ملفات الأهرام

42315‏السنة 126-العدد2002اكتوبر14‏8 من شعبان 1423 هـالأثنين

المعني والوسائل
بقلم : د‏.‏ عمرو هاشم ربيع

يعتبر الإصلاح من المفاهيم الأساسية في مجال النظم السياسية المقارنة‏,‏ ومما لاشك فيه‏,‏ أن مفهوم الإصلاح كغيره من مفاهيم العلوم الاجتماعية‏,‏ عادة ما ينظر له بالقياس الي نظائره من المفاهيم الأخري‏,‏ وفي هذا الصدد‏,‏ فإن مفهوم الإصلاح يناظر مفهومي التغيير والاستمرار‏,‏ وعلي حين يعتبر مفهوم الإصلاح‏,‏ من المفاهيم التي توحي بالتحول البطيء والتدرج‏,‏ فإم مفهوم التغيير يشير الي الانقلاب‏,‏ والسرعة والشمول‏,‏ أما الاستمرار‏,‏ فيعني بقاء الأوضاع علي ما هي عليه بحلوها ومرها‏.‏
وكما لا يعني التغيير بالضرورة اللجوء نحو الأفضل‏,‏ وكما لا يعني الإصلاح دائما الوصول الي الأصلح‏,‏ فإن الاستمرار لا يعني دائما الاستقرار‏,‏ فعلي عكس ما يراه عالم السياسة صمويل هنتنجتون‏,‏ في أن الاستقرار أحد أهم ملامح المؤسسية‏,‏ فإن الواقع يشير الي أن الاستقرار قد يؤدي الي الركود‏,‏ وفي هذا الصدد‏,‏ يشار علي سبيل المثال لا الحصر‏,‏ الي أحكام المحكمة الدستورية العليا‏,‏ التي حكمت بعدم دستورية ثلاثة مجالس تشريعية هي مجالس‏1984,‏ و‏1987,‏ و‏1995,‏ وقد كانت استجابة القيادة السياسية لهذه الأحكام مؤشرا علي أن التغيير في هذه الحالة يدعم الاستقرار‏,‏ وأن عدم استجابة السلطة التنفيذية كان سيؤدي حقيقة الي الاستمرار‏,‏ لكن بالمعني السلبي‏,‏ أي الركود‏.‏

وكثيرا ما يثور الجدل بين أمرين في خضم الحديث عن الإصلاح‏,‏ وهما الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي‏,‏ وعادة ما يحدث ذلك في مراحل تطور النظم السياسية‏,‏ فهناك دعاة أسبقية الإصلاح الاقتصادي علي الاصلاح السياسي‏,‏ ويستند هؤلاء الي تجارب النمور الآسيوية‏,‏ والتي قامت فيها النظم السياسية لهذه البلدان بتحقيق التقدم الاقتصادي المذهل الذي تحقق‏,‏ وبعد ذلك بدأت في مسيرة الاصلاح السياسي‏,‏ أما المنطق الثاني‏,‏ فيشير الي أسبقية الاصلاح السياسي علي الاقتصادي‏,‏ وإن كانت لاتوجد تجارب كثيرة في هذا الصدد‏,‏ وعلي العكس من ذلك‏,‏ فإن منطق التواكب بين الإصلاحين السياسي والاقتصادي له نماذج بارزة وعلي رأسه النموذج الهندي‏,‏ الذي استطاع المزاوجة بين الأمرين في بيئة تمور بالصراعات الداخلية والخارجية‏.‏
وواقع الأمر‏,‏ فإن الحديث عن هذا الأمر في مصر قد تجاوزته الظروف المحيطة بالواقع المصري الي حد كبير‏,‏ فالإصلاح الاقتصادي سار منذ بداية التجربة الحزبية الثالثة عام‏1976‏ بخطي متسارعة‏,‏ فعقب الانفتاح الاقتصادي الذي سبق تلك التجربة عام‏1974‏ انطلق القطاع الخاص نحو الاستثمار في معظم المجالات‏,‏ ثم بدأت مرحلة التثبيت الاقتصادي منذ عام‏1991,‏ والتي واكبها تحرير سعر الصرف وبدء برنامج الخصخصة في الممتلكات التابعة للمحليات‏,‏ ثم بدأت منذ عام‏1995‏ مرحلة إعادة الهيكلة‏,‏ ومن ثم الخصخصة الكاملة لقطاعات واسعة من المؤسسات والهيئات العامة‏,‏ وعلي هذا الأساس‏,‏ أصبح من المتاح حاليا طرق أبواب الاصلاح السياسي‏,‏ وذلك بمنطق التدرج الذي دعت إليه القيادة السياسية‏,‏ وتمت خطواته الأولي بمؤتمر الحوار الوطني في منتصف التسعينيات‏,‏ ومحاولات الاصلاح التي بدأت داخل بعض الأحزاب وعلي رأسها ما يحدث داخل الحزب الوطني الديمقراطي من إصلاح منذ عامين‏.‏

وبطبيعة الحال‏,‏ فإن هناك أمورا أخري تتعلق بالإصلاح السياسي وترتبط بالبيئة الخارجية‏,‏ فهناك بداية انهيار الكتلة الاشتراكية في العقد الأخير من القرن الماضي‏,‏ الأمر الذي حتم الحديث عن الاصلاح في الأبنية والهياكل المؤسسية ذات الطابع الاشتراكي‏,‏ وفي هذا الإطار‏,‏ طال التغيير أحد الأحزاب المصرية‏(‏ حزب التجمع‏),‏ كما أن هناك مناخ العولمة الذي برز منذ نهاية هذا العقد‏,‏ وما أسفر عنه من نمو الوعي العام بضرورة إحداث الاصلاح في مجالات متعددة سياسية وغير سياسية‏,‏ خاصة أن هذا المناخ ارتبط بنمو ثورة الاتصالات والمعرفة والتعليم والقضاء علي الأمية‏..‏الخ‏.‏
أما بالنسبة الي أثر أحداث‏11‏ سبتمبر عند حديث الكثيرين في النظم السياسية المختلفة عن الاصلاح السياسي‏,‏ فلا يبدو أن هذه الأحداث تسهم في ذلك‏,‏ بل علي العكس‏,‏ إنها ربما تسهم في الارتداد‏,‏ أو علي الأقل بقاء الأمور علي حالها‏,‏ وهو ما حدث بالفعل‏,‏ ليس فقط داخل بعض النظم السياسية التي غيرت مناهج التعليم‏,‏ وقوضت حق التعبير‏,‏ بل وداخل الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ التي حدت من حرية انتقال الأشخاص‏,‏ وسعت الي تثبيت حكم العسكر في دولة كباكستان‏,‏ وأطلقت العنان لشارون لضرب مؤسسات الكيان الفلسطيني الوليد وسط اجماع دولي علي رفض سياستها‏,‏ ليس هذا فحسب‏,‏ بل يمكن القول إن خطي الاصلاح داخل بعض الأبنية والمؤسسات السياسية في مصر‏,‏ قد تمت قبل أحداث سبتمبر‏,‏ وفي هذا الشأن يشار الي الإشراف القضائي علي الانتخابات عام‏2000,‏ ومحاولات رأب الصدع داخل الحزب الناصري‏,‏ والتحولات التي جرت داخل حزب التجمع‏,‏ والإعلان عن اختيار قيادات الحزب الوطني علي المستوي المحلي بأسلوب جديد‏,‏ كل هذه الأمور تمت قبل أحداث‏11‏ سبتمبر‏.‏

ومما لاشك فيه‏,‏ أن هناك وسيلتين أساسيتين للاصلاح السياسي‏,‏ الإصلاح القانوني والإصلاح الثقافي‏,‏ فبالنسبة للإصلاح القانوني‏,‏ فهو أسهل الطرق لتحقيق الإصلاح‏,‏ وهو يرمي الي تغيير النصوص‏,‏ وهو يتوقف علي إرادة المشرع القانوني وحده في تحقيق الاصلاح بعد دراسة الهدف منه‏,‏ والآمال المرجو تحقيقها من جرائه‏.‏
أما الوسيلة الثانية‏,‏ فهي الإصلاح الثقافي‏,‏ وتعني تغيير جملة المفاهيم والمبادئ والقيم الموجودة في ذهن المواطن والراسخة عبر زمن طويل‏,‏ حول عملية الإصلاح‏,‏ وفي هذا الصدد يرتبط الاصلاح بمجالات عديدة‏,‏ منها أخلاقيات المواطن في علاقته بغيره وبالممتلكات العامة والأمور المرتبطة بالنظام والنظافة‏,‏ وهذه الأخلاقيات تتسم بسيادة منطق الفهلوة والتزييف‏,‏ وفي بعض الأحيان اللجوء الي الجريمة وأعمال التزوير والنصب والفساد خاصة في مجال الأعمال‏,‏ وهناك مجال دور التعليم‏,‏ ووسيلة ايصال المعلومة عبر آلة التلقين والحشو غير الديمقراطية‏,‏ مما أثر علي أخلاقيات المواطن آنفة الذكر‏,‏ لأنه هو مخرج العملية التعليمية المشوهة بداية‏,‏ وهناك مجال دواوين الادارات الحكومية المختلفة‏,‏ التي تعتمد علي المركزية المطلقة في عملها‏,‏ مما يعوق العمل الإداري‏,‏ ويسهم في تركيز السلطة‏.‏

ويحتاج منطق الاصلاح الثقافي الي وقت طويل‏,‏ فعلي عكس الاصلاح السياسي عبر القوانين‏,‏ الذي يحتاج لمجرد تشريعات‏,‏ فإن الثقافات كقيم يحتاج تغييرها الي وقت طويل‏,‏ وتضافر لجهد كبير من جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية بدءا من الأسرة ومرورا بالمدرسة‏,‏ وانتهاء بوسائل الإعلام ودور العبادة والأحزاب السياسية‏,‏ ومن هنا يأتي مربط المشكلة في الاصلاح السياسي‏,‏ فالمواطن اعتاد أن يتعرض للقهر‏,‏ كما هو موثق في التراث الفرعوني والعربي‏,‏ وهو ذاته يمارسه بمجرد أن تتاح له الفرصة‏,‏ لم يعد له‏(‏ خاصة الشباب‏)‏ هدف محدد أو هوية‏,‏ أو حزمة من القيم والمبادئ المتفق عليها‏,‏ كل الأمور تتداخل وتلتبس لديه‏,‏ حتي الرموز لم تعد علي حالها‏,‏ فأبطال اليوم هم خونة الغد‏,‏ وخونة الأمس هم أبطال اليوم‏.‏
لقد كان هناك أمل كبير في إحداث إصلاح سياسي حقيقي وفاعل في المنظومة الثقافية لدي المواطن المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر‏,‏ لولا مجيء الاحتلال البريطاني الذي عوق تلك العملية بأثرها‏,‏ ففي هذه الآونة نقل الخديو إسماعيل الذي كان مولعا بكل ما هو غربي‏,‏ نموذجا ديمقراطيا إيجابيا‏,‏ حيث تكون برلمان جديد للمرة الأولي في مصر عام‏1866,‏ وشرع قانون انتخاب أتي بنص لا مثيل له في عالم اليوم‏..‏ وهو نص لا يشير فقط لحتمية أن يكون المرشح يجيد القراءة والكتابة‏,‏ بل ألزم الناخبين أن يكونوا كذلك‏,‏ ثم جاء دستور شريف باشا الذي انتزع نزعا من الحاكم‏,‏ وكان بمثابة ثورة في مجال التوازن بين سلطات الدولة‏,‏ وقد جمد هذا الدستور بعد العمل به لأيام‏,‏ حيث بدأ الاحتلال البريطاني‏,‏ وعندما بدأت تنقشع الغمة مع قرب جلاء الاحتلال سعيا نحو تهذيب التجربة الحزبية التي شابتها صراعات كثيرة إبان الحقبة شبه الليبرالية عقب عام‏1923,‏ جاءت حقبة أخري‏,‏ ودخلت مصر في مسار مختلف‏,‏ نتيجة أيضا للظروف الخارجية التي فرضها الوجود الصهيوني وما خلفه من حرب خاسرة عام‏1948,‏ وقد ساهم ذلك في تعطيل عملية الاصلاح السياسي عقودا أخري‏.‏

وعلي أية حال‏,‏ فإن الوقت لم يمر بعد والفرصة مازالت مواتية‏,‏ خاصة في ذلك الوقت‏,‏ أما بشأن مجالات الاصلاح السياسي فهي متعددة وكثيرة‏,‏ ومنها اصلاح النظام الحزبي القائم‏,‏ الذي أسفر بعد مرور نحو‏25‏ عاما‏,‏ وخلف‏17‏ حزبا‏,‏ عن تجميد نحو سبعة أحزاب‏,‏ مزقتها الصراعات الداخلية‏,‏ وقوضتها القوانين القائمة‏,‏ وهناك الإصلاح في النظام الانتخابي‏,‏ الذي دعت له القيادة السياسية أخيرا‏,‏ سعيا لإعادة إنعاش الأحزاب السياسية‏,‏ وذلك بإيجاد طرق أخري للانتخاب تتلافي عدم الدستورية‏,‏ ويمكن أن يضاف الي هذا الاصلاح‏,‏ تحقيق الإشراف القضائي علي كل العملية الانتخابية وليس فقط علي عملية الاقتراع ونقل الصناديق وفرز الأصوات‏,‏ كما أن هناك الاصلاح داخل المؤسسة التشريعية‏,‏ وهو اصلاح يجب أن يبدأ بتشكيل بنية العضوية في مجلس الشعب‏,‏ التي تعتبر واحدة من أهم مراحلها القضاء علي الطعون الانتخابية‏,‏ عبر تشريع قانون يمنع الاستشكال علي أحكام المحاكم بإلغاء إعلان فوز مرشح ما لصالح آخر‏,‏ وهي الاستشكالات التي يقدمها المطعون في قرار فوزهم قبل حلف اليمين‏.‏
وهكذا‏,‏ تتعدد عمليات وخطي التحول‏,‏ وهي جميعها تصب في خانة الاصلاح التدريجي الممنهج‏,‏ وليس التغيير العشوائي المرتجل‏,‏ وبطبيعة الحال‏,‏ إن مثل هذه الخطوة تعيد الي النظام السياسي حيويته‏,‏ وتكمل ما يسعي الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم لتحقيقه علي الصعيد الداخلي‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية