قضايا و اراء

42378‏السنة 126-العدد2002ديسمبر16‏12 من شوال 1423 هـالأثنين

قاهرة المعز‏..‏ ورؤية للعلاج
بقلم : د‏.‏ محمد عبد الله عثمان
دكتوراه في العلوم السياسية ـ ألمانيا

لقد طالعتنا الصحف منذ أسابيع بأن مدينة القاهرة المعزية عاصمتنا الحبيبة قد بلغت ما يزيد علي ستة عشر مليونا‏,‏ وهذا كما ذكرت الصحف يعادل ربع سكان الجمهورية وهذا بالتأكيد يعني ارتفاع كثافة السكان بالقاهرة واختلال التوازن بين القاهرة وباقي مدن الجمهورية‏,‏ كما أن هذه الزيادة سوف تؤثر في صورة القاهرة لتجعلها اكثر بشاعة مما هي عليه الآن‏,‏ هذا بالاضافة الي انخفاض كفاءة الخدمات المختلفة من نقل ومواصلات وطرق وكهرباء ومياه وصرف صحي وتعليم وصحة وغيرها من المرافق والخدمات المختلفة‏.‏
ان حجم المدينة الامثل هو من الاشكاليات المتجددة في الفكر التخطيطي العمراني لأن الهدف الاستراتيجي من انشاء اي مدينة في مكان ما هو العمل علي إيجاد تجمع سكاني في هذا المكان وتوظيف واستغلال الموارد الطبيعية والاقتصادية لذلك المكان بحيث تتضافر موارد الطبيعة مع الموارد البشرية لتحقيق اهداف التنمية علي جميع المستويات بداية من الدولة وحتي الفرد الذي يقيم في هذه المدينة هناك العديد من النماذج سواء في الغرب أو الشرق أو في شرقنا الأوسط للمدن وكيف تطورت هذه المدن بشكل لا يحقق الهدف الذي من اجله انشئت تلك المدن وانه بدراسة مراحل هذا التطور نجد ان نمو السكان في هذه المدن كان ذا علاقة عكسية مع قدرة وكفاءة المدينة في تحقيق اهدافها والسبب في ذلك يرجع الي ان المدينة تمر بمراحل عديدة خلال دورة حياتها فهي في البداية تكون جاذبة للسكان بمعني انها تعمل علي استقطاب السكان نتيجة توافر الخدمات وعدم وجود ازدحام أو تكدس سكاني بها‏.‏ تنتقل المدينة بعد ذلك الي مرحلة التشبع وهي المرحلة التي يصل فيها حجم المدينة الي التشبع وعدم قدرتها علي استيعاب اعداد اخري من السكان‏.‏ يلي ذلك مرحلة الطرد وهي المرحلة التي يعمل سكان المدينة علي مغادرتها والخروج منها نتيجة للمشاكل العديدة التي تواجههم فيها بالاضافة الي انخفاض كفاءة خدمات ومرافق المدينة بسبب الزيادة غير المخططة في حجمها‏.‏

أما بالنسبة لمدينة القاهرة المعزية فإنها قد أصبحت بعد ما يزيد علي ألف عام علي إنشائها فقد أصبحت اكبر مدينة في الشرق الأوسط وتعد من اكبر عشر عواصم في العالم أجمع‏,‏ فكما ذكرت فإن عدد سكان القاهرة قد بلغ أكثر من ستة عشر مليون نسمة‏,‏ ومن المتوقع ان يصل الي عشرين مليونا في القريب العاجل وأن معدل نمو الزيادة السكانية للمدينة تراوح بين‏2,5%‏ و‏3%‏ خلال السنوات العشر السابقة نتيجة للنمو الطبيعي وغير الطبيعي للسكان مع زيادة عدد السكان لتفجر المشكلات وتظهر العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي لم تكن بالأفق في مراحل التخطيط المختلفة‏.‏
كما ان مشاكل القاهرة تعتبر اشكالية دائرية‏Cyclicaldilemma‏ بمعني أن زيادة السكان تؤدي الي انخفاض مستوي الخدمات وهو بالتالي يؤدي الي تخصيص الموارد وتوجيه الاستثمارات لرفع مستوي الخدمات المتدنية وهذا الضخ للاستثمارات بالمدينة يشجع الهجرة الداخلية بحثا عن فرصة عمل من خلال تلك الاستثمارات‏.‏ فتؤدي معدلات الهجرة المتزايدة الي زيادة عدد السكان مرة أخري فينخفض مستوي الخدمات وهكذا تدور الكرة مرة أخري‏.‏ لذلك وجب علينا أن نبحث عن حل للمشكلة بشكل جذري وليس مجرد إصلاح مؤقت للخدمات‏,‏ المتهالكة مما يدخلنا في إشكالية الدائرية‏.‏

فإذا أردنا أن نعالج ونحل مشكلات قاهرة المعز بشكل فعال فإننا يجب أن ننظر للأمر بصورة مختلفة وغير تقليدية‏.‏ لأن الحلول التقليدية التي قدمت من قبل بإنشاء تجمعات حول مدينة القاهرة لم تنجح في حل المشكلة بل علي العكس قد ساعدت علي تفاقمها لأن الذي حدث هو اتساع حجم القاهرة وشمل هذه التجمعات مما زادت معه مشاكلها المختلفة‏.‏ أما الفكرة التي بدأ تنفيذها في أواخر السبعينيات بإنشاء مدينة السادات ونقل الوزارات والأجهزة الحكومية إليها كانت فكرة جيدة ولكنها للأسف لم تأخذ حقها في التطبيق الكامل للحكم عليها‏,‏ أما باقي المحاولات فهي مجرد ترميمية مؤقتة ليست ذات فاعلية حقيقية‏.‏
والمدخل الصحيح لحل مشكلة القاهرة هو أن تتحمل القاهرة وسكانها التكلفة الحقيقية للحياة والعيش في القاهرة وبالتالي تكلفة الخدمات والمرافق التي يستخدمها سكان القاهرة بدون أي دعم من الحكومة مما يوفر أكثر من‏60%‏ من ميزانية الدعم التي ترهق الموازنة العامة للدولة كل عام‏.‏ كما أنه يمكن تطبيق نظام ضريبة المدينة‏CityTax‏ علي مدينة القاهرة بأن يفرض نسبة محدودة ولتكن في حدود‏5%‏ علي المعاملات التجارية من بيع وشراء تتم داخل نطاق مدينة القاهرة‏.‏ ويتم توظيف حصيلة هذه الضريبة للإنفاق علي تطوير الخدمات والمرافق وتحسين أدائها‏.‏ ولهذا المدخل الاقتصادي العديد من المزايا أهمها‏:‏

‏1‏ ـ إن تكلفة الإقامة في مدينة القاهرة ستكون تكلفة حقيقية لم تتحمل الدولة منها أي نفقات سواء في شكل دعم لأسعار الخدمات والمرافق التي تقدم لسكان القاهرة أو أي أعباء أخري‏.‏
‏2‏ ـ إن ضريبة المدينة‏CityTax‏ لو تم تحصيلها بشكل جاد وفعال سوف توفر علي خزانة الدولة الأموال الضخمة التي تضخها علي فترات متتالية من اجل صيانة مرافق القاهرة وخدماتها‏.‏

‏3‏ ـ إن الدولة يمكنها توجيه الأموال والنفقات والتي تم توفيرها نتيجة تطبيق ضريبة المدينة الي تطوير وتنمية مناطق اخري سواء عواصم المحافظات او المناطق العمرانية الجديدة بعيدا عن القاهرة‏.‏
‏4‏ ـ إن المقيم في القاهرة سوف يتحمل تكلفته الحقيقية بدون أي دعم وسوف يتحتم عليه أخذ القرار الاقتصادي الأنسب له بدون أي مؤثرات خارجية بالبقاء داخل القاهرة وتحمل التكلفة أو المغادرة والاستفادة من مشروعات التنمية في مناطق أخري‏.‏

‏5‏ ـ لن تصبح القاهرة المعزية مدينة جاذبة بل سوف تقل درجة تشبعها تدريجيا وقد تصل الي مرحلة الطرد في القريب طبقا لما يتم تنفيذه من مقترحات‏.‏
‏6‏ ـ لو طبق المدخل الاقتصادي بكفاءة وفاعلية سوف نجد القاهرة المعزية مرة أخري مدينة جميلة مشرقة تسعد سكانها كما عودتنا دائما‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية