الكتاب

42315‏السنة 126-العدد2002اكتوبر14‏8 من شعبان 1423 هـالأثنين

افتقاد الحكمة
بقلم : د‏.‏ فوزي فهمي

كانت إحدي الطرائق المتبعة لدي الهنود‏,‏ السكان الأصليين لأمريكا‏,‏ للحصول علي اللحم من أجل الشتاء‏,‏ تتمثل في إجادة دفع قطيع الجواميس لجعله يمشي فوق جرف صخري حاد الانحدار‏,‏ وبذلك يتعثر القطيع كله‏,‏ ويسقط من أعلي‏,‏ فيتم ذبحه بسهولة عند أسفل الجرف‏,‏ وهو ما يعرف بسقوط الجواميس‏,‏ لكن قبيلة الأقدام السوداء لم يكن أفرادها يستطيعون إجادة دفع الجواميس لتمشي فوق الجرف‏,‏ حيث كان الجاموس عندما يقترب من الجرف علي الفور ينفر منه‏,‏ ويستدير جانبا‏,‏ ويتحاشاه‏..‏ لم يكتسب أفراد القبيلة مهارة ممارسة تلك الطريقة‏,‏ وأيضا لم يمتلكوا غيرها من الطرائق البديلة‏,‏ سواء بالوراثة أو بالابتكار لغيرها‏,‏ فالمنهج الوحيد والواحد الذي يعرفونه‏,‏ لا يمتلكونه‏,‏ ولا يحسنون أداءه‏,‏ ومعني ذلك أن القبيلة عليها أن تدفع تكلفة أدائها المتدني بألا تجد لديها في فصل الشتاء الشيء الضروري لتأمين حاجات أفرادها الحيوية من المأكل‏,‏ ومن الطبيعي أن يفكر أفراد القبيلة في إعادة ترتيب علاقاتهم بواقعهم‏,‏ وممارسة فعاليتهم الإبداعية في مواجهة عجزهم للتحرر من النموذج الذي ورثوه ولا يجيدونه‏,‏ وذلك بإنتاج أفكار جديدة تحقق لهم اتقانا في الأداء‏,‏ للحصول علي ما يحافظ علي وجودهم‏,‏ وهو ما لم يفعلوه‏,‏ إذ في ظل تحرك التاريخ لم يفككوا آليات عجزهم خروجا من مأزقهم‏,‏ وظلوا في تعايش دائم مع المشكلة‏,‏ لا يتزحزحون عن الرغبة في محاكاة ما لا يحسنونه‏,‏ وحدث يوما أن استيقظت إحدي فتيات القبيلة مبكرا‏,‏ فشاهدت الجواميس تسير في تلك اللحظة علي حافة الجرف‏,‏ علي الفور انطلقت الفتاة مشحونة بإرث العادة والخبرة المعيشة المبطنة بالأفكار القديمة‏,‏ مدفوعة بفرط توترها من فقدان إجادة دفع الجواميس‏,‏ واستعصاء الحصول علي ما يؤمن حياة القبيلة‏,‏ فصاحت إذا سرتم علي الجرف فإنني سوف أتزوج واحدا منكم‏..‏ وهي في مطلبها هذا قد طرحت ـ من ناحية ـ الوعد بالزواج بدلا من إجادة الدفع‏,‏ فهل يصح الاستبدال‏,‏ أو تراه صيغة استدراجية للتحفيز؟‏..‏ ومن ناحية أخري‏,‏ فقد وضعت شرط الموت لمن يسعي إلي الزواج بها‏,‏ إذ هي وفق القطع اليقيني الموروث لديها‏,‏ تعلم أنه لن يبقي منهم بعد سقوطهم من سوف يفوز بالزواج بها‏..‏ أتراها كانت تخاتل أن تغامر؟‏..‏ وهل تفلح؟‏..‏ أتراها بطرحها الوعد بالزواج قد شغلت تفكيرها حسابات قياس الضرر المحتمل؟‏..‏ وهل تراها كانت مهيئة لغير المتوقع؟ أتراها حين تصدت بما أعلنته كانت قد تحرت سلامتها التامة؟‏..‏ ولعل ليس أكثر إيضاحا‏,‏ وأوقع إبلاغا في الكشف عن مقاصد الفتاة المعلنة والمضمرة‏,‏ من تلك الدهشة التي انتابتها من رد فعل الجاموس علي دعوتها ونتيجته‏,‏ فدهشتها قد استوفت كل جوانب معني المأمول لديها من وعدها الذي أعلنته‏,‏ وهو أن ينصاع ويذعن الجاموس لها‏,‏ فيتسابق جريا وراء زواجها‏,‏ فيتدافع علي حافة الجرف فيسقط‏,‏ وعندئذ يذبح عند أسفل الجرف‏,‏ فتحصل القبيلة علي مأكلها‏,‏ ولا يبقي من الجاموس أحد‏,‏ وذلك ما يعني أن الجوهري في موقف الفتاة أنها استغنت بالكلام عن الفعل‏,‏ أي بدلا من الدفع بالجاموس قد استبدلت الكلام بالمواجهة‏,‏ ربما تجوز هذه المراهنة‏,‏ لكن تري هل استنفر الاحتراز عقلها‏,‏ أو أن مأمولها أعماها عن إمكان أن ينتج كلامها نوعا من المواجهة بينها وحدها وبين قطيع الجاموس‏..‏ لقد كانت دهشتها حين رأت الجواميس كلها قد سارت علي الجرف‏,‏ ثم انفتحت دهشتها علي المأزق الذي جعلها تدرك أنها غامرت المغامرة غير المأمونة‏,‏ وذلك حين تقدم إليها من القطيع جاموس عجوز قائلا‏:‏ حسنا يافتاة‏..‏ فلنمض معا‏..‏ كان الموقف صورة للأزمة والمأزق والحصار المباغت الذي جسد جموح تصديها المنفلت من حسابات الاحتمال‏,‏ فاستجلب الانصياع والإلزام والإقرار بالزواج بالجاموس العجوز‏,‏ فإذ بها ـ من فورها ـ ترفض الذهاب مع الجاموس العجوز‏,‏ فإذا كنا معنيين بالتنقيب عن مقاصد الفتاة‏,‏ فلا شك أن رفضها يؤكد أنها لم تطرح نفسها قربانا وفداء‏,‏ ونذرا من أجل استمرار وجود قبيلتها‏,‏ وحصولها علي ما يؤمن عيشها‏,‏ لقد واجهها الجاموس العجوز قائلا‏:‏ أنت ألزمت نفسك بوعد‏..‏ تحن نفذنا ما علينا من الاتفاق‏..‏ انظري إلي أقاربي هنا أسفل الجرف‏,‏ كلهم أموات‏..‏ والآن فلنمض معا‏..‏ وهكذا كان علي الفتاة أن تدفع ثمن جموح هوي التحدي المنفلت من مؤازرة كفاءة الاستضاءة الكاشفة للاحتمالات الطارئة‏.‏

استيقظت أسرة الفتاة صباحا تبحث عنها فلم تجدها‏,‏ تفحص الأب الأرض متتبعا الأثر‏,‏ فأدرك أنها ذهبت بعيدا مع جاموس‏,‏ فعقد عزمه علي الرحيل كي يستعيدها‏,‏ فحمل قوسه وسهامه وانطلق‏,‏ وفي أثناء سيره أدركه التعب‏,‏ فركن يستريح ويفكر فيما سيفعله‏..‏ اقترب منه غراب‏,‏ فسأله الأب عن ابنته‏,‏ فأخبره الغراب أن الفتاة توجد مع الجواميس في مكان قريب من مجلسه‏,‏ طلب إليه الأب أن يذهب إليها ويخبرها أنه ينتظرها‏..‏ طار الغراب واقترب من مكانها‏,‏ فوجد الجواميس نياما‏,‏ أما هي فكانت مشغولة بعمل ما‏..‏ دنا منها‏,‏ وأخبرها أن أباها في انتظارها بالقرب من مكانها‏,‏ ولأن الفتاة تري بعينيها ـ وبوضوح ـ الموقف المحيط بها‏,‏ لذا فإنها ـ علي الفور ـ أعلمت الغراب أن الأمر خطير‏,‏ إذ أن الجواميس سوف تقتلهما معا‏,‏ ورفضت الذهاب إلي أبيها في اللحظة الراهنة‏,‏ وفجأة استيقظ زوجها الجاموس العجوز‏,‏ وطلب إليها أن تذهب لتحضر له ماء‏..‏ وهناك عند المستنقع أمسكها والدها ليأخذها ويهربا معا‏,‏ فرفضت الفتاة الإذعان وواجهت أباها الذي تخشي عليه من القتل‏,‏ والأب يقوده جموح انفعاله وعاطفة أبوته‏,‏ فغيب الجموح عنه الحذر‏,‏ وصادر طاقة تصوره لمدي شراسة الخطر‏,‏ بل صار يدفعه ويورطه في معركة خاسرة‏,‏ فأخبرته الفتاة أن القطيع كله سوف يلحق بهما ويقتلهما‏,‏ ثم تركته وعادت أدراجها إلي القطيع‏,‏ وعند وصولها واجهها الجاموس العجوز زوجها بما اكتشفته من أنه يشتم رائحة دم أحد الهنود‏,‏ والفتاة تنفي‏,‏ والجاموس العجوز يؤكد أنه علي ثقة‏,‏ ثم راح يخور بكل ما لديه من قوة ليوقظ الجواميس كلها‏,‏ وتذهب مجتمعة في رقصة بطيئة وهي ترفع ذيولها‏,‏ فتسحق بأقدامها ذلك الرجل حتي الموت إلي أن تقطع إربا إربا واختفي تماما‏..‏ بكت الفتاة واعترفت أن القتيل أبوها‏,‏ وانبري الجاموس العجوز يسألها وماذا بشأننا نحن؟ أطفالنا‏,‏ وزوجاتنا‏,‏ وآباؤنا عند أسفل الجرف موتي وأنت تبكين أباك‏..‏ إذا كنت تستطيعين أن تعيدي أباك إلي الحياة‏,‏ فسوف أدعك تذهبين‏.‏

