أعمدة

42238‏السنة 126-العدد2002يوليو29‏19 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

مواقف
بقلم : أنيس منصور

عاش ومات كما أراد‏..‏ عبدالرحمن بدوي‏,‏ عاش غريبا بيننا في مصر‏,‏ والكويت‏,‏ وليبيا‏,‏ وسويسرا‏,‏ ووقع في شوارع فرنسا ليموت في القاهرة بالمعهد الذي يحمل اسم الرجل الذي أممه مرتين‏.‏

وإذا كان موسي عليه السلام قد وصف نفسه بأنه الغريب في الأرض الغريبة‏,‏ فكذلك أستاذنا الجليل عبدالرحمن بدوي‏.‏

ونحن إن كنا قد أنكرنا عليه عزلته‏,‏ فلأننا لا نستطيعها‏,‏ واستنكرنا حرصه الشديد علي المال‏,‏ ولم يكن المال هو الذي يهمه‏,‏ وإنما الذي يهمه هو‏,‏ كم يساوي جهده‏,‏ وعرقه عند الناس‏..‏ كم تكون قيمته عند الذين لا يعرفون أقدار الناس‏..‏ ثم كتب ما يعجبه‏,‏ وقرأ ما يمتعه‏,‏ ونشر ما علمنا‏,‏ فقد عرفنا منه وبه ما لم نكن نعرف من فلسفات قديمة وحديثة‏,‏ وفتح عيوننا

علينا ورؤوسنا لكل جديد‏,‏ وأضاء لنا وأضاء بنا‏..‏ وليس مسئولا عن الذي ذهبنا اليه‏,‏ ولا عما أخذنا وما أعطينا وما أحببنا وما كرهنا‏.‏

ولم نتعلم منه كيف يعيش الإنسان لفكره ؟ وكيف يكون تجسيدا لإرادته؟ وقد اختار عبدالرحمن بدوي نفسه لنفسه وبنفسه‏,‏ إنها إرادة من حديد تعلمها من أساتذته الفلاسفة الألمان العظام‏.‏

وأضعف ما قاله عبدالرحمن بدوي هو ما كتبه عن نفسه في‏(‏ هموم الشباب‏)‏ وديوان‏(‏ الحور والنور‏)‏ وسيرته الذاتية‏,‏ فهو اسوأ من يتحدث عن نفسه‏,‏ وأروع من يكتب عن الفلاسفة الآخرين وإنها تحف أدبية وفلسفية ما كتبه عن‏:‏ شوبنهور ونيتشه واشنجلبر‏.‏

أما فلسفته الوجودية فقد شربها وأكلها وهضمها عن أستاذه واستاذنا العظيم مارتن هيدجر‏,‏ وهكدا لم يتسع وقته ليجلس إلي نفسه ويتعمقها‏,‏ فكان غريبا حتي عن نفسه ايضا؟

وأكثر الناس لا يعرفون عبدالرحمن بدوي لا الأمس ولا اليوم ولا غذا‏,‏ فهو لم يتجه إلي الناس عموما‏,‏ وإنما إلي بعض الناس خصوصا‏,‏ فلا كان واعظا‏,‏ ولا منشدا ولا مرشدا ولامطربا ولا صدي‏,‏ لقد كان برقا خاطفا بلا رعد‏,‏ لقد عاش فيلسوفا ومات راهبا‏,‏ وسوف يبقي حبرا علي ورق‏,‏ وكلنا كذلك‏,‏ فالناس أعداء للفلسفة‏..‏ هذا إن فهموا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية