|
|
 |
كانت إحدي الطرائق المتبعة لدي الهنود, السكان الأصليين لأمريكا, للحصول علي اللحم من أجل الشتاء, تتمثل في إجادة دفع قطيع الجواميس لجعله يمشي فوق جرف صخري حاد الانحدار, وبذلك يتعثر القطيع كله, ويسقط من أعلي, فيتم ذبحه بسهولة عند أسفل الجرف, وهو ما يعرف بسقوط الجواميس, لكن قبيلة الأقدام السوداء لم يكن أفرادها يستطيعون إجادة دفع الجواميس لتمشي فوق الجرف, حيث كان الجاموس عندما يقترب من الجرف علي الفور ينفر منه, ويستدير جانبا, ويتحاشاه.. لم يكتسب أفراد القبيلة مهارة ممارسة تلك الطريقة, وأيضا لم يمتلكوا غيرها من الطرائق البديلة, سواء بالوراثة أو بالابتكار لغيرها, فالمنهج الوحيد والواحد الذي يعرفونه, لا يمتلكونه, ولا يحسنون أداءه, ومعني ذلك أن القبيلة عليها أن تدفع تكلفة أدائها المتدني بألا تجد لديها في فصل الشتاء الشيء الضروري لتأمين حاجات أفرادها الحيوية من المأكل, ومن الطبيعي أن يفكر أفراد القبيلة في إعادة ترتيب علاقاتهم بواقعهم, وممارسة فعاليتهم الإبداعية في مواجهة عجزهم للتحرر من النموذج الذي ورثوه ولا يجيدونه, وذلك بإنتاج أفكار جديدة تحقق لهم اتقانا في الأداء, للحصول علي ما يحافظ علي وجودهم, وهو ما لم يفعلوه, إذ في ظل تحرك التاريخ لم يفككوا آليات عجزهم خروجا من مأزقهم, وظلوا في تعايش دائم مع المشكلة, لا يتزحزحون عن الرغبة في محاكاة ما لا يحسنونه, وحدث يوما أن استيقظت إحدي فتيات القبيلة مبكرا, فشاهدت الجواميس تسير في تلك اللحظة علي حافة الجرف, علي الفور انطلقت الفتاة مشحونة بإرث العادة والخبرة المعيشة المبطنة بالأفكار القديمة, مدفوعة بفرط توترها من فقدان إجادة دفع الجواميس, واستعصاء الحصول علي ما يؤمن حياة القبيلة, فصاحت إذا سرتم علي الجرف فإنني سوف أتزوج واحدا منكم.. وهي في مطلبها هذا قد طرحت ـ من ناحية ـ الوعد بالزواج بدلا من إجادة الدفع, فهل يصح الاستبدال, أو تراه صيغة استدراجية للتحفيز؟.. ومن ناحية أخري, فقد وضعت شرط الموت لمن يسعي إلي الزواج بها, إذ هي وفق القطع اليقيني الموروث لديها, تعلم أنه لن يبقي منهم بعد سقوطهم من سوف يفوز بالزواج بها.. أتراها كانت تخاتل أن تغامر؟.. وهل تفلح؟.. أتراها بطرحها الوعد بالزواج قد شغلت تفكيرها حسابات قياس الضرر المحتمل؟.. وهل تراها كانت مهيئة لغير المتوقع؟ أتراها حين تصدت بما أعلنته كانت قد تحرت سلامتها التامة؟.. ولعل ليس أكثر إيضاحا, وأوقع إبلاغا في الكشف عن مقاصد الفتاة المعلنة والمضمرة, من تلك الدهشة التي انتابتها من رد فعل الجاموس علي دعوتها ونتيجته, فدهشتها قد استوفت كل جوانب معني المأمول لديها من وعدها الذي أعلنته, وهو أن ينصاع ويذعن الجاموس لها, فيتسابق جريا وراء زواجها, فيتدافع علي حافة الجرف فيسقط, وعندئذ يذبح عند أسفل الجرف, فتحصل القبيلة علي مأكلها, ولا يبقي من الجاموس أحد, وذلك ما يعني أن الجوهري في موقف الفتاة أنها استغنت بالكلام عن الفعل, أي بدلا من الدفع بالجاموس قد استبدلت الكلام بالمواجهة, ربما تجوز هذه المراهنة, لكن تري هل استنفر الاحتراز عقلها, أو أن مأمولها أعماها عن إمكان أن ينتج كلامها نوعا من المواجهة بينها وحدها وبين قطيع الجاموس.. لقد كانت دهشتها حين رأت الجواميس كلها قد سارت علي الجرف, ثم انفتحت دهشتها علي المأزق الذي جعلها تدرك أنها غامرت المغامرة غير المأمونة, وذلك حين تقدم إليها من القطيع جاموس عجوز قائلا: حسنا يافتاة.. فلنمض معا.. كان الموقف صورة للأزمة والمأزق والحصار المباغت الذي جسد جموح تصديها المنفلت من حسابات الاحتمال, فاستجلب الانصياع والإلزام والإقرار بالزواج بالجاموس العجوز, فإذ بها ـ من فورها ـ ترفض الذهاب مع الجاموس العجوز, فإذا كنا معنيين بالتنقيب عن مقاصد الفتاة, فلا شك أن رفضها يؤكد أنها لم تطرح نفسها قربانا وفداء, ونذرا من أجل استمرار وجود قبيلتها, وحصولها علي ما يؤمن عيشها, لقد واجهها الجاموس العجوز قائلا: أنت ألزمت نفسك بوعد.. تحن نفذنا ما علينا من الاتفاق.. انظري إلي أقاربي هنا أسفل الجرف, كلهم أموات.. والآن فلنمض معا.. وهكذا كان علي الفتاة أن تدفع ثمن جموح هوي التحدي المنفلت من مؤازرة كفاءة الاستضاءة الكاشفة للاحتمالات الطارئة.
استيقظت أسرة الفتاة صباحا تبحث عنها فلم تجدها, تفحص الأب الأرض متتبعا الأثر, فأدرك أنها ذهبت بعيدا مع جاموس, فعقد عزمه علي الرحيل كي يستعيدها, فحمل قوسه وسهامه وانطلق, وفي أثناء سيره أدركه التعب, فركن يستريح ويفكر فيما سيفعله.. اقترب منه غراب, فسأله الأب عن ابنته, فأخبره الغراب أن الفتاة توجد مع الجواميس في مكان قريب من مجلسه, طلب إليه الأب أن يذهب إليها ويخبرها أنه ينتظرها.. طار الغراب واقترب من مكانها, فوجد الجواميس نياما, أما هي فكانت مشغولة بعمل ما.. دنا منها, وأخبرها أن أباها في انتظارها بالقرب من مكانها, ولأن الفتاة تري بعينيها ـ وبوضوح ـ الموقف المحيط بها, لذا فإنها ـ علي الفور ـ أعلمت الغراب أن الأمر خطير, إذ أن الجواميس سوف تقتلهما معا, ورفضت الذهاب إلي أبيها في اللحظة الراهنة, وفجأة استيقظ زوجها الجاموس العجوز, وطلب إليها أن تذهب لتحضر له ماء.. وهناك عند المستنقع أمسكها والدها ليأخذها ويهربا معا, فرفضت الفتاة الإذعان وواجهت أباها الذي تخشي عليه من القتل, والأب يقوده جموح انفعاله وعاطفة أبوته, فغيب الجموح عنه الحذر, وصادر طاقة تصوره لمدي شراسة الخطر, بل صار يدفعه ويورطه في معركة خاسرة, فأخبرته الفتاة أن القطيع كله سوف يلحق بهما ويقتلهما, ثم تركته وعادت أدراجها إلي القطيع, وعند وصولها واجهها الجاموس العجوز زوجها بما اكتشفته من أنه يشتم رائحة دم أحد الهنود, والفتاة تنفي, والجاموس العجوز يؤكد أنه علي ثقة, ثم راح يخور بكل ما لديه من قوة ليوقظ الجواميس كلها, وتذهب مجتمعة في رقصة بطيئة وهي ترفع ذيولها, فتسحق بأقدامها ذلك الرجل حتي الموت إلي أن تقطع إربا إربا واختفي تماما.. بكت الفتاة واعترفت أن القتيل أبوها, وانبري الجاموس العجوز يسألها وماذا بشأننا نحن؟ أطفالنا, وزوجاتنا, وآباؤنا عند أسفل الجرف موتي وأنت تبكين أباك.. إذا كنت تستطيعين أن تعيدي أباك إلي الحياة, فسوف أدعك تذهبين.
وهنا انتقل الموقف إلي مسار مختلف, إذ تشكل هذه اللحظة الرهيبة مواجهة الهاوية الفاصلة بين الحكمة وبين الأمر الواقع, فالحكمة تعني أن يلتقط الحكيم تلك البرهة السريعة التكوين والزوال, والتي يتوقف علي التقاطها حدوث المنعطفات الحاسمة, وهو ما كان علي الفتاة أن تدركه, لكنها تحت وطأة الأمر الواقع المتمثل في موت أبيها, تعذر عليها في لحظة انفعالها أن تطرح مسافة تنفس بين القيمة والواقعة, ففي خضوعها لتأثير وانفعال تداعيات واقعة موت أبيها, ثم في كشفها أمام الجواميس عن ملكتها وقدرتها علي استعادة الحياة للموتي, وضعت الفتاة قيمة الحفاظ علي سلامة قبيلتها في خطر, وأتاحت للجواميس أن يكون أمامهم كل الممتنع عن الفعل ممكنا, ولأن الفتاة قد خاصمتها الحكمة كان لابد للمنعطف السالب أن يحدث, إذ في عنفوان انفعالها التفتت إلي الغراب متوسلة إليه أن يبحث عن جزء صغير من بقايا أبيها المقتول.. وبعد بحث طويل عاد الغراب ومعه قطعة عظم واحدة صغيرة, فأخذتها الفتاة ووضعتها علي الأرض, وغطتها بوشاحها, وراحت تغني طقس استعادة الحياة, وهي أغنية سحرية لها قوة خارقة.. وفي الحال كان الأب تحت الوشاح, فواصلت الغناء لمقاطع أخري, فإذ بالأب يقف علي قدميه قبالتها, والجواميس تعجب مما تراه. وكانت اللحظة التي عاد الأب فيها إلي الحياة, شاهدا علي تغيير خارطة اهتمام الجواميس تجاه وضع الفتاة, حيث انفتحت أمامهم إمكانية استعادة موتاهم بواسطتها.. وفجأة قفزت الحقيقة السائدة عبر التاريخ بأن الفائز يأخذ كل شيء, فعلي الفور قالت الجواميس للفتاة: لماذا لا تفعلين ذلك من أجلنا؟ سوف نعلمك رقصتنا, وعندما تقتلون عائلاتنا عليك أن تقومي بتلك الرقصة, وتغني تلك الأغنية, وبذلك سوف نحيا من جديد.. وتنتهي عند هذا الحد من السرد أسطورة الأقدام السوداء, إحدي أساطير تراث الهنود, السكان الأصليين لأمريكا.. لكن يبقي السؤال الذي يستوجبه اقتضاء طبيعة بنية الأحداث, والذي لم تجب عنه الأسطورة, وتركته بلا جواب, كنوع من الإدراك المنقوص, كي تقع علي القارئ أو السامع مهمة إنشاء المعني, وفك اللغز المتروك, اعتمادا علي أفق توقعات القارئ من خلال فهمه للأسطورة في إطار القوانين التي يعرفها.. والسؤال المنقوص الإجابة تتحدد صيغته في ضوء توقف أحداث الأسطورة عن الامتداد: تري هل ستقبل الفتاة أن تظل مع الجواميس كي تمارس استعادة موتاهم للحياة بعد أن يقتلهم أهلها لتستمر دائرة الصراع الذي لا ينتهي, وعندئذ لن يحصل أهلها علي طعامهم؟ أو تراها سترفض البقاء, أيا كانت صورة هذا الرفض, حماية لقيمة الحفاظ علي أهلها كي يستطيعوا أن يجدوا ما يؤمنون به احتياجاتهم, ويمارسوا حياتهم, ويستمر وجودهم؟
لكن السؤال المركزي العام المسكوت عنه في هذه الأسطورة, هو سؤال الاجتهاد المفتوح علي لحظة إعادة النظر فيما أنتجته الأحداث في ضوء الأسباب التي ينظر من خلالها إلي نتائج الأحداث, بإعمال المقارنة بين ما تحقق من أحداث, وما كان ينبغي له أن يتحقق من أحداث مغايرة تأتي بنتائج مخالفة, أي أن السؤال المركزي في أسطورة الأقدام السوداء هو السؤال الذي يفرض الاستدراك, ويتبني اللجوء إلي المراجعة, ويحاول الاسترداد بأن يطرح مستفسرا مستوضحا: ما الذي أوصل مسار الأحداث إلي الموقف الخانق الذي تركته الأسطورة بلا جواب؟.. بمعني, ما الذي أوصل الفتاة إلي اللحظة التي أصبح عندها من الصعب عليها مبارحتها عتبة مجتمع الجواميس إكراها.. وإلي الأبد؟ والإجابة ـ ببساطة ـ أن الفتاة بفقدانها توازنها الذهني افتقدت, بانفعالها وجموحها, الحكمة التي تنير أمامها الطريق, وتحميها من التورط.. فإذا كانت الحكمة تعني القدرة علي التقاط تلك البرهة السريعة التكوين والزوال, والتي يتوقف عليها حدوث المنعطفات الحاسمة والخطيرة, فإن الفتاة لحظة أن عرض عليها الجاموس العجوز إطلاق سراحها, إذا كان في مقدورها أن تعيد أبيها إلي الحياة, لم تستطع أن تلتقط من تلك البرهة معني أنها في كشفها له عن ملكتها وقدرتها عمليا علي استعادة الحياة لأبيها, ستظل أسيرة لديهم إلي الأبد, بل الأكثر أهمية والأخطر, أنها تجاوزت تقرير مصيرها الخاص إلي تقرير المصير العام لقبيلتها, فقد غامرت بفعلتها وكشفها عن قدرتها بمصير أهلها, وأغلقت بمغامرتها الأفق أمام مصالحهم العليا وخيرهم العام, عندما افتقدت إشراقة الحكمة.
وإذا كانت الحكمة كما تحكي الأسطورة إحدي مسئوليات الإنسان تجاه نفسه.. فلا شك أنها ضرورة للنخبة, ولكل أصحاب الأدوار الاجتماعية من يتصدون للشأن العام, سواء بالقرار أو الكلمة, بل قدر قيادة أي مجتمع كحماية من الجموح والمغامرة المنفلتة من تقديرات حسابات المدي الأبعد. |
|
|
|
|
|