|
|
 |
سوف يذكر التاريخ للرئيس حسني مبارك, أعمالا ومواقف كثيرة, ومن بينها جميعا سيكون بعث مكتبة الإسكندرية من الرماد أكثرها بقاء وشموخا, ولا يعود ذلك الي المبني وما فيه من روائع ثقافية وعلمية ومعرفية, إنما الي المعني وما فيه مما هو عظيم لمصر الوطن والتاريخ, وكان إحساسي بذلك قويا للغاية في العاشر من يناير الماضي, عندما كان مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية, يستضيف ورشة عمل في الثغر, الذي صار جميلا عن العلاقات بين مصر وإيران وتركيا, وفي نهاية الورشة وقبل العودة الي القاهرة, أخذنا ضيوفنا الي جولة في المكتبة العظيمة, التي هي تحفة معمارية بكل المقاييس, وبعد الزيارة همست لي عالمة السياسة الإيرانية وهي تفيض إعجابا بما شاهدته: إنني أحسدكم, فأنتم تبنون المكتبات بينما نحن نقوم ببناء الصواريخ, وهكذا لخصت السيدة الجليلة الأمر كله بين الاختيارات المتنوعة, التي تقع علي عاتق بلادنا حيث أصبح الاختيار هو بناء الحضارة. وبكلمات أكثر دقة, فإن ما جري من إقامة مكتبة الاسكندرية لا يقل إطلاقا عن بعث كامل لصرح عظيم, كان يمكن أن ينضم الي كثير من الذكريات التاريخية, والآثار الحفرية, التي لا يبقي منها إلا الظلال والأطلال لمجد غابر راح وانتهي, ولكن المجد يمكن أن يعود ويولد من جديد حال استنفار الإرادة الإنسانية ودفعها بالتصميم لإعادة خلق ما ضاع وفق ظروف العالم والدنيا المتغيرة, وللحق أن بعث المكتبة جاء كما لو كان تلبية لجزء حائر من الشخصية المصرية كاد يضيع تحت الرماد, فليس سرا أن روح مصر شكلتها ووضع حدودها ثلاثة أنواع من المياه: مياه النيل, التي حملت طمي الخير لتقيم الوادي والدلتا, وظلت علي مدي السنين تروي وتمد الناس بضرورات الحياة والبقاء, ومياه البحر الأحمر والتي من فوقها ومن أمامها من خلال جسر سيناء, أعطت لمصر تواصلها الجغرافي مع الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية, ومنذ القرن السابع الميلادي, أعطاها الإسلام العروبة, ومياه البحر الأبيض المتوسط, الذي كان جسرا للحضارة المصرية القديمة وآلهتها في طيبة ومنف الي اليونان, ومن هذه الأخيرة الي بقية العالم حتي الوصول الي الحضارة الحديثة.
وليس سرا أيضا, أنه خلال العقود الأخيرة, فإن مياه البحر الأحمر طغت علي كل ما عداها من مياه, فصلات مصر الإفريقية تواضعت من حيث الاهتمام والتركيز, أما صلاتها المتوسطية وامتداداتها الأطلنطية أصبحت موطنا للتوجس والعداء, وكان ذلك اختلالا غير محمود في الروح والشخصية المصرية, فلا جدال أن العروبة والإسلام والحضارة المنبثقة عنهما يشكلان العمود الفقري للتركيبة الثقافية والنفسية والحضارية الحالية, ومع ذلك فإن المصريين كانوا منتمين لهذه الحضارة طوال تاريخها الزاهر, بأكثر مما كانوا مشاركين فيها, ومنذ قام عمرو بن العاص بفتح مصر وحتي تولي محمد نجيب حكمها, لم يحكمها مصري واحد, وعندما كانت جيوش العرب العظيمة تعبر أرض الكنانة في طريقها لفتح المغرب ومن بعده الأندلس, تحت قيادة عقبة بن نافع, وغيره من القيادات العسكرية الفذة, فإننا لا نجد من بينها قائدا أو حتي جنديا مصريا واحدا, وفي الوقت الذي يستمع فيه المصري الي أقوال الدعاة من أول الشيخ يوسف القرضاوي في قناة الجزيرة القطرية, وحتي الشيخ عمرو خالد في قناة اقرأ السعودية, ويشعر معهم بالزهو والفخر لما أنجزته الفتوح العربية الاسلامية من منجزات حضارية كبري في العلم والتكنولوجيا, فإنه لن يجد ـ إلا فيما ندر وفي استثناءات قليلة ـ مساهمات مصرية ملموسة.
وبشكل ما لم يكن ذلك جديدا علي التاريخ المصري, فقبل سبعة قرون من الفتح العربي, كانت الحضارة المصرية القديمة قد وصلت الي منتهاها, وأضحت بقاياها في العصر البطلمي رمادا زادته الحرائق المتتابعة لمكتبة الاسكندرية رمادا آخر, وعندما احترقت لآخر مرة منذ1600 عام, كان الانتماء للحضارات وليس المشاركة فيها قد صار تقليدا مصريا غير حميد, ولذا فإنه عندما يفتتح العالم بعد يومين المكتبة مرة أخري, فإن الأمر من الناحية التاريخية لن يقل أبدا عن إعادة الروح للبعد المتوسطي في الحضارة المصرية, وهو البعد الذي ظل دائما مدينا للانجاز المصري المعماري والتكنولوجي والروحي بدين كبير, وعندما قيل في العالم إن مصر هي أم الدنيا فقد كان مقصودا أن الحضارة اليونانية الهيلينية التي منها انبثقت الحضارة الغربية والحضارة العالمية الحديثة كلها, لم تكن لتقوم لولا الحضارة المصرية القديمة, وكانت مكتبة الاسكندرية التي فيها اجتمعت كل علوم ومعارف الأقدمين من أول بناء الأهرامات علي هضبة الجيزة, وحتي معابد أبوسمبل فيما وراء نيل أسوان, وغيرها من الشواهد المصرية العظيمة, هي أيضا التي اجتمعت فيها كل منجزات الدنيا المعروفة في ذلك الوقت, وفي الوقت الذي كان عدد سكان مدينة الاسكندرية لايزيد علي200 ألف نسمة, فإن عدد المخطوطات والقطع العلمية المختلفة كانت قد وصلت الي900 ألف, وهو معدل بين المعرفة والبشر لم تلحق به مدينة أو بلد حتي الآن.
عودة هذا البعد المتوسط, من خلال بعث مكتبة الاسكندرية, بعد أسابيع من استعادته من خلال وثيقة الحزب الوطني الديمقراطي عن مصر والعالم لم يكن ممكنا أبدا دون أن تمر مصر بعقدين كاملين, لأول مرة منذ أكثر من ألفي عام, ليس فقط دون حاكم أجنبي ولكن أيضا دون احتلال أجنبي من نوع آخر, فمصر الحرة وحدها والمتحكمة في مصيرها, هي وحدها التي تستطيع استكشاف الأبعاد المختلفة لتاريخها وشخصيتها وروحها أيضا, وهي وحدها التي تستطيع إقامة الجسور والقنوات ـ وهو ما حدث حرفيا ـ بين مياه النيل ومياه البحرين الأحمر والأبيض, وبعد أن شقت الطرق عبر الصحراء الغربية الي الاسكندرية والعلمين ومطروح, وأعيد بعث المدينة التاريخية مرة أخري بعد موات طال لما يقرب من نصف قرن, ووصل المصريون مرة أخري لكي يعمروا الساحل الشمالي ويستحموا في حمامات كليوباترا, وتطأ أقدامهم رمال سيوة, أصبح ممكنا إقامة المكتبة وبعث فكرتها من جديد. ولم يكن ذلك عملية سهلة, فلم تكن المشكلة فقط محاولات قوي كبري وعظمي الاستيلاء علي هذه الإرادة, بل أيضا ان بعضا من المصريين كان علي استعداد لوضع مصير مصر وشعبها وحضارتها رهنا بإرادات وقرارات جماعات سياسية لم يحدث أن أخذت بلدا آخر في طريق غير التهلكة والتخلف والاحتلال, ولكن لحسن الحظ أن هذه الجماعات العالية الصوت, والقوية الحنجرة, لم تنجح, وبقيت مصر حرة ليس فقط من الاحتلال الأجنبي, إنما أيضا حرة في التفكير للالتحام بالقطاع المتقدم من العالم المعاصر.
ومن هنا, فإن مكتبة الاسكندرية ليست فقط بعثا للماضي وحضارته, التي اعتبرها بعضنا في السابق نوعا من المساخيط, واستعادة للبعد المتوسطي في الشخصية المصرية, بل أنها بالتأكيد إطلاقة وإشراقة علي المستقبل, ولعله سوف يكون في ذلك كثير من المبالغة اذا انتهي دور المكتبة عند مبناها دون معناها, أو بدا وكأن دورها هو منافسة أجهزة ومؤسسات للعمل الثقافي في البلاد, أو توهم البعض أنها حاملة لمياه البحر المتوسط لكي تغير مياه النيل العذبة, لكي تكون مالحة, أو تغمر مياه البحر الأحمر وتبقيه علي حافة صحراء العرب!, فعلي العكس فإن المكتبة ينبغي أن تكون بداية لا نهاية, جسرا وليس فاصلا, ربطا وليس قصما بين المياه والحضارات, والأبعاد المختلفة لشخصية مصر وروحها. وبعد يومين, وعندما يجتمع القادة والزعماء من كل أنحاء العالم لافتتاح مكتبة الإسكندرية, سوف يكون بوسعنا جميعا الفخر أننا نعطي البشرية المعرفة وليس الصواريخ, والتسامح وليس الكراهية, والسلام وليس الحرب, وقد لا يكون ذلك هو حال الدنيا في هذه الحقبة المضطربة من تاريخ العالم, ولكن مصر في تاريخ العالم رسالة, وربما لا تكون رسالتها لنفسها ولأهلها أقل أهمية من رسالتها الي بقية الدنيا, ففي النهاية فإن رسالة المعرفة والعلم والتسامح والسلام كلها تولد علي ذات الأرض التي ولد بها موسي, ولجأ إليها المسيح, وتزوج منها محمد صلي الله عليه وسلم.
يبقي بعد ذلك, أن مصر مدينة للعالم الذي ساهم بحماس بالغ بالمال والأفكار والتصميم في بناء المكتبة, وهي رسالة لكل المنغلقين علي أنفسهم أن العالم يريدنا شريكا وليس تابعا, ولكن مصر مدينة أيضا لأبنائها الذين أنجزوا المهمة, للرئيس مبارك, الذي ستصير المكتبة واحدة من علامات عصره, والدكتور إسماعيل سراج الدين الذي كشف عن ثروة مصر العظمي للعاملين والعلماء المصريين في الخارج, الذي أعطي للمكتبة خبرته وجعلها صرحا عالميا, والدكتور المهندس ممدوح حمزة الذي ساهم في إقامة معجزة هندسية جديرة بمصر... مبروك!!. |
|
|
|
|
|