وهنا انتقل الموقف إلي مسار مختلف‏,‏ إذ تشكل هذه اللحظة الرهيبة مواجهة الهاوية الفاصلة بين الحكمة وبين الأمر الواقع‏,‏ فالحكمة تعني أن يلتقط الحكيم تلك البرهة السريعة التكوين والزوال‏,‏ والتي يتوقف علي التقاطها حدوث المنعطفات الحاسمة‏,‏ وهو ما كان علي الفتاة أن تدركه‏,‏ لكنها تحت وطأة الأمر الواقع المتمثل في موت أبيها‏,‏ تعذر عليها في لحظة انفعالها أن تطرح مسافة تنفس بين القيمة والواقعة‏,‏ ففي خضوعها لتأثير وانفعال تداعيات واقعة موت أبيها‏,‏ ثم في كشفها أمام الجواميس عن ملكتها وقدرتها علي استعادة الحياة للموتي‏,‏ وضعت الفتاة قيمة الحفاظ علي سلامة قبيلتها في خطر‏,‏ وأتاحت للجواميس أن يكون أمامهم كل الممتنع عن الفعل ممكنا‏,‏ ولأن الفتاة قد خاصمتها الحكمة كان لابد للمنعطف السالب أن يحدث‏,‏ إذ في عنفوان انفعالها التفتت إلي الغراب متوسلة إليه أن يبحث عن جزء صغير من بقايا أبيها المقتول‏..‏ وبعد بحث طويل عاد الغراب ومعه قطعة عظم واحدة صغيرة‏,‏ فأخذتها الفتاة ووضعتها علي الأرض‏,‏ وغطتها بوشاحها‏,‏ وراحت تغني طقس استعادة الحياة‏,‏ وهي أغنية سحرية لها قوة خارقة‏..‏ وفي الحال كان الأب تحت الوشاح‏,‏ فواصلت الغناء لمقاطع أخري‏,‏ فإذ بالأب يقف علي قدميه قبالتها‏,‏ والجواميس تعجب مما تراه‏.‏ وكانت اللحظة التي عاد الأب فيها إلي الحياة‏,‏ شاهدا علي تغيير خارطة اهتمام الجواميس تجاه وضع الفتاة‏,‏ حيث انفتحت أمامهم إمكانية استعادة موتاهم بواسطتها‏..‏ وفجأة قفزت الحقيقة السائدة عبر التاريخ بأن الفائز يأخذ كل شيء‏,‏ فعلي الفور قالت الجواميس للفتاة‏:‏ لماذا لا تفعلين ذلك من أجلنا؟ سوف نعلمك رقصتنا‏,‏ وعندما تقتلون عائلاتنا عليك أن تقومي بتلك الرقصة‏,‏ وتغني تلك الأغنية‏,‏ وبذلك سوف نحيا من جديد‏..‏ وتنتهي عند هذا الحد من السرد أسطورة الأقدام السوداء‏,‏ إحدي أساطير تراث الهنود‏,‏ السكان الأصليين لأمريكا‏..‏ لكن يبقي السؤال الذي يستوجبه اقتضاء طبيعة بنية الأحداث‏,‏ والذي لم تجب عنه الأسطورة‏,‏ وتركته بلا جواب‏,‏ كنوع من الإدراك المنقوص‏,‏ كي تقع علي القارئ أو السامع مهمة إنشاء المعني‏,‏ وفك اللغز المتروك‏,‏ اعتمادا علي أفق توقعات القارئ من خلال فهمه للأسطورة في إطار القوانين التي يعرفها‏..‏ والسؤال المنقوص الإجابة تتحدد صيغته في ضوء توقف أحداث الأسطورة عن الامتداد‏:‏ تري هل ستقبل الفتاة أن تظل مع الجواميس كي تمارس استعادة موتاهم للحياة بعد أن يقتلهم أهلها لتستمر دائرة الصراع الذي لا ينتهي‏,‏ وعندئذ لن يحصل أهلها علي طعامهم؟ أو تراها سترفض البقاء‏,‏ أيا كانت صورة هذا الرفض‏,‏ حماية لقيمة الحفاظ علي أهلها كي يستطيعوا أن يجدوا ما يؤمنون به احتياجاتهم‏,‏ ويمارسوا حياتهم‏,‏ ويستمر وجودهم؟

لكن السؤال المركزي العام المسكوت عنه في هذه الأسطورة‏,‏ هو سؤال الاجتهاد المفتوح علي لحظة إعادة النظر فيما أنتجته الأحداث في ضوء الأسباب التي ينظر من خلالها إلي نتائج الأحداث‏,‏ بإعمال المقارنة بين ما تحقق من أحداث‏,‏ وما كان ينبغي له أن يتحقق من أحداث مغايرة تأتي بنتائج مخالفة‏,‏ أي أن السؤال المركزي في أسطورة الأقدام السوداء هو السؤال الذي يفرض الاستدراك‏,‏ ويتبني اللجوء إلي المراجعة‏,‏ ويحاول الاسترداد بأن يطرح مستفسرا مستوضحا‏:‏ ما الذي أوصل مسار الأحداث إلي الموقف الخانق الذي تركته الأسطورة بلا جواب؟‏..‏ بمعني‏,‏ ما الذي أوصل الفتاة إلي اللحظة التي أصبح عندها من الصعب عليها مبارحتها عتبة مجتمع الجواميس إكراها‏..‏ وإلي الأبد؟
والإجابة ـ ببساطة ـ أن الفتاة بفقدانها توازنها الذهني افتقدت‏,‏ بانفعالها وجموحها‏,‏ الحكمة التي تنير أمامها الطريق‏,‏ وتحميها من التورط‏..‏ فإذا كانت الحكمة تعني القدرة علي التقاط تلك البرهة السريعة التكوين والزوال‏,‏ والتي يتوقف عليها حدوث المنعطفات الحاسمة والخطيرة‏,‏ فإن الفتاة لحظة أن عرض عليها الجاموس العجوز إطلاق سراحها‏,‏ إذا كان في مقدورها أن تعيد أبيها إلي الحياة‏,‏ لم تستطع أن تلتقط من تلك البرهة معني أنها في كشفها له عن ملكتها وقدرتها عمليا علي استعادة الحياة لأبيها‏,‏ ستظل أسيرة لديهم إلي الأبد‏,‏ بل الأكثر أهمية والأخطر‏,‏ أنها تجاوزت تقرير مصيرها الخاص إلي تقرير المصير العام لقبيلتها‏,‏ فقد غامرت بفعلتها وكشفها عن قدرتها بمصير أهلها‏,‏ وأغلقت بمغامرتها الأفق أمام مصالحهم العليا وخيرهم العام‏,‏ عندما افتقدت إشراقة الحكمة‏.‏

وإذا كانت الحكمة كما تحكي الأسطورة إحدي مسئوليات الإنسان تجاه نفسه‏..‏ فلا شك أنها ضرورة للنخبة‏,‏ ولكل أصحاب الأدوار الاجتماعية من يتصدون للشأن العام‏,‏ سواء بالقرار أو الكلمة‏,‏ بل قدر قيادة أي مجتمع كحماية من الجموح والمغامرة المنفلتة من تقديرات حسابات المدي الأبعد‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية