الكتاب

42049‏السنة 126-العدد2002يناير21‏7 ذوالقعدة 1422 هــالأثنين

العولمة والثقافة
‏..‏والعودة إلي الكويت‏!!‏
بقلم‏:‏ د‏.‏ مصطفي عبد الغني

‏..‏ إن من يزور الكويت هذه الأيام يلحظ انه مع برودة الطقس والهواء البارد ثمة سخونة في القلوب والعقول تسيطر علي الجو العام بشكل كبير‏.‏
وهذه المشاعر لانجدها في الكويت وحسب وإنما تمتد آثارها بشكل أو بأخر إلي بقية أقطار الخليج العربي‏,‏ بل إلي اطراف الجزيرة العربية كلها‏.‏

بعد العودة
كان الفرح يعم الجميع في انتظار عودة أمير البلاد من لندن حيث يتلقي العلاج بعد‏117‏ يوما وكانت الإدارات المحلية والصحف والمجالس النيابية والمؤتمرات الثقافية‏..‏ الخ تشغل كثيرا بانتظار عودة الأميري في صفحات كاملة أو بإعلانات مدفوعة أوبمناقشات مجلس الأمة التي لايختفي منها طيف الأمير أو ـ حتي ـ في تعليق الزينات والحديث عن اجازات عودة الأمير عاد الأمير بالفعل الثلاثاء الماضي
ورغم هذا كله كان المتأني عند المناخ العام والهابط إلي اطراف الدواوين واطراف الصحف البعيدة يلحظ هذا الواقع العربي المشحون بقلق ما‏,‏ قلق مابعد عاصفة مانهاتن حيث سيطرت عسكرة العولمة علي جميع نواحي الكرة الأرضية‏,‏ وحتي هذا الجزء الصغير من الارض العربية‏.‏

كان العم سام يحرك خيوط الاحداث بما يلقي في تأكيد آليات تحريك سياسته الجديدة في العالم كله‏,‏ ليس من أفغانستان وحسب وإنما بين أفغانستان ومانهاتن‏,‏ وها نحن في الكويت جزء منه‏.‏
كان قضاء هذا الوقت الطويل في الكويت‏,‏ والتنقل إلي أكثر من مكان والتعرف علي أكثر من حادثة‏,‏وحضور أكثر من ندوة أو مؤتمر أو أمسية‏..‏ هو مامنحني هذا الانطباع الذي جئت به الذي يتأكد الآن من وصول القلق العربي هنا وهناك في أقصاه‏.‏

‏(2)‏
كانت الصحف تزخر بأحداث بدت عامة لكنها لم تخل من تفسير هذا الواقع‏,‏ فقد كانت ثمة تيارات فكرية تغلي في الواقع‏,‏ وكانت الخلافات في مجلس الأمة تصل إلي اقصاها من آن لآخر‏,‏ وكانت الأحداث السياسية تعلو فتخرج عن المؤتمرات والحفلات الثقافية النشيطة هذه الفترة بمناسبة انتهاء الاحتفال باختيار الكويت عاصمة ثقافية للبلاد‏.‏
كان علينا أن نطالع في اية صحيفة مثل هذه الاخبار‏:‏

الشيخ الصباح يؤكد‏:‏ لم يصلنا رسميا طلب تجميد أرصدة التراث‏,‏ وكان يقصد الاشاعة التي طارت هنا وهناك أن جهات ما راحت ـ عبر سياسة العسكرة ـ تطالب بتجميد أرصدة جمعيات إحياء التراث‏.‏
ـ دول الامارات منعت دخول عدد كبير من دخول اراضيها‏.‏

ـ السلطات الأمريكية قطعت شوطا في العمل لإنشاء إذاعة عربية موجهة إلي الشباب العربي‏,‏ ويرجح انها تباشر عملها قريبا من دبي‏.‏
ـ وفد من الكونجرس الأمريكي ومسئول بالخارجية يزورون البلاد قريبا‏.‏

ـ العود إلي اثارة اجتماع مجلس التعاون الخليجي وملابساته مامعني هذا؟
وبالطبع كانت هناك بعض القضايا العامة الأخري التي تشغل الرأي العام بشكل كبير‏.‏

فكما تركت في القاهرة الضجة العالية حول مجتمع الحاج متولي وطغيان منطق الذكورة وغضب النساء‏,‏ كذلك لم يختف هذا الرمز في الكويت‏,‏ وان أضيفت إليه بعض الصفات الاخري التي شغل بها المجتمع الكويتي‏,‏ التي تحاول أن ترسم القشرة العالية الغالبة للأعمدة والمقالات في كثير من الصحف‏;‏ فمع الحاج متولي وجدت ضجة ضخمة اخري حول أحد الشباب من الخطباء الذي جاء من مصر وألقي محاضرة أسهب فيها للجماهير الغفيرة زاروا البلاد وشغلوا في خطبتهم الدينية بأخبار للرد والهجوم بعنف علي من يهاجم هذه الظاهرة‏.‏
كان أحد الخطباء البارعين قد جاء ونزل إلي احد ديوانيات الكويت‏,‏ وراح وهو انيق الملبس صبوح الوجه يلقي خطبته عن كيفية فهم الآخرة فأبكي الجميع‏,‏ واصبح الجميع في شغل شاغل بهذا الخطيب النابهة‏,‏ وصفته احدي الكاتبات في صحيفة الطليعة بأنه شاب انيق‏,‏ حليق جدا‏,‏ الثغ‏,‏ يشد قلوب مستمعيه‏,‏ ويأسر ألبابهم والمتاهبة للسبي بحديثه اللين‏,‏ والخفيف علي النفس‏,‏ يتجنب حديث السياسة وشراك الفتوي‏,‏ يذكر فقط‏,‏ يذكر النساء بعذاب القبور‏,‏ والشباب بالحور العين‏..‏ إلي آخر مارصدت له نشمي مهنا‏,‏ كانت الأصوات التي تهاجمه قليلة‏,‏ وكانت الاصوات التي تهاجم من يهاجم هذا الداعية ـ وهي الأغلبية ـ ترفض ان يستمر أحد في توجيه نقده إليه بأية حال‏.‏

غير ان هذا الخطيب الانيق كانت تسبقه وتلحق به احداث اخري كثيرة تعكس تشتت الواقع العربي ـ في الكويت كما في الخليج كما في الجزيرة‏,‏ كما في الوطن العربي ـ وسوف أشير إلي بعض هذه الاحداث ودلالة التعقيبات عليها لنري صورة الكويت وثقافته في عصر ما بعد مانهاتن‏.‏
إننا نعيش اليوم في زمن ليس غريبا عما سبقه‏,‏ وإنما يتسلل منه ليفسر لنا هذا الواقع اليوم‏.‏

‏(3)‏
كان مجلس الأمة في الديرة يواجه اختلافات كثيرة بين أفراده‏,‏ وينعكس فيه صراعات تعكس في الظاهر خلافات عميقة تحت قبته‏.‏
فالإسلاميون والليبراليون يهاجم بعضهم بعضا‏.‏

وكتاب المقالات الكبيرة واجهزتنا الإ علامية المعولمة خلال بعض اعضائه تعود باللوم علينا لأسباب كثيرة بدت تتكاثر فجأة في عصر راح فيه المندوب الأمريكي الذي يدور في المنطقة يتحدث عن الجمعيات الدينية وطرق التعليم الديني‏..‏ الخ‏.‏
كانت أكثر القضايا التي تطرح في عصر العولمة مايهدد مؤتمر القمة العربي الذي دعي إليه في مارس المقبل‏,‏ كانت الانتقادات والتصريحات المتوالية قد صدرت عن بعض التيارات اللبنانية ضد زيادة العقيد أو لحضوره لمؤتمر القمة بسبب اختفاء الأمام موسي الصدر منذ سنوات‏,‏ وتصريح العقيد بأنه يمكن نقل مؤتمر القمة من بيروت إلي دولة المقر ـ القاهرة‏..‏ فوجدت هنا‏,‏ في الكويت‏,‏ ردود فعل واسعة‏..‏ ويلاحظ هنا ان الصحف الكويتية اهتمت كثيرا بهذا الموقف‏,‏ وخصصت له مساحات كبيرة‏,‏ فقد كان من يعارض زيارة القذافي من الشيعة‏,‏ واهتمت الصحف أن تبرز ماجاء في وكالة رويتر حين قال ابن موسي الصدر بعد تصريح طويل‏..‏ الوحدة العربية هي من أحلام الصدر‏..‏

سألت نفسي ما السبب الذي يجعل الصحف تشارك في هذه القضية الآن وتعرض لها في تلك الملابسات‏.‏ كانت الاجابة تتردد هنا وهناك ان هذا الموقف يؤدي إلي تأثير سلبي كبير ليس فقط علي مكان عقد القمة والتضامن العربي‏,‏ وانما ايضا علي المصلحة العربية في هذه الظروف‏.‏
ثم كانت قضية اجتماع مجلس التعاون الخليجي مازالت مثارة‏,‏ لم يحل الأمر البعض من الاشادة باجتماع المجلس والهجوم عليه من البعض الآخر‏,‏ فالوحدة التي نتحدث عنها في أي مجلس عربي ـ ونحن نقرأ هذا الآن في الكويت ـ لايزيد علي المسألة الأمنية فقط حتي ان افتتاحية إحدي الصحف الكويتية راحت تقول وتكرر‏...‏ ان الوحدة المنشودة هي وحدة أمنية لاغير تسبق من خلال اتفاقية محكمة اطلق عليها اسم‏(‏ الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون الخليجي‏)‏ وظل المجلس عاجزا عن تنفيذ مهمته‏(‏ الجليلة‏),‏ هذه بسبب وجود دولة وحيدة وهي الكويت من بين اعضائه لها دستور مكتوب يمنع تمرير الاتفاقيات دون مصادقة مجلس الأمة‏..‏ ولانريد ان نكمل‏,‏ فإذا كان التعرض للمجلس مرة بالمدح‏,‏ فلتعرض له مرات كان بالقدرح‏,‏ بيد أن ذلك في نهاية الأمر يشير إلي ان ضرورة التنبه إلي مايحدث من قلق وعدم اتفاق خالص بين الأقطار الخليجية ـ علي الأقل ـ في زمن العولمة‏..‏ عولمة الأمن‏,‏ وعسكرة الثقافة‏.‏

وإلي هذا كان الحديث عن جمعية إحياء التراث لايتوقف‏,‏ وهو حديث يذكرنا بالدور الذي يلعبه العم سام هذه الحقبة‏,‏ وهو دور يشبه قضية صراع أو صدام الحوار بين الحضارات التي سبق وان أشرنا إليها لمرات من قبل‏,‏ فالجماعات الدينية تخترق المؤسسات الحكومية في كل البلدان‏,‏ وهي تقوم ـ من وجهة نظـر اصولية ـهكذا ـ بالتحالف مع سلطاتها ومهادنة هذه السلطات الخارجة خاصة علي المؤسسات الحكومية الرسمية وعلي وجه أخص علي سياسة الولايات المتحدة الأمريكية‏..‏ إلي غير ذلك مما يثار‏,‏ ومازال في كثير من الأقطار العربية‏.‏
ومما يخلط بين الثقافة والسياسة والدين والمصالح والقوة والغطرسة في صيغة جديد أو واقع أمني غربي جديدة لايخدم إلا الشمال‏/‏الغرب فقط‏.‏

وتتعدد القضايا وتحدد في هذه الخلط بين السياسي والثقافي أو بين الدين والمصلحة‏..‏ إلي غير ذلك من الثنائيات التي احسن نسجها الغرب ضدنا‏,‏ وسقطنا معها في الفخ الذي نصب لنا في بساطة شديدة‏..‏
وكانت الضحية في جميع الحالات انتفاء التماسك القومي العربي في وقت مازلنا نعيش فيه ضجة اليورو والوحدة الأوروبية ووحدة النافتا وجماعة الاسيان التي سبقنا نحن قبلها بسنوات التبشير بالوحدة الاقتصادية علي الأقل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية