع أو حتي ضرورة أن يكون رئيس الجمهورية مسلما.
كما وافقت الحكومة علي حق تقرير المصير الذي يتيح لسكان الجنوب الاختيار بين البقاء أو الانفصال, ولكن بعد ست سنوات بدلا من ثلاث في اتفاق سابق مع شخصيات جنوبية منشقة علي الحركة في محاولة لافساح الوقت لتنفيذ أكبر قدر من مطالبهم بتحسين مستوي المعيشة وإعادة بناء ما دمرته الحرب وإعادة توطين ملايين المشردين عسي أن يستعيدوا ثقتهم في الحكومة ويفضلوا عدم الانفصال. وقد كان صعبا علي الحكومة وهي تحاول بناء الثقة أن تتراجع عن موافقتها السابقة علي حق تقرير المصير الذي أقره أيضا التجمع المعارض الذي يضم معظم الاحزاب والقوي السياسية.
أما القضايا الأصعب التي تنتظر الجولة الثانية من المفاوضات الشهر المقبل فهي وقف إطلاق النار وتوزيع السلطة والثروة وشكل الحكم خلال الفترة الانتقالية. فالحركة ترفض وقف القتال قبل اتفاق سياسي شامل. كما ترفض هي والحكومة اقتسام الثروة البترولية المتمركزة في الجنوب كل لأسبابه الخاصة. ولم يعرف بعد شكل الحكم في الفترة الانتقالية ولا السلطات التي ستتمتع بها الحركة في إدارة الولايات الجنوبية خلالها وهل تم الاتفاق علي نطاق الجنوب أم أن الحركة مازالت تطالب بضم مناطق أخري إليه لم تكن واردة في اتفاق الاستقلال وهو ما رفضته الحكومة.
وحتي لو تم التوصل إلي اتفاق نهائي وتم تنفيذه بنية خالصة, فإن غياب التجمع المعارض وتجاهله في الاتفاق وهجوم بعض قادته عليه ووصفه بأنه جزئي لا يحل مشكلات السودان يلقي بظلال قاتمة علي مستقبل السلام في البلاد. فهناك فصائل مسلحة معارضة في الشرق والشمال الشرقي ستواصل عملها إذا لم يشملها الاتفاق أو اتفاق مماثل. وسبق أن فشلت اتفاقيات كثيرة من بينها اتفاقية أديس أبابا عام1972 بين الحكومة وحركة أنيانيا الجنوبية لأن القوي السياسية الشمالية والجنوبية لم تشارك كلها فيها. كما أن تنفيذ أي اتفاق يحتاج إلي ضامن قوي مؤثر مثل الولايات المتحدة يفرض إرادته علي الطرفين. |
|
|
|
|
|