الكتاب

42336‏السنة 126-العدد2002نوفمبر4‏29 من شعبان 1423 هـالأثنين

محمود الورداني في أوان القطاف
بقلم : د. صلاح فضل

كلمة القطاف تحيل الذاكرة التراثية إلي عبارة الحجاج بن يوسف الثقفي وهو يخاطب أهل العراق‏:‏ إني أري رءوسا قد أينعت وحان قطافها أكثر مما توحي لنا الآن بقطاف الورد والثمار الناضجة‏.‏ وقد استخدمها الروائي السوري الكبير حنا مينا عنوانا للجزء الثالث من سيرته الذاتية الكبري بقايا صور لكن محمود الورداني ـ القاص والروائي المصري الدءوب ـ يقدم بها رؤيته الفاجعة لكل من الواقع والتاريخ في آن واحد حيث تتدحرج الرءوس أمام أعيننا‏,‏ سواء انفصلت عن أعناق أصحابها أو ظلت معلقة فوق أجسادهم وهو لايصف هذه المشاهد من الخارج بل يتحسس رأسه ذاته كما كان يقول صلاح عبدالصبور الأمر الذي يجعل الفواجع مجازية لا معقولة وإن ظلت شديدة الإيلام والإدهاش في جميع الحالات‏.‏

صدمة البداية
وربما كان مصدر الدهشة الأول هو طريقة الورداني في توظيف الراوي ومزج الأزمنة وتصفير الأحداث أو تركها مفكوكة علي حد تعبيره فهو يستخدم أولا ضمير المتكلم الذي يجعل الرواية تبدو كأنها سيرة ذاتية وسرعان مانتبين استحالة ذلك منذ السطور الأولي فهو يحكي ماحدث له عندما لحق بالقطار الأخير‏,‏ وصعد إلي سطحه وأخذ يركض فوقه مستقبلا ضوء النهار الخفيف حتي اطاح أول جسر حديدي برأسي ولشد ما آلمني أنه ظل يترنح وحيدا غير قادر علي التحكم في خطواته حتي سقطت تحت العجلات بينما التصق رأسي وأنا مفتوح العينين بأعلي الجسر يتطلع نحو الجنوب مازلت حتي الآن مفتوح العينين بين ذروة البهجة وصدمة الجسر الحديدي‏,‏ اتطلع إلي السماء حتي تغرب الشمس‏,‏ فاستريح قليلا وأتهيأ لشمس لاترحم علي مدي النهار‏.‏
فالصدمة التي تطيح برأس الراوي منذ البداية تدع القاريء معلقا بدوره في فضاء الرواية يحاول التغلب علي لامعقوليتها ومتابعة مغامراتها واكتشاف منطق الزمن فيها ولايلبث أن يهتدي إلي خيط مجازي يسمح له بفهم الأحداث عندما يجد الراوي يقول‏:‏ لم تكن تلك هي المرة الأولي التي أفقد فيها رأسي فلقد سبق لي أن فقدته مرات عديدة كما سبقني آخرون فقدوا رءوسهم مثلي‏,‏ ثم يأخذ في تعداد حالات الذبح بدم وبغير دم مما حدث له ولغيره من الذين يستحضرهم من الماضي القريب والبعيد وفي مقدمتهم الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة الذي طارت رأسه من كربلاء حتي استقرت في حجر أم الغلام في أحد أزقة القاهرة التي لم تكن قد بنيت بعد‏,‏ علي ما تقول الرواية الشعبية التي روج لها الفاطميون وجعلوا منها اسطورة حية تماثل في قوتها أسطورة مسيحية عن القديس يعقوب أو سانتياجو الذي بنيت باسمه كاتدرائية عظيمة في شمال اسبانيا بعد أن حمل النسر رأسه ايضا عبر البحار والجبال حتي استقر في المدينة التي سميت باسمه واصبحت مزارا للحجيج الأوروبيين حتي اليوم‏.‏

كما يستحضر الراوي في بث متصل عبر فصول الرواية كلها قصة استشهاد شهدي عطية زعيم جماعة حدتو الشيوعية عقب التعذيب الجسدي المروع الذي تعرض له علي يد زبانية سجون عبدالناصر مطلع الستينيات ويقحم المؤلف تفاصيل هذا التعذيب له ولرفاقه في السجن دون أن يكون الراوي ـ القريب من عمر المؤلف الخمسيني ـ شاهدا مباشرا علي شئ منها‏,‏ مما يؤدي إلي كسر ايقاع السرد في هذه الفقرات وخروجه من ضمير المتكلم ليرد علي لسان شخصيات تاريخية من رفاق شهدي عطية‏,‏ أمثال عبدالحميد هريدي ونور سليمان وسعد الدين عبدالمتعال وإبراهيم الشهاوي وزوجته اليونانية الأصل روكسانا وأبيه الذي ينشر له نعيا غريبا في الأهرام يتألف من مقطوعة من الشعر العربي البطولي القديم مطلعها‏:‏
فتي مات بين الطعن والضرب ميتة‏..‏ تقوم مقام شعر النصر إن فاته النصر
وإذا كان كل ذلك لايلتئم مع نسيج السرد بأسلوب معتاد لأن عين الراوي لم تقع عليه في حينها ولا يأتي باعتباره من ذكرياته مثله في ذلك مثل وقائع استشهاد الحسين بن علي المستقاه من بعض كتب التاريخ المتشيع والمنثورة ايضا علي مدار الرواية بأكملها فإن هناك بؤرةتصب في الرؤية الفاجعة للرواية تجعل تلك الأحداث تنويعات علي مأساة الإنسان في كل العصور‏.‏

مرويات المذبوح
وعلي الرغم من أن الورداني يقسم روايته إلي ثلاثة أقسام فإن كلا منها يتضمن جديلة من الأحداث والحكايات ذاتها يتم فيه استئناف ما انقطع أو توقف من قبل دون أن يربط بينها منظور الراوي أو ضميره ويظل الاحساس الاليم بالمصير الفاجع الذي ينتظر الشخوص أو الذكريات المستحيلة للرأس المعلق في سقف الجسر الحديدي هي الرابطة الوحيدة بين أجزاء السرد المتقطعة سواء منها ما جاء علي لسان الراوي المذبوح أو ما جاء بشكل محايد غير شخصي في الفصول المعنونة بأسماء المتحدثين المتعددين فيها‏.‏
وبوسعنا أن نجمل أهم هذه المرويات التي يحكيها الذبيح من وقائع الحاضر فيما يلي‏:‏

أولا‏:‏ حكاية الصبي الذي شرع مع رفاقه في رحلة مدرسية واعدة وقبل أن تغادر الحافلة شوارع العاصمة داهمتهم مظاهرات الخبز المنفجرة في يناير‏1977,‏ فاندمجوا في تيارها الجارف‏,‏ وألهتهم مسيراتها وموجاتها وهتافاتها الطريفة الخطيرة ضد السلطة في مثل‏:‏
هو بيلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة في أوضة
موش كفاية لبسنا الخيش جايين ياخدوا رغيف العيش

يحكي الراوي عشرات من هذه الهتافات الموزعة بايقاعات خاصة وهي تمتزج بلذة المغامرة الصبيانية واحساسات المراهقين وهم يتفتحون علي الوعي الشقي بالسياسة وتقلباتها ويكون مصير الراوي سنجة حديدية تسقط فوق أم رأسه من أحد الفتوات المدافعين عن كازينو الأوبرج في الهرم‏.‏
أما الحكاية الثانية فهي مأساة الضمير المتكلم ذاته عند العودة من الإعارة الخارجية بعد استثمار كل مهاراته في العمل وجمع المال بمختلف الوسائل حتي يحقق مشروعه الكبير في إنشاء مول الهداية في شارع فيصل وفرحته بلقاء زوجته نجاة وابنته هبة‏,‏ لاحظ رمزية الأسماء كما تعود أن يفعل نجيب محفوظ في مفارقاته وضيقه الظاهر من اجابات سائق التاكسي محمد سعد عليه وهو يسأله عن حال السيارة اللادا ولماذا أنهكها في السنوات القليلة الماضية‏,‏ وبدلا من أن يذهب مباشرة مع زوجته وابنته إلي البيت عرج أولا علي غرزة المعلم الغول ليتزود بأنفاس تعينه علي تعويض غيبته عن فراش الزوجية وعندما يختلي بامرأته يفاجأ بالسائق نفسه مائلا عليه ممسكا بسكين طويل مستورد كنت قد اشتريته ضمن مجموعة من أفضل ما ورد للخليج وبجواره كانت نجاة أيضا بنفس قميص نومها الأبيض القصير أليست هذه هبة التي ألمحها تطل بين محمد سعد ونجاة ماالذي يحدث؟ مائة ألف دولار قضيت عمري أجمعها في ثلاث ودائع ؟ لماذا يانجاة إن ذبحي بهذا الشكل وباشتراك هبة لا أصدق كان بشعا عندئد يبدو الراوي مجسدا لمصير الأزواج الغائبين في أمر الهجرة السوداء‏.‏
وتأتي الحكاية الثالثة لتضفي علي هذه السلسلة من المشاهد المأساوية قدرا بسيطا من الطليعية والتبرير المعقول‏;‏ لأنها تكاد تمس أدب الخيال العلمي عندما نصحته زوجته وهو لابد أن يكون راويا آخر متعددا بأن يذهب لممارسة الصيانة الدورية لرأسه حيث هبط أمام المستشفي وانساب إلي الحجرة الأولي مددوه علي المنضدة وأخذوا عيناتهم وقياساتهم وأشعاتهم المختلفة ثم خدروه وذبحوه وخاطوا الجرح ريثما يستفيق وطفقوا يعملون في الحنجرة وحبالها الصوتية وتحت ابطيه وصورة وانتقلوا إلي بعض الغدد ثم أخرجوه في النهاية ومضوا به إلي العناية المركزة الرأس يذهب إلي قسم خاص حيث يعيدون تحميل برامج الذاكرة علي ديسكات توضع في أماكنها المحددة مع إعادة النظر في مراكز المخ المختلفة لتغيير مايلزم تغييره من أجهزة الحواس والإدراك ويمضي في تعداد عمليات المراجعة ومغامرات الجثة المتحركة قبل أن يرد لها الرأس ويركب عليها ولكيلا تفقد هذه المروية بدورها نكهة الختام السوداوي فإنه سرعان مايلاحظ أن هناك خطأ قد حدث في الرأس حيث تستقبله علي باب المستشفي امرأة لايعرفها وابنتان ترتميان في حضنه باعتبارهم أسرته‏.‏

رءوس البشر والدلالة الكلية
حكاية أخري لصيقة ضمن هذه الجديلة الروائية لا علاقة لها بأي من الرواة السابقين تقدم قصة غرام طريف وعابر يحدث عبر رسائل الإنترنت بين فتاة مصرية جميلة ومثقفة تدعي عالية وهي وريثة عمتها المناضلة اليسارية التي انتحرت منذ فترة بإلقاء نفسها من الدور التاسع‏,‏ بعد أن كتبت شهادتها علي جيلها المحبط من أبناء الستينيات حيث تبخرت احلامها الكبري في تغيير العالم ودب فساد السبعينيات إليهم اسمها في الرواية اقبال بكري بينما يعرف كثير من القراء ويصرح المؤلف في النهاية بأنه قد استخدم فقرات من كتاب سرطان الروح لأروي صالح التي حدثت لها الوقائع ذاتها المهم أن بنت أخيها المتخيلة تقع في غرام مثقف عراقي مهاجر لأوروبا اسمه عبدالوهاب‏,‏ وتتسلم منه مخطوطة لسيناريو عن الزعيم أحمد عرابي كتبه والدها شاكر لكن ملابسات العثور عليه هي التي تشف عن روح الفاجعة التي لاتخلو منها واحدة من حكايات الورداني الروائية فقد عثر علي شاكر مقطوع الرأس عقب احدي غارات الحلفاء علي العراق في حرب الكويت‏.‏
ويأتي عبدالوهاب لزيارة القاهرة وتلعب عالية معه دور المرشد السياحي المثقف وهي تشرح له معالم القاهرة العريقة وتدله علي أسرارها الخفية ثم تدعوه لحضور احتفال الالفية الجديدة في سفح الهرم‏,‏ وتكون النهاية الملائمة تماما لروح الرواية أنهما يريان معا أبا الهول دون رأس هو الآخر‏.‏ صفحة واحدة دسها المؤلف في ثنايا هذه الفواجع من الرءوس المقطوفة هي التي خففت من حدة مآسيها وهي التي يذكر فيها بشكل سردي مباشر توزع عمليات الذبح وقطع الرءوس والحرق علي الثقافات العالمية كلها دون استثناء

لم يكن قتلة الحسين وحدهم الذين يملكون مثل هذا القلب الأصم‏,‏ فالخوزقة والتقطيع ابتكرها الاشوريون وطورها العثمانيون‏,‏ أما القتل حرقا فقد عرفته قبل جاندارك وبلغ عدد من أحرقتهم محاكم التفتيش في عام واحد ألفي رجل وعلي مدي عام واحد ايضا أعدم الكاردينال الأكبر كالفن أربع عشر امرأة اتهمهن مجمع كرادلة جنيف بالتحريض علي جلب الشيطان للمدينة واستدعائه بالسحر ودوشا قائد انتفاضة الفلاحين بالمجر عام‏1541‏ أسره الأمراء وشوه‏,‏ه باجلاسه علي مقعد مسجور إلي آخر تلك الوقائع والنقاط السوداء في تاريخ البشرية التي ارتكبها ـ ومازال يرتكبها ـ المجرمون من التعذيب البدني والتشويه الخلقي قبل القضاء علي اعدائهم في الثقافات كلها‏,‏ الأمر الذي يجعل هذا القطاف الدامي بلا أوان علي خلاف مايوحي عنوان الرواية‏,‏ ويجعل الدلالة الكلية لها تتمثل في التشبث المتفاني بحقوق الإنسان خاصة حقه في الحرية الذي اصبح من أهم مقدسات العصر الحديث ويبدو أن محمود الورداني قد أرد في نهاية الرواية ان يعبر عن إيمانه العميق بقيم الحرية والحب فأضاف إليها لمسة حانية تمتد بها يد صغيرة دافئة إلي الرأس المعلق في سقف الجسر لتحرره من الشقاء وتحتضنه في صدرها فتمسح عنه عذاب الذبيحة وتفتح لها أفق المستقبل المنشود‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية