|
رسالة موسكو: عبدالملك خليل |
 | | بوتين |
علي الرغم من المحاولات المستمرة والجهود المضنية لم يستطع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس حكومته ميخائيل كاسيانوف ان يتمكنا من فك الحصار المرتقب للمحافظة الروسية كالينينجراد, التي تعتبر الجيب الوحيد لروسيا المطل علي بحر البلطيق وقد كانت كالينينجراد تتبع ألمانيا بعد أن ورثتها عن بروسيا ولكن بعد هزيمة المانيا النازية أمام روسيا السوفيتية السابقة في الحرب العالمية الثانية ضمتها روسيا إليها كأحدي غنائم الحرب. ولم تسفر مشاركة الرئيس بوتين في مناقشات ثنائية وجماعية مع قادة دول وحكومات مجلس بحر البلطيق في سان بطرسبورج كما لم يفلح ـ في الظاهر ـ ترحيب روسيا بإقامة الولائم وترتيب الزيارات لضيوف روسيا لمشاهدة قصور قياصرة روسيا الغابرين, عن تقدم ملموس لفك الحصار عن كالينينجراد في ظل سطوة ونفوذ الاتحاد الأوروبي.
فقد رفضت بولندا وليتوانيا, وهما المنفذان الوحيدان المجاوران لمحافظة كالينينجراد, السماح لرعايا روسيا بالانتقال من والي كالينينجراد عبر اراضيهما دون الحصول علي فيزا رسمية أو تأشيرة حكومية ومن ثم دفع ثمنها بالنقود وربما بالعملات الصعبة كالدولار والمارك أو ما يعادلهما.. وصرح الكسندر كفاسنيفسكي, رئيس بولندا والاشتراكي السابق قائلا اننا نفكر في ايجاد حل لهذه المعضلة, ولكننا كأعضاء في الاتحاد الأوروبي ملتزمون بنصوص تعاليمه ومنطوق أحكامه وتنفيذ قرارته.
وقال الرئيس الليتواني السابق ورجل الدولة الحالي برازاوسكاس اقترحت ليتوانيا علي روسيا حلولا جيدة في الماضي وانتظرنا ان تنظر روسيا فيها وتبدي رأيها لكننا لم نحصل علي رد أو حتي جواب عنها, وها هي روسيا تعود لتطلب وبإلحاح بحث هذه المسألة من جديد وفي ظل ظروف مغايرة تماما للظروف السابقة.. ويظهر لي أن روسيا لم تتعلم وتتعظ من دروس الماضي.
{تشابه مرفوض} واللافت للنظر أن برازاوسكاس كان زعيما سابقا للحزب الشيوعي في ليتوانيا كما كان واحدا من أشد المتعاطفين مع روسيا في السابق ويظهر أن الروس اكتفوا بأن برازاسكاس رجلهم المضمون وأنه سوف لا يقدم علي تنفيذ المطالب المتشددة لغلاة اليمين أو أن الروس كانوا تحت تأثير العنجهية والصلف والتجبر السوفيتي السابق مما جعلهم لا يكلفون خاطرهم بالرد علي صديق قديم مع أن المثل الروسي الأصيل يقول صديق قديم خير من صديقين جديدين وفي اطار إصلاح ما سلف, جدد الرئيس بوتين مطلبا يقضي بجعل كالينينجراد مثل وضعية برلين الغربية سابقا في عهد جمهورية المانيا الشرقية سابقا, أي مدينة مفتوحة لمن يود الذهاب اليها لكن الغرب لم يوافق علي ذلك.
ويلاحظ أن بوتين يلجأ الي التمثل بالغرب الأوروبي في وضعية برلين الغربية السابقة بعد زوال تعنت وتشدد المانيا الديمقراطية السابقة. وكأن بوتين يحلم بالمانيا الشرقية قبل أن تتقوض السلطة فيها ويلغي وجودها وتنضم الي كيان المانيا الغربية لتشكيل المانيا الموحدة الحالية!!!
وحاول الرئيس بوتين اقناع أي وفد من وفود مجلس دول بحر البلطيق, الذي تأسس سنة1992 ويضم جمهوريات بحر البلطيق الثلاث ـ ليتوانيا ولاتفيا واستونيا وهي جمهوريات سوفيتية سابقة واصبحت دولا مستقلة علي اثر النزاع في داخل روسيا في صيف سنة1991 بالاضافة الي دول: المانيا والدانمارك والنرويج وبولندا وروسيا وفنلندا والسويد, بالموافقة علي اقتراحه.
{لا دولة صغيرة} ويقال إن بوتين خلال لقاءاته الثنائية حاول شرح الظروف الاستثنائية التي تمر بها روسيا في التحول من نظام مركزي متشدد الي نطاق انفتاحي ديمقراطي متحرر مما يقتضي دعم روسيا وعدم التشدد معها حول محافظة كالينينجراد الا انه لم يحصل علي موافقة احد منهم.. وهكذا بقي علي بوتين ان يدرك أن الأمور والأوضاع الأوروبية قد تغيرت بعد غياب الاتحاد السوفيتي.. ولم تعد هناك دولة وحيدة صغيرة في أوروبا قد تسعي لقبول الاغراء بالانضمام الي روسيا الكبيرة أو تشعر بالحاجة الي حمايتها لمواجهة الطامعين فيها!!!
بل لم تعد الساحة الأوروبية المعاصرة دولة فقد انضمت كل الدول الي هذا أو ذاك من التنظيمات المحلية أو المنظمات الأقليمية أو التجارية أو المالية أو الصناعية وبرز الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي والبرلمان الأوروبي وحلف الناتو وغيرها من المنظمات الدولية.. وتتميز التنظيمات الأوروبية المعاصرة والحديثة بأنها نظم قانونية محددة صارمة لا يحق لدولة أو هيئة رشوتها او التلاعب بها وبالتالي مراعاة خاطرها أو تنفيذ غرض ونزعة لحاكم انطلاقا من أمر في نفسه أو خاطر برق فجأة في ذهنه حول أمر من الأمور.
ويبدو أن الرئيس الروسي بوتين لايزال متمسكا بطرق قيصرية وملوكية قديمة كاستخدام الولائم الفاخرة والمآدب العامرة في تذليل عقبات الأمور الاقليمية واللجوء الي المرونة في العلاقات الثنائية لحل معضلات دولية لأن ذلك أصبح أسلوبا غير مجد.. لأن بوتين لايزال حديث العهد بالحكم فإنه يلجأ الي تقليد رئيسه السابق الروسي بوريس يلتسين وقد قبل الغرب يلتسين لأنه هدم الاتحاد السوفيتي. فقد أخذ هؤلاء الرؤساء علي عاتقهم التصرف باسم الشعب بدون معرفة واحيانا بلا مبالاة في مقدرات روسيا ومصائر أوضاعها السياسية والعسكرية والجغرافية.. ولذا وجد القادة الغربيون أنه لم يكن امام يلتسين نهج آخر يتبعه لهدم الماضي السوفيتي, لكنهم لا يستطيعون ان يكرروا الشيء نفسه مع بوتين بعد مرور عقد من الزمان علي انشاء الدولة الروسية الجديدة بعد اعلان14 جمهورية سوفيتية سابقة الانفصال أولا ثم الاستقلال ثانيا والتعاون المحدود ثالثا مع روسيا الجديدة.
{أوزار عالم متغير} يتجرع الرئيس بوتين في مرارة بعض الاوزار السابقة وربما يتذكر أن العالم قد تغير.. وهو بالفعل كذلك بكل المعايير!!! وأن روسيا عليها أن تدفع نتيجة وضعها الذاتي من مصير الخناق علي محافظة كالينينجراد أوروبيا مثلما تريد اليابان أن تحصل منها علي جزر الكوريل الأربع آسيويا وعلي المحيط الهادي.. كثمن آسيوي للتطبيع معها أيضا!!!
ولايزال اليابانيون ينتظرون استعادة هذه الجزر التي استولت عليها القوات السوفيتية في سنة1945.. ويربط اليابانيون علاقاتهم بروسيا الجديدة بما في ذلك توقيع معاهدة سلام وانهاء حالة الحرب وتطبيع العلاقات بحل هذه المعضلة بعد مرور57 سنة علي انتهاء الحرب التي أعلنها الاتحاد السوفيتي علي الأمبراطورية اليابانية في أغسطس سنة1945 بغية اقتسام نصيب سوفيتي من النصر الأمريكي علي اليابان ومن ضمنه ضم جزر الكوريل اليه بموافقة أمريكا آنذاك. ويقال إن رأيا عاما داخليا في كالينينجراد بدأ يشعر بالتباعد التدريجي عن روسيا ويخطط لوضعه الخاص في المستقبل ربما يكون جزءا مستقلا أو كجزء من نطاق نشاط كيان الاتحاد الأوروبي وفي هذا الصدد ينشط الدعاة الروس اليهود الجدد الذين يروجون لـمبدأ حق تقرير المصير لشعب كالينينجراد بغية تحجيم وقضم روسيا وإعادتها الي ما قبل الحرب العالمية الثانية..
وكما دفعت المانيا كالينينجراد التي ورثتها ألمانيا من بروسيا بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية سنة1945 ربما هناك من يفكر في أن تدفع روسيا ثمن ضعفها الحالي وعودتها الي حصار الماضي السابق.. غير أن عودة روسيا الي ما قبل الحرب العالمية الثانية قد تكون عودة الي السابق ولكن بلا اتساع جغرافي مع حماس طفيف وشبح إرهاص خافت في انجاح مشروع قومي محدد للنهوض الاقتصادي.
بالإضافة الي المصاعب الأجتماعية وتضعضع المهابة الدولية مما يتماشي ظاهريا من تراجع الجبروت العسكري السالف.. رغم قيادة ونشاط الرئيس فلاديمير بوتين وطاقمه الذي لا يكف عن الحديث عن الاصلاح. ويبدو أن عصرا جديدا كل الجدة علي وشك الظهور في روسيا ومن معالمه أنه لا رحمة في الضعف مهما يحاول الانسان أو القائد أو الزعيم التظرف والتجمل أو تقديم العديد من التنازلات والحلول الوسط فكلها محكوم عليها بمعيار جديد هو الانتاج الاقتصادي ومستوي معيشة الشعب ودرجة ثقافته واستعداده لقبول التحديات العلمية والتطبيقية والنفسية والاجتماعية ومعها المصارحة والمكاشفة.
ويقول ايجور ايفانوف, وزير خارجية روسيا بعد زيارته للدانمارك إن مسألة كالينينجراد تحتاج الي حل سياسي وتفكر السويد في حل يحمي الجناح المهيض لروسيا لكن الاتحاد الأوروبي يتمسك بعدم جواز إختراق حدود دولة من دوله الا وفق شروط معينة وبالطبع تأشيرات بالمرور مدفوعة الأجر وتدقيق في شخصيات العابرين خشية أن يحدث تدفق روسي الي دول الاتحاد الأوروبي.. وهو تدفق من الروس الحاليين!! |
|
|
|
|
|