|
|
 |
من المشاهد الكلاسيكية المشهورة في السينما المصرية ذلك المشهد التقليدي للطبيب خارجا من غرفة العمليات مجهدا.. مرهقا وبعد تنهيدة حارة وبينما هو يخلع قفاز العمليات من يديه يقول للزوج الملهوف' كان لازم نضحي بالجنين علشان ننقذ الأم'! ولم يحدث مرة واحدة أن فكر طبيب واحد في أن يضحي بحياة الأم من أجل إنقاذ الجنين!!. فما بالك لو أن هذا الجنين كان مجرد فكرة!!. أو احتمال حمل!!. أو ربما حمل كاذب!!.
علي أي حال مالم يحاول طبيب واحد في الدنيا أن يفعله وهو أن يضحي بحياة الأم الموجودة من أجل الجنين المحتمل يجري اليوم تحقيقه في مجال التعليم تحت شعار المدارس التعاونية والذي من خلاله سوف نضحي بحياة الأم والجنين معا علشان الحكومة تعيش!! ذلك أنه بفضل مشروع المدارس التعاونية سوف نضحي والأمر لله بما تبقي من حاضر ومستقبل المدارس الحكومية.. ومن أجل سواد عيون المدارس التعاونية التي هي باختصار لمن يملك سبعة آلاف جنيه ـ بس ـ يدفعها مقدما من أجل قبول نجله في المدرسة التعاونية مقابل' صك' يسترد به المبلغ بعد تخرج ابنه من المدرسة بعون الله أي بعد مرور12 عاما علي الأقل!!. ومن يملك قيمة هذا' الصك' يقبل ابنه في المدرسة التعاونية التي ستقدم تعليما راقيا أشبه بتعليم كبار القادرين لأبنائهم في المدارس السياحية ذات الخمسة نجوم!!. مدرسون أكفاء.. وأعداد معقولة في الفصول.. وأنشطة تربوية.. ولغات أجنبية!!. وهي كلها غائبة عن مدارس الحكومة المسئولة عن تعليم الملايين من أطفال مصر الذين لايملك آباؤهم مبلغ الصك!!. ولأنهم لايملكون قيمة الصك المالي فإنه يتم' صكهم' علي رءوسهم!!. وسيكون من نتائج هذه المدارس التعاونية المزيد من التراجع في مستوي المدارس الحكومية!!. ثم نؤكد ـ رغم ذلك ـ وبكل ثقة استمرار شعار التعليم المتميز للجميع!!. بأمانة نسأل في ظل التعليم التعاوني' أبو فلوس' بالآلاف والذي سينضم إلي منظومة التعليم الخاص ومدارس اللغات والشهادات الأجنبية بكل لغات العالم.. هل نتوقع أن يقدم التعليم الحكومي خدمة مناظرة علي نفس المستوي أو حتي تقترب منه؟!.
هل نضحك علي أنفسنا أم نضحك علي الناس ونحن نحاول أن نصور للناس أننا نقدم التعليم المتميز للجميع وأن مدارس الحكومة في القري والنجوع والكفور بل وفي القاهرة نفسها قادرة علي تقديم الخدمة التعليمية المتميزة التي تقدم في المدارس' إياها'!. ولانكتفي بوجود هذه الفجوة بل نحاول تكريسها وتوسيعها وتعميقها بأن تلجأ الدولة نفسها إلي إنشاء مدارس متميزة بمسمي المدارس التعاونية وكأن القطاع الخاص لاسمح الله مقصر!! وكأن الوزارة لم تلاحظ طوفان المدارس الخاصة بل والمعاهد الخاصة التي أغرقت كل مكان في مصر لتؤكد أن تجارة التعليم تحولت إلي تجارة شديدة الربحية وغير قابلة للبوار!!. نقول كأن الوزارة لم تلاحظ هذا الطوفان من المدارس الخاصة للقادرين فأرادت أن تزيد من هذا الطوفان بإنشاء مدارس تعاونية لأنصاف القادرين من فئة سبعة آلاف جنيه فقط لاغير!!
المؤلم والمؤسف والمضحك معا أن القضية تحمل أكثر من مفارقة منها: ـ إن جميع من يشاركون بهمة في ترويج هذا المشروع الذي يهدد استمرار مجانية التعليم وأحلام نهضة المدرسة الحكومية تلقوا تعليمهم في مدارس الحكومة وترعرعوا ونعموا بمجانية التعليم وهي التي أقعدتهم علي كراسي السلطة والله وحده يعلم ماذا كان مصيرهم لو لم يكن التعليم مجانا.. ومع ذلك ورغم أنهم مدينون للتعليم الحكومي المجاني بوصولهم إلي مقاعد المسئولية فإن ذلك لم يمنعهم من تبني محاولة الالتفاف علي هذه المجانية. وتنكروا لمدارس الحكومة التي منحتهم الشهادة والمكانة..
ـ أن محاولة سابقة مازالت قائمة اسمها المدارس التجريبية حين أسهمت الدولة بنفسها في إنشاء مدارس متميزة يتم التدريس بها باللغات الأجنبية وتوفر خدمة تعليمية أفضل قليلا من مدارس الحكومة وكانت النتائج مزيدا من تدهور المدارس الحكومية وهانحن مرة أخري نعيد تكرار التجربة.. دون أن نسأل أنفسنا: لماذا؟.
ـ إن مصر تقدم اليوم العديد من المستويات في الخدمة التعليمية من خلال سلم متعدد الدرجات.. بداية هذا السلم من أسفل حيث مستوي الخدمة التعليمية يتمثل في المدارس الحكومية ثم سلمة أعلي وهي المدارس التجربيبة ثم سلالم المدارس الخاصة والمدارس الأجنبية.. ومن داخل كل سلمة من هذه السلالم عدة درجات فمدارس الحكومة لاتتساوي مع بعضها البعض وكذلك الحال في باقي المدارس.
ـ إن أصحاب الترويج لمشروع المدارس التعاونية يغلفونه بطبقة من السكر تقول باختصار إن تنفيذ هذا المشروع في حقيقته هو لمصلحة الغلابة إبناء مدارس الحكومة الذين سوف تتفرغ لهم الدولة ـ إن شاء الله ـ بعد أن تزيح عن كاهلها عبء تعليم ابناء القادرين والذين سوف يهرولون علي عجل الي المدارس التعاونية.. وتخلو أماكنهم لابناء غير القادرين, متجاهلين عن عمد أن ابناء القادرين لايلجأون الي مدارس الحكومة لان لديهم عشرات الآلاف من المدارس الخاصة وان ابناء مدارس الحكومة دخلوها لأنه ليس أمامهم سواها!!
يبقي في النهاية أننا نسجل موقفنا من باب إبراء الذمة وإدمان وجع القلب برغم أننا علي ثقة في أن أي كلام في هذا الموضوع أو غيره لن يقدم أو يؤخر وأن المشروع سوف ينفذ ضد كل اعتراضات الدنيا ولله الأمر من قبل ومن بعد.. |
|
|
|
|
|