|
|
 |
عاش ومات كما أراد.. عبدالرحمن بدوي, عاش غريبا بيننا في مصر, والكويت, وليبيا, وسويسرا, ووقع في شوارع فرنسا ليموت في القاهرة بالمعهد الذي يحمل اسم الرجل الذي أممه مرتين.
وإذا كان موسي عليه السلام قد وصف نفسه بأنه الغريب في الأرض الغريبة, فكذلك أستاذنا الجليل عبدالرحمن بدوي.
ونحن إن كنا قد أنكرنا عليه عزلته, فلأننا لا نستطيعها, واستنكرنا حرصه الشديد علي المال, ولم يكن المال هو الذي يهمه, وإنما الذي يهمه هو, كم يساوي جهده, وعرقه عند الناس.. كم تكون قيمته عند الذين لا يعرفون أقدار الناس.. ثم كتب ما يعجبه, وقرأ ما يمتعه, ونشر ما علمنا, فقد عرفنا منه وبه ما لم نكن نعرف من فلسفات قديمة وحديثة, وفتح عيوننا
علينا ورؤوسنا لكل جديد, وأضاء لنا وأضاء بنا.. وليس مسئولا عن الذي ذهبنا اليه, ولا عما أخذنا وما أعطينا وما أحببنا وما كرهنا.
ولم نتعلم منه كيف يعيش الإنسان لفكره ؟ وكيف يكون تجسيدا لإرادته؟ وقد اختار عبدالرحمن بدوي نفسه لنفسه وبنفسه, إنها إرادة من حديد تعلمها من أساتذته الفلاسفة الألمان العظام.
وأضعف ما قاله عبدالرحمن بدوي هو ما كتبه عن نفسه في( هموم الشباب) وديوان( الحور والنور) وسيرته الذاتية, فهو اسوأ من يتحدث عن نفسه, وأروع من يكتب عن الفلاسفة الآخرين وإنها تحف أدبية وفلسفية ما كتبه عن: شوبنهور ونيتشه واشنجلبر.
أما فلسفته الوجودية فقد شربها وأكلها وهضمها عن أستاذه واستاذنا العظيم مارتن هيدجر, وهكدا لم يتسع وقته ليجلس إلي نفسه ويتعمقها, فكان غريبا حتي عن نفسه ايضا؟
وأكثر الناس لا يعرفون عبدالرحمن بدوي لا الأمس ولا اليوم ولا غذا, فهو لم يتجه إلي الناس عموما, وإنما إلي بعض الناس خصوصا, فلا كان واعظا, ولا منشدا ولا مرشدا ولامطربا ولا صدي, لقد كان برقا خاطفا بلا رعد, لقد عاش فيلسوفا ومات راهبا, وسوف يبقي حبرا علي ورق, وكلنا كذلك, فالناس أعداء للفلسفة.. هذا إن فهموا. |
|
|
|
|
|