ملفات الأهرام

42315‏السنة 126-العدد2002اكتوبر14‏8 من شعبان 1423 هـالأثنين

بعث مكتبة الإسكندرية‏..!‏
بقلم : د‏.‏ عبدالمنعم سعيد

سوف يذكر التاريخ للرئيس حسني مبارك‏,‏ أعمالا ومواقف كثيرة‏,‏ ومن بينها جميعا سيكون بعث مكتبة الإسكندرية من الرماد أكثرها بقاء وشموخا‏,‏ ولا يعود ذلك الي المبني وما فيه من روائع ثقافية وعلمية ومعرفية‏,‏ إنما الي المعني وما فيه مما هو عظيم لمصر الوطن والتاريخ‏,‏ وكان إحساسي بذلك قويا للغاية في العاشر من يناير الماضي‏,‏ عندما كان مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية‏,‏ يستضيف ورشة عمل في الثغر‏,‏ الذي صار جميلا عن العلاقات بين مصر وإيران وتركيا‏,‏ وفي نهاية الورشة وقبل العودة الي القاهرة‏,‏ أخذنا ضيوفنا الي جولة في المكتبة العظيمة‏,‏ التي هي تحفة معمارية بكل المقاييس‏,‏ وبعد الزيارة همست لي عالمة السياسة الإيرانية وهي تفيض إعجابا بما شاهدته‏:‏ إنني أحسدكم‏,‏ فأنتم تبنون المكتبات بينما نحن نقوم ببناء الصواريخ‏,‏ وهكذا لخصت السيدة الجليلة الأمر كله بين الاختيارات المتنوعة‏,‏ التي تقع علي عاتق بلادنا حيث أصبح الاختيار هو بناء الحضارة‏.‏
وبكلمات أكثر دقة‏,‏ فإن ما جري من إقامة مكتبة الاسكندرية لا يقل إطلاقا عن بعث كامل لصرح عظيم‏,‏ كان يمكن أن ينضم الي كثير من الذكريات التاريخية‏,‏ والآثار الحفرية‏,‏ التي لا يبقي منها إلا الظلال والأطلال لمجد غابر راح وانتهي‏,‏ ولكن المجد يمكن أن يعود ويولد من جديد حال استنفار الإرادة الإنسانية ودفعها بالتصميم لإعادة خلق ما ضاع وفق ظروف العالم والدنيا المتغيرة‏,‏ وللحق أن بعث المكتبة جاء كما لو كان تلبية لجزء حائر من الشخصية المصرية كاد يضيع تحت الرماد‏,‏ فليس سرا أن روح مصر شكلتها ووضع حدودها ثلاثة أنواع من المياه‏:‏ مياه النيل‏,‏ التي حملت طمي الخير لتقيم الوادي والدلتا‏,‏ وظلت علي مدي السنين تروي وتمد الناس بضرورات الحياة والبقاء‏,‏ ومياه البحر الأحمر والتي من فوقها ومن أمامها من خلال جسر سيناء‏,‏ أعطت لمصر تواصلها الجغرافي مع الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية‏,‏ ومنذ القرن السابع الميلادي‏,‏ أعطاها الإسلام العروبة‏,‏ ومياه البحر الأبيض المتوسط‏,‏ الذي كان جسرا للحضارة المصرية القديمة وآلهتها في طيبة ومنف الي اليونان‏,‏ ومن هذه الأخيرة الي بقية العالم حتي الوصول الي الحضارة الحديثة‏.‏

وليس سرا أيضا‏,‏ أنه خلال العقود الأخيرة‏,‏ فإن مياه البحر الأحمر طغت علي كل ما عداها من مياه‏,‏ فصلات مصر الإفريقية تواضعت من حيث الاهتمام والتركيز‏,‏ أما صلاتها المتوسطية وامتداداتها الأطلنطية أصبحت موطنا للتوجس والعداء‏,‏ وكان ذلك اختلالا غير محمود في الروح والشخصية المصرية‏,‏ فلا جدال أن العروبة والإسلام والحضارة المنبثقة عنهما يشكلان العمود الفقري للتركيبة الثقافية والنفسية والحضارية الحالية‏,‏ ومع ذلك فإن المصريين كانوا منتمين لهذه الحضارة طوال تاريخها الزاهر‏,‏ بأكثر مما كانوا مشاركين فيها‏,‏ ومنذ قام عمرو بن العاص بفتح مصر وحتي تولي محمد نجيب حكمها‏,‏ لم يحكمها مصري واحد‏,‏ وعندما كانت جيوش العرب العظيمة تعبر أرض الكنانة في طريقها لفتح المغرب ومن بعده الأندلس‏,‏ تحت قيادة عقبة بن نافع‏,‏ وغيره من القيادات العسكرية الفذة‏,‏ فإننا لا نجد من بينها قائدا أو حتي جنديا مصريا واحدا‏,‏ وفي الوقت الذي يستمع فيه المصري الي أقوال الدعاة من أول الشيخ يوسف القرضاوي في قناة الجزيرة القطرية‏,‏ وحتي الشيخ عمرو خالد في قناة اقرأ السعودية‏,‏ ويشعر معهم بالزهو والفخر لما أنجزته الفتوح العربية الاسلامية من منجزات حضارية كبري في العلم والتكنولوجيا‏,‏ فإنه لن يجد ـ إلا فيما ندر وفي استثناءات قليلة ـ مساهمات مصرية ملموسة‏.‏

وبشكل ما لم يكن ذلك جديدا علي التاريخ المصري‏,‏ فقبل سبعة قرون من الفتح العربي‏,‏ كانت الحضارة المصرية القديمة قد وصلت الي منتهاها‏,‏ وأضحت بقاياها في العصر البطلمي رمادا زادته الحرائق المتتابعة لمكتبة الاسكندرية رمادا آخر‏,‏ وعندما احترقت لآخر مرة منذ‏1600‏ عام‏,‏ كان الانتماء للحضارات وليس المشاركة فيها قد صار تقليدا مصريا غير حميد‏,‏ ولذا فإنه عندما يفتتح العالم بعد يومين المكتبة مرة أخري‏,‏ فإن الأمر من الناحية التاريخية لن يقل أبدا عن إعادة الروح للبعد المتوسطي في الحضارة المصرية‏,‏ وهو البعد الذي ظل دائما مدينا للانجاز المصري المعماري والتكنولوجي والروحي بدين كبير‏,‏ وعندما قيل في العالم إن مصر هي أم الدنيا فقد كان مقصودا أن الحضارة اليونانية الهيلينية التي منها انبثقت الحضارة الغربية والحضارة العالمية الحديثة كلها‏,‏ لم تكن لتقوم لولا الحضارة المصرية القديمة‏,‏ وكانت مكتبة الاسكندرية التي فيها اجتمعت كل علوم ومعارف الأقدمين من أول بناء الأهرامات علي هضبة الجيزة‏,‏ وحتي معابد أبوسمبل فيما وراء نيل أسوان‏,‏ وغيرها من الشواهد المصرية العظيمة‏,‏ هي أيضا التي اجتمعت فيها كل منجزات الدنيا المعروفة في ذلك الوقت‏,‏ وفي الوقت الذي كان عدد سكان مدينة الاسكندرية لايزيد علي‏200‏ ألف نسمة‏,‏ فإن عدد المخطوطات والقطع العلمية المختلفة كانت قد وصلت الي‏900‏ ألف‏,‏ وهو معدل بين المعرفة والبشر لم تلحق به مدينة أو بلد حتي الآن‏.‏

عودة هذا البعد المتوسط‏,‏ من خلال بعث مكتبة الاسكندرية‏,‏ بعد أسابيع من استعادته من خلال وثيقة الحزب الوطني الديمقراطي عن مصر والعالم لم يكن ممكنا أبدا دون أن تمر مصر بعقدين كاملين‏,‏ لأول مرة منذ أكثر من ألفي عام‏,‏ ليس فقط دون حاكم أجنبي ولكن أيضا دون احتلال أجنبي من نوع آخر‏,‏ فمصر الحرة وحدها والمتحكمة في مصيرها‏,‏ هي وحدها التي تستطيع استكشاف الأبعاد المختلفة لتاريخها وشخصيتها وروحها أيضا‏,‏ وهي وحدها التي تستطيع إقامة الجسور والقنوات ـ وهو ما حدث حرفيا ـ بين مياه النيل ومياه البحرين الأحمر والأبيض‏,‏ وبعد أن شقت الطرق عبر الصحراء الغربية الي الاسكندرية والعلمين ومطروح‏,‏ وأعيد بعث المدينة التاريخية مرة أخري بعد موات طال لما يقرب من نصف قرن‏,‏ ووصل المصريون مرة أخري لكي يعمروا الساحل الشمالي ويستحموا في حمامات كليوباترا‏,‏ وتطأ أقدامهم رمال سيوة‏,‏ أصبح ممكنا إقامة المكتبة وبعث فكرتها من جديد‏.‏
ولم يكن ذلك عملية سهلة‏,‏ فلم تكن المشكلة فقط محاولات قوي كبري وعظمي الاستيلاء علي هذه الإرادة‏,‏ بل أيضا ان بعضا من المصريين كان علي استعداد لوضع مصير مصر وشعبها وحضارتها رهنا بإرادات وقرارات جماعات سياسية لم يحدث أن أخذت بلدا آخر في طريق غير التهلكة والتخلف والاحتلال‏,‏ ولكن لحسن الحظ أن هذه الجماعات العالية الصوت‏,‏ والقوية الحنجرة‏,‏ لم تنجح‏,‏ وبقيت مصر حرة ليس فقط من الاحتلال الأجنبي‏,‏ إنما أيضا حرة في التفكير للالتحام بالقطاع المتقدم من العالم المعاصر‏.‏

ومن هنا‏,‏ فإن مكتبة الاسكندرية ليست فقط بعثا للماضي وحضارته‏,‏ التي اعتبرها بعضنا في السابق نوعا من المساخيط‏,‏ واستعادة للبعد المتوسطي في الشخصية المصرية‏,‏ بل أنها بالتأكيد إطلاقة وإشراقة علي المستقبل‏,‏ ولعله سوف يكون في ذلك كثير من المبالغة اذا انتهي دور المكتبة عند مبناها دون معناها‏,‏ أو بدا وكأن دورها هو منافسة أجهزة ومؤسسات للعمل الثقافي في البلاد‏,‏ أو توهم البعض أنها حاملة لمياه البحر المتوسط لكي تغير مياه النيل العذبة‏,‏ لكي تكون مالحة‏,‏ أو تغمر مياه البحر الأحمر وتبقيه علي حافة صحراء العرب‏!,‏ فعلي العكس فإن المكتبة ينبغي أن تكون بداية لا نهاية‏,‏ جسرا وليس فاصلا‏,‏ ربطا وليس قصما بين المياه والحضارات‏,‏ والأبعاد المختلفة لشخصية مصر وروحها‏.‏
وبعد يومين‏,‏ وعندما يجتمع القادة والزعماء من كل أنحاء العالم لافتتاح مكتبة الإسكندرية‏,‏ سوف يكون بوسعنا جميعا الفخر أننا نعطي البشرية المعرفة وليس الصواريخ‏,‏ والتسامح وليس الكراهية‏,‏ والسلام وليس الحرب‏,‏ وقد لا يكون ذلك هو حال الدنيا في هذه الحقبة المضطربة من تاريخ العالم‏,‏ ولكن مصر في تاريخ العالم رسالة‏,‏ وربما لا تكون رسالتها لنفسها ولأهلها أقل أهمية من رسالتها الي بقية الدنيا‏,‏ ففي النهاية فإن رسالة المعرفة والعلم والتسامح والسلام كلها تولد علي ذات الأرض التي ولد بها موسي‏,‏ ولجأ إليها المسيح‏,‏ وتزوج منها محمد صلي الله عليه وسلم‏.‏

يبقي بعد ذلك‏,‏ أن مصر مدينة للعالم الذي ساهم بحماس بالغ بالمال والأفكار والتصميم في بناء المكتبة‏,‏ وهي رسالة لكل المنغلقين علي أنفسهم أن العالم يريدنا شريكا وليس تابعا‏,‏ ولكن مصر مدينة أيضا لأبنائها الذين أنجزوا المهمة‏,‏ للرئيس مبارك‏,‏ الذي ستصير المكتبة واحدة من علامات عصره‏,‏ والدكتور إسماعيل سراج الدين الذي كشف عن ثروة مصر العظمي للعاملين والعلماء المصريين في الخارج‏,‏ الذي أعطي للمكتبة خبرته وجعلها صرحا عالميا‏,‏ والدكتور المهندس ممدوح حمزة الذي ساهم في إقامة معجزة هندسية جديرة بمصر‏...‏ مبروك‏!!.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية