يعتبر الإصلاح من المفاهيم الأساسية في مجال النظم السياسية المقارنة, ومما لاشك فيه, أن مفهوم الإصلاح كغيره من مفاهيم العلوم الاجتماعية, عادة ما ينظر له بالقياس الي نظائره من المفاهيم الأخري, وفي هذا الصدد, فإن مفهوم الإصلاح يناظر مفهومي التغيير والاستمرار, وعلي حين يعتبر مفهوم الإصلاح, من المفاهيم التي توحي بالتحول البطيء والتدرج, فإم مفهوم التغيير يشير الي الانقلاب, والسرعة والشمول, أما الاستمرار, فيعني بقاء الأوضاع علي ما هي عليه بحلوها ومرها. وكما لا يعني التغيير بالضرورة اللجوء نحو الأفضل, وكما لا يعني الإصلاح دائما الوصول الي الأصلح, فإن الاستمرار لا يعني دائما الاستقرار, فعلي عكس ما يراه عالم السياسة صمويل هنتنجتون, في أن الاستقرار أحد أهم ملامح المؤسسية, فإن الواقع يشير الي أن الاستقرار قد يؤدي الي الركود, وفي هذا الصدد, يشار علي سبيل المثال لا الحصر, الي أحكام المحكمة الدستورية العليا, التي حكمت بعدم دستورية ثلاثة مجالس تشريعية هي مجالس1984, و1987, و1995, وقد كانت استجابة القيادة السياسية لهذه الأحكام مؤشرا علي أن التغيير في هذه الحالة يدعم الاستقرار, وأن عدم استجابة السلطة التنفيذية كان سيؤدي حقيقة الي الاستمرار, لكن بالمعني السلبي, أي الركود.
وكثيرا ما يثور الجدل بين أمرين في خضم الحديث عن الإصلاح, وهما الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي, وعادة ما يحدث ذلك في مراحل تطور النظم السياسية, فهناك دعاة أسبقية الإصلاح الاقتصادي علي الاصلاح السياسي, ويستند هؤلاء الي تجارب النمور الآسيوية, والتي قامت فيها النظم السياسية لهذه البلدان بتحقيق التقدم الاقتصادي المذهل الذي تحقق, وبعد ذلك بدأت في مسيرة الاصلاح السياسي, أما المنطق الثاني, فيشير الي أسبقية الاصلاح السياسي علي الاقتصادي, وإن كانت لاتوجد تجارب كثيرة في هذا الصدد, وعلي العكس من ذلك, فإن منطق التواكب بين الإصلاحين السياسي والاقتصادي له نماذج بارزة وعلي رأسه النموذج الهندي, الذي استطاع المزاوجة بين الأمرين في بيئة تمور بالصراعات الداخلية والخارجية. وواقع الأمر, فإن الحديث عن هذا الأمر في مصر قد تجاوزته الظروف المحيطة بالواقع المصري الي حد كبير, فالإصلاح الاقتصادي سار منذ بداية التجربة الحزبية الثالثة عام1976 بخطي متسارعة, فعقب الانفتاح الاقتصادي الذي سبق تلك التجربة عام1974 انطلق القطاع الخاص نحو الاستثمار في معظم المجالات, ثم بدأت مرحلة التثبيت الاقتصادي منذ عام1991, والتي واكبها تحرير سعر الصرف وبدء برنامج الخصخصة في الممتلكات التابعة للمحليات, ثم بدأت منذ عام1995 مرحلة إعادة الهيكلة, ومن ثم الخصخصة الكاملة لقطاعات واسعة من المؤسسات والهيئات العامة, وعلي هذا الأساس, أصبح من المتاح حاليا طرق أبواب الاصلاح السياسي, وذلك بمنطق التدرج الذي دعت إليه القيادة السياسية, وتمت خطواته الأولي بمؤتمر الحوار الوطني في منتصف التسعينيات, ومحاولات الاصلاح التي بدأت داخل بعض الأحزاب وعلي رأسها ما يحدث داخل الحزب الوطني الديمقراطي من إصلاح منذ عامين.
وبطبيعة الحال, فإن هناك أمورا أخري تتعلق بالإصلاح السياسي وترتبط بالبيئة الخارجية, فهناك بداية انهيار الكتلة الاشتراكية في العقد الأخير من القرن الماضي, الأمر الذي حتم الحديث عن الاصلاح في الأبنية والهياكل المؤسسية ذات الطابع الاشتراكي, وفي هذا الإطار, طال التغيير أحد الأحزاب المصرية( حزب التجمع), كما أن هناك مناخ العولمة الذي برز منذ نهاية هذا العقد, وما أسفر عنه من نمو الوعي العام بضرورة إحداث الاصلاح في مجالات متعددة سياسية وغير سياسية, خاصة أن هذا المناخ ارتبط بنمو ثورة الاتصالات والمعرفة والتعليم والقضاء علي الأمية..الخ. أما بالنسبة الي أثر أحداث11 سبتمبر عند حديث الكثيرين في النظم السياسية المختلفة عن الاصلاح السياسي, فلا يبدو أن هذه الأحداث تسهم في ذلك, بل علي العكس, إنها ربما تسهم في الارتداد, أو علي الأقل بقاء الأمور علي حالها, وهو ما حدث بالفعل, ليس فقط داخل بعض النظم السياسية التي غيرت مناهج التعليم, وقوضت حق التعبير, بل وداخل الولايات المتحدة الأمريكية, التي حدت من حرية انتقال الأشخاص, وسعت الي تثبيت حكم العسكر في دولة كباكستان, وأطلقت العنان لشارون لضرب مؤسسات الكيان الفلسطيني الوليد وسط اجماع دولي علي رفض سياستها, ليس هذا فحسب, بل يمكن القول إن خطي الاصلاح داخل بعض الأبنية والمؤسسات السياسية في مصر, قد تمت قبل أحداث سبتمبر, وفي هذا الشأن يشار الي الإشراف القضائي علي الانتخابات عام2000, ومحاولات رأب الصدع داخل الحزب الناصري, والتحولات التي جرت داخل حزب التجمع, والإعلان عن اختيار قيادات الحزب الوطني علي المستوي المحلي بأسلوب جديد, كل هذه الأمور تمت قبل أحداث11 سبتمبر.
ومما لاشك فيه, أن هناك وسيلتين أساسيتين للاصلاح السياسي, الإصلاح القانوني والإصلاح الثقافي, فبالنسبة للإصلاح القانوني, فهو أسهل الطرق لتحقيق الإصلاح, وهو يرمي الي تغيير النصوص, وهو يتوقف علي إرادة المشرع القانوني وحده في تحقيق الاصلاح بعد دراسة الهدف منه, والآمال المرجو تحقيقها من جرائه. أما الوسيلة الثانية, فهي الإصلاح الثقافي, وتعني تغيير جملة المفاهيم والمبادئ والقيم الموجودة في ذهن المواطن والراسخة عبر زمن طويل, حول عملية الإصلاح, وفي هذا الصدد يرتبط الاصلاح بمجالات عديدة, منها أخلاقيات المواطن في علاقته بغيره وبالممتلكات العامة والأمور المرتبطة بالنظام والنظافة, وهذه الأخلاقيات تتسم بسيادة منطق الفهلوة والتزييف, وفي بعض الأحيان اللجوء الي الجريمة وأعمال التزوير والنصب والفساد خاصة في مجال الأعمال, وهناك مجال دور التعليم, ووسيلة ايصال المعلومة عبر آلة التلقين والحشو غير الديمقراطية, مما أثر علي أخلاقيات المواطن آنفة الذكر, لأنه هو مخرج العملية التعليمية المشوهة بداية, وهناك مجال دواوين الادارات الحكومية المختلفة, التي تعتمد علي المركزية المطلقة في عملها, مما يعوق العمل الإداري, ويسهم في تركيز السلطة.
ويحتاج منطق الاصلاح الثقافي الي وقت طويل, فعلي عكس الاصلاح السياسي عبر القوانين, الذي يحتاج لمجرد تشريعات, فإن الثقافات كقيم يحتاج تغييرها الي وقت طويل, وتضافر لجهد كبير من جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية بدءا من الأسرة ومرورا بالمدرسة, وانتهاء بوسائل الإعلام ودور العبادة والأحزاب السياسية, ومن هنا يأتي مربط المشكلة في الاصلاح السياسي, فالمواطن اعتاد أن يتعرض للقهر, كما هو موثق في التراث الفرعوني والعربي, وهو ذاته يمارسه بمجرد أن تتاح له الفرصة, لم يعد له( خاصة الشباب) هدف محدد أو هوية, أو حزمة من القيم والمبادئ المتفق عليها, كل الأمور تتداخل وتلتبس لديه, حتي الرموز لم تعد علي حالها, فأبطال اليوم هم خونة الغد, وخونة الأمس هم أبطال اليوم. لقد كان هناك أمل كبير في إحداث إصلاح سياسي حقيقي وفاعل في المنظومة الثقافية لدي المواطن المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, لولا مجيء الاحتلال البريطاني الذي عوق تلك العملية بأثرها, ففي هذه الآونة نقل الخديو إسماعيل الذي كان مولعا بكل ما هو غربي, نموذجا ديمقراطيا إيجابيا, حيث تكون برلمان جديد للمرة الأولي في مصر عام1866, وشرع قانون انتخاب أتي بنص لا مثيل له في عالم اليوم.. وهو نص لا يشير فقط لحتمية أن يكون المرشح يجيد القراءة والكتابة, بل ألزم الناخبين أن يكونوا كذلك, ثم جاء دستور شريف باشا الذي انتزع نزعا من الحاكم, وكان بمثابة ثورة في مجال التوازن بين سلطات الدولة, وقد جمد هذا الدستور بعد العمل به لأيام, حيث بدأ الاحتلال البريطاني, وعندما بدأت تنقشع الغمة مع قرب جلاء الاحتلال سعيا نحو تهذيب التجربة الحزبية التي شابتها صراعات كثيرة إبان الحقبة شبه الليبرالية عقب عام1923, جاءت حقبة أخري, ودخلت مصر في مسار مختلف, نتيجة أيضا للظروف الخارجية التي فرضها الوجود الصهيوني وما خلفه من حرب خاسرة عام1948, وقد ساهم ذلك في تعطيل عملية الاصلاح السياسي عقودا أخري.
وعلي أية حال, فإن الوقت لم يمر بعد والفرصة مازالت مواتية, خاصة في ذلك الوقت, أما بشأن مجالات الاصلاح السياسي فهي متعددة وكثيرة, ومنها اصلاح النظام الحزبي القائم, الذي أسفر بعد مرور نحو25 عاما, وخلف17 حزبا, عن تجميد نحو سبعة أحزاب, مزقتها الصراعات الداخلية, وقوضتها القوانين القائمة, وهناك الإصلاح في النظام الانتخابي, الذي دعت له القيادة السياسية أخيرا, سعيا لإعادة إنعاش الأحزاب السياسية, وذلك بإيجاد طرق أخري للانتخاب تتلافي عدم الدستورية, ويمكن أن يضاف الي هذا الاصلاح, تحقيق الإشراف القضائي علي كل العملية الانتخابية وليس فقط علي عملية الاقتراع ونقل الصناديق وفرز الأصوات, كما أن هناك الاصلاح داخل المؤسسة التشريعية, وهو اصلاح يجب أن يبدأ بتشكيل بنية العضوية في مجلس الشعب, التي تعتبر واحدة من أهم مراحلها القضاء علي الطعون الانتخابية, عبر تشريع قانون يمنع الاستشكال علي أحكام المحاكم بإلغاء إعلان فوز مرشح ما لصالح آخر, وهي الاستشكالات التي يقدمها المطعون في قرار فوزهم قبل حلف اليمين. وهكذا, تتعدد عمليات وخطي التحول, وهي جميعها تصب في خانة الاصلاح التدريجي الممنهج, وليس التغيير العشوائي المرتجل, وبطبيعة الحال, إن مثل هذه الخطوة تعيد الي النظام السياسي حيويته, وتكمل ما يسعي الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم لتحقيقه علي الصعيد الداخلي.
موضوعات أخرى |