الكتاب

42049‏السنة 126-العدد2002يناير21‏7 ذوالقعدة 1422 هــالأثنين

الهوس الجنوني‏!!‏
بقلم : د‏.‏ فوزي فهمي

في الولايات المتحدة الأمريكية تنتشر سلسلة مطاعم تسمي مطاعم ديني‏,‏ التحقت بأحد هذه المطاعم في كولومبيا بكارلولينا الجنوبية‏,‏ سيلفيا سكيتر‏,‏ حيث عينت في وظيفة مدير مناوب بعد أن كانت ضابطا في الجيش الأمريكي‏,‏ وفي ظهيرة أحد الأيام دخل لتناول الطعام مجموعة من الزبائن السود تتكون من اسقف وقس واثنين من المنشدين الدينيين‏,‏ وظلوا مدة طويلة ينتظرون دون أن تأتيهم إحدي المضيفات‏.‏ وتصف سيلفيا سكيتر المضيفات بأنهن كن ينظرن إلي الزبائن السود واضعات أيديهن في خصورهن‏,‏ ويواصلن الحديث فيما بينهن‏,‏ كما لو أن هؤلاء الزبائن السود ـ الذين يجلسون علي مقربة ـ غير موجودين البتة‏.‏ هذا الاحتشاد بالعناد الجارح الذي لا تتواري أسبابه‏,‏ أثار سخط سيلفيا سكيتر فواجهت المضيفات بأن سلوكهن يصنف ضمن المحظورات‏,‏ احتكاما إلي ضوابط المرجعيات‏,‏ وشكت إلي رئيس العمل‏,‏ الذي بدوره لم يبد استنكاره لفاعلي السلوك‏,‏ بل لم يبال متوسلا بالمكر المقنع‏,‏ ليطرح أن ميزان تعاملهن مع السود تحكمه غلبة التيار الذي نشأن عليه‏,‏ وأنه لن يستطيع أن يجعلهن يعدلن من سلوكهن‏.‏ عندئذ لطمت هذه الشحنة من الاستخفاف سيلفيا سكيتر فكادت تغوص في مراراتها‏,‏ لكنها علي الفور استقالت‏:‏ ذلك أنها أيضا كانت سوداء‏!!‏

وفي قضية التميز العنصري الشهيرة‏,‏ كانت سيلفيا سكيتر واحدة من بين كثير من الفئات التي قدمت شهاداتها ضد التعصب المطهد للسود‏,‏ والمنتشر في سلسلة مطاعم ديني علي مستوي الفروع والضواحي‏,‏ كغلاة المتشددين ضد السود‏,‏ حيث فضحت مذكرة الادعاء وقائع الإهانات المتعددة التي حدثت دون أي اعتبار لحالات الضعف البشري التي تستوجب التعاطف الإنساني‏.‏ أيا كانت الفروق والاعراق‏,‏ مثل حالة الفتاة السوداء المقعدة بشلل في ساقيها‏,‏ والتي تركت إلي ساعة متأخرة من المساء تنتظر علي كرسيها المتحرك دون أن تأتيها وجبتها‏,‏ وأيضا تلك الوقائع التي تكشف عن الاستهانة بمهام حياة السود‏,‏ وتوضح ممارسة المكاييل المزدوجة‏,‏ كيدا وإغاظة ومحاصرة‏,‏ كتأثيم للوجود الحياتي للسود‏,‏ مثل واقعة الرجال السبعة السود‏,‏ أفراد القوات الخاصة للحراسة السرية لرئيس الولايات المتحدة‏,‏ والذين كانوا في طريقهم إلي تأمين زيارة الرئيس بيل كلينتون للأكاديمية البحرية الأمريكية في أنا بوليس‏,‏ حيث تركوا في انتظار وجبتهم‏,‏ في حين أنه تم انجاز الخدمة سريعا للزبائن البيض علي المنضدة المقابلة‏.‏
تضمنت مذكرة الإدعاء تفاصيل الوقائع التي أشارت إلي مصفوفات تعاقب الحيل‏,‏ وتوالي تقنيات المكر الكاشفة عن التعصب ضد السود في سلسلة مطاعم ديني حيث تفضحه ساليب تردي الخدمة والامتناع عنها‏,‏ واتباع طرائق رخيصة ومستفزة لمنعها‏,‏ مثل طلب حساب الوجبات مقدما من الزبائن السود فقط‏,‏ ورفض إقامة حفلات أعياد الميلاد العامة لهم وأيضا إغلاق الأبواب وأدعاء الانتهاء من العمل عند قدوم مجموعة من الزبائن السود‏,‏ وغيرذلك من الإجراءات التي تعكس ما لدي الأمريكي الأبيض من عمق الارتياب في الآخر الأسود المغاير‏,‏ والزهو بالامتياز عنه‏,‏ والذي تولد منهما التربص المضاد المستوطن لمضيق المواجهة دون اتزان‏,‏ حيث يتناسل بينهما علي الدوام التهديد والصدام‏.‏

حسمت القضية الموقف بصدور حكم التعويض بمبلغ‏54‏ مليون دولار تدفعها مطاعم ديني إلي آلاف من السود الذين تعرضوا للإهانات‏,‏ وانتهكت إنسانيتهم وحريتهم بفعل المضايقات والمنع والامتناع‏,‏ وكل ما نال من حرمات الحق المباح للسود‏,‏ وفقا لقائمة مرجعيات الحقوق والحريات‏,‏ ولا شك أن حكم القضاء جاء كإجراء يستهدف رفع التناقضات وحل المواجهة‏,‏ وأيضا كخطاب كاشف عن مقاصد العقل الرسمي الأمريكي العام‏,‏ الذي ما انفك يغالب تيار عوائق انصهار ثقافة مجتمع الفسيفساء‏,‏ بغية رأب صدع تناقضات جرثومة التناحر الثقافي‏,‏ واستنفارها للضغائن‏,‏ وتحريضها علي المواجهات‏.‏

صحيح أن القناعات الثقافية عصية علي القوانين والأحكام‏,‏ إذ حماية المجتمع الأمريكي من التوجسات والقلق والخوف من الآخر لا تتحقق بالقرارات والأحكام‏,‏ لذا فإنه استدراكا لمؤشر الإنصاف الذي جاء نتيجة التوسط المؤسسي‏,‏ عاكسا توجهات العقل الأمريكي الرسمي العام‏,‏ كقرار مملي من طرف الممارسة المؤسسية‏,‏ بإدخال جماعات الأقليات في علاقات قوي المجتمع الأمريكي‏,‏ واستئصال عنصرية التفكير‏,‏ تعزيزا لحقوق المواطنة ذات الطابع التعددي حفاظا علي كيان المجتمع واستقراره‏,‏ نجد أن المشهد العام لدي إدارة مطاعم ديني قد تغير‏,‏ إذ تبدل موقع منظور تعاملها مع جمهور السود‏,‏ مستهدفا ضرورة الحرص علي تجاوز التعصب‏,‏ وما ينتجه من أفكار وتصورات تراهن علي ضرر السود‏.‏ لكن لأن حل التناقضات يجب أن يتلاءم مع الأوضاع وقيم الناس الثقافية‏,‏ إذ هو رهين التعامل مع عادات الذهن وممارساته‏,‏ وقوالب الفهم وأدواته‏,‏ بمعني ضرورة التوجه إلي الممتنعات لدي الناس من داخلهم‏,‏ لذلك نظمت الإدارة في هذه المطاعم جلسات وندوات للنقاش حول فوائد الخدمة التي تساوي بين الأعراق المختلفة‏,‏ حضرها كل مستخدميها وعامليها وقياداتها‏,‏ كنوع من ممارسة منطق تحويل إدارة المشاعر في مجري الواقع اليومي‏,‏ ولتحريرها من نزعات التعصب‏,‏ حتي أصبحت هذه الندوات سمة التدريبات الخدمية في كل الشركات الأمريكية‏,‏ ولأن مجال الاشتغال الأهم والأشمل في المجتمع الأمريكي ـ وفقا لفكره العملي والإجرائي ـ لتذويب وتعديل السلوك‏,‏ وتحقيق فعالية التحولات‏,‏ هو طرح الأسباب النفعية التي تنتج من الأخذ بهذه التعديلات والتحولات‏,‏ فقد صيغ الطرح الضامن للإقناع‏,‏ بأن هناك حقائق تثبت أنه قد أدرك سوق العمالة الأمريكية تحول كبير‏,‏ يؤكد تدني نسبة من يعملون من الذكور البيض‏,‏ وأوضحت الدراسات المسحية عن مئات الشركات الأمريكية أن نسبة من يعملون فيها من غير البيض يبلغ ثلاثة أرباع مستخدميها‏,‏ وهو ما يعكس كذلك تغيرا كبيرا في جمهور الزبائن‏,‏ ومن الحقائق الجديدة أيضا أن الشركات الدولية تزايدت حاجتها إلي الاستعانة بموظفين ليس المطلوب منهم فقط تنحية تعصباتهم كي يشعروا جماهير الثقافات المختلفة غير الأمريكية بالاحترام والتقدير‏,‏ لكن أيضا أن يستخدموا هذا التقدير كميزة تنافسية‏,‏ ويضاف إلي المبررات النفعية مبرر ثالث يعتمد علي الفائدة المتوقعة من التعددية‏,‏ التي ترفع من الإبداع وطاقة العمل‏,‏ وبذلك تشابكت معطيات الواقع بوثيق
الاقتران بعائدات المنفعة‏,‏ التي تتطلب ترويض النفس علي القناعة بالمصالح الحيوية للمجتمع الأمريكي واستئصال عنصرية التفكير‏.‏
إن ما دفع بنا إلي استدعاء هذه القضية التي تكشف عن حصافة العقل الرسمي الأمريكي العام تجاه مصالح مجتمعه الحيوية‏,‏ هو ذلك الهوس الجنوني الذي يديره صناع الرأي العام في الصحافة الأمريكية ضد البلاد الإسلامية والعربية‏,‏ حتي أصبح يشكل منعطفا خطيرا يتجاوز حدود الواقع ومعطياته ليصنع حصيلة من احتشاد المشاعر‏,‏ تشكلها مقالات مكتوبة تروج لدي الرأي العام الأمريكي لأفكار غير صحيحة‏,‏ تحفر أنفاق الفصل‏,‏ وتقيم جدران التضاد والتناقض بالحتمية والاضطرار بين الشعب الأمريكي وشعوب البلاد الإسلامية وقيمها إذ يبني هذا الهوس الجنوني خطابه علي الأبعاد الفاعلة تأثيرا في المشاعر الحية للشعب الأمريكي في سياق هذا الظرف التاريخي‏,‏ وتعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ـ تحديدا ـ مركز الثقل لهذه الأبعاد‏,‏ كمرجع عيني متفرد ومؤثر سيظل ثاويا في المشاعر‏,‏ ويسعي هذا الخطاب‏,‏ من خلال نقاش هذا الحدث وتداعياته‏,‏ إلي استباحة وانتهاك الحقائق‏,‏ رافضا معاينة الواقع‏,‏ سواء بحجبه‏,‏ أو تشويهه‏,‏ أو إنكاره‏,‏ وذلك كي يمرر تصوراته المضللة وآراءه المراوغة علي أنها معلومات يقينية وصحيحة‏,‏ وذلك بإعطائها بعض المؤيدات والمبررات‏,‏ وبسط هيمنتها علي الرأي الع
ام بالإلحاح المتواتر‏,‏ فإذا بمصر في خطاب الهوس الجنوني تتحول من موقع الضحية للإرهاب سنين‏,‏ حيث كان رئيسها أول من ندد به‏,‏ وكشف عن سرطانية تحركاته‏,‏ ومع ذلك تصبح مصر السبب المباشر في الهجمة الزلزال علي ممتلكات وآمن الشعب الأمريكي ورخائه‏!!‏ تري ماذا يمكن أن تكون مشاعر الرأي العام هناك عندما يطرح مارتن انديك في مجلة فورين افيرز قوله‏:‏ إن قمع المعارضة الإسلامية في مصر‏..‏ أجبر المتطرفين أولا علي البحث عن ملاذ‏,‏ ثم شن عمليات خارج المنطقة في إفريقيا وآسيا وأوروبا والولايات المتحدة‏.‏ لقد أرادت شبكة القاعدة الإطاحة بالنظام المصري‏..‏ لكن مساعدات الولايات المتحدة‏..‏ جعلت تحقيق ذلك صعبا‏.‏ لذلك اتخذت القاعدة قرارا استراتيجيا بشن هجوم علي الولايات المتحدة الراعي الأقوي ولكنه الأكثر انكشافا‏.‏ وصاحب المقال لايورد تصوراته علي أنه يقرأ ما بين سطور الأحداث وما وراء تسلسل الوقائع‏,‏ أو علي منوال الاحتمال أو الشك‏!‏ بل علي أنها الحقائق التي تكشف المستور بأن مصر بؤرة الفعل في الهجوم علي الولايات المتحدة‏,‏ ويؤكد ذلك توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز حين يعلن كشفه عن وجه الأزمة التي تواجه صناع القرار السياسي في واشنطن بأن من أصعب المشكلات التي تواجه الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب‏,‏ هو أن بعض الدول العربية الحليفة لأمريكا متورط في التطرف الإسلامي‏...‏ ومصر هي مثال جيد علي ذلك‏.‏ وتدفع إحدي افتتاحيات الـواشنطن بوست بالقرائن التي تؤكد هذا الاتهام بأن مصر لم تفعل شيئا يذكر في سبيل مناهضة رسالة بن لادن‏,‏ أو تقديم حل سياسي ذي مصداقية‏,‏ وتتجنب أجهزتها الإعلامية توجيه الإدانة للإرهابيين‏,‏ في حين أنها تلقي باللوم علي إسرائيل والولايات المتحدة باعتبارهما سببا في كل الاضطرابات التي يتعرض لها العالم الإسلامي‏.‏

بالطبع لا براءة لمقاصد خطاب الهوس الجنوني المخادع‏,‏ فهو يوظف تصعيد إلهاب وقود الصدام‏,‏ استهدافا إلي مصادرة أي حل منشود للتسويه الفلسطينية ـ الإسرائيلية‏.‏ صحيح أن شبكة النزاع في الشرق الأوسط كخريطة معرفية جغرافية تحدد الأطراف والمصالح والحقائق‏,‏ وهي التي تقود سياسات العقل الرسمي الأمريكي العام وصناع القرار‏,‏ لكن الصحيح أيضا أنه في مواجهة مشكلة التمييز العنصري‏,‏ لم يكن الفاعل وحده هو العقل الرسمي الأمريكي العام‏,‏ بل كانت هناك المؤسسات التي ساندت القرار‏,‏ ومارست آليات وتذويب قناعات التمييز العنصري‏,‏ أي أن مدي جدوي هذا الخطاب تظل رهينة غياب فاعليه الإعلام العربي الإسلامي والفلسطيني بوجه خاص‏,‏ في طرح المعلومات الصحيحة التي تكشف تناقضات هذا الخطاب لدي الرأي العام الأمريكي‏,‏ إذ في اختفائها وعدم توافرها تصبح هذه التضليلات مسلمات وقناعات تدفع الرأي العام هناك بقدراتها التعبوية وشحناتها الوجدانية نحو مصب واحدو هو الضغط لدي المؤسسات الأمريكية لمساندة إسرائيل في مواجهة أعدائها وأعداء الولايات المتحدة‏,‏ حيث يدفع الإعلام إلي واجهات المعارك الاحتشاد الذي يجعل كل رهان غير ما يراه رهانا محورا ومنعزلا عن كل الحسابات‏,‏ مثلما يدفع الجنرال المتقاعد رالف بترز برهان استخدام القوة‏,‏ كما لو أنه لم تعد هناك من أدوات السياسة الدولية سوي القوة العسكرية كأداة وحيدة غير مقيدة‏,‏ وذلك في مقاله في صحيفة واشنطن بوست محرضا علي استخدام القوة‏,‏ ونسف كل ما يخالفها فيطالب بأن علينا أن نكون علي استعداد للسيطرة علي حقول البترول‏..‏ وإدارتها للمصلحة العامة‏.‏ لك أن تتخيل أن يستخدم الدخل الناتج عن هذه الحقول في بناء المستشفيات والمدارس العلمانية وأنظمة الصرف الصحي في الشرق الأوسط‏,‏ وذلك بدلا من استخدامه في تمويل‏...‏ وعلي القياس ـ بعد رفع التأثيم عن استخدام القوة كآلية دولية في احتلال منابع البترول ـ أصبح من المبرر لإسرائيل أن تستخدم القوة كي تلغي حقوق الشعب الفلسطيني دعما للعنصرية المركزية الأمريكية التي تنفي الآخر‏,‏ وتهيمن عليه وتستتبعه‏.‏

هكذا تكشف الصحافة الأمريكية بخطابها المكذوب عوراتها بصفاقة لا تعرف الحدود‏,‏ وبادعاءات تخرج عن حدود الإنصاف‏,‏ فتسمي القتلة معارضة إسلامية‏,‏ ومصر لا تعرف ولا تقر باقامة أحزاب دينية‏,‏ إذ هؤلاء القتلة ليسوا إلا رموزا للإرهاب المفضوح‏,‏ والغرب نفسه صانع مسيرة استمرار هؤلاء الإرهابيين حين آزرهم وأقام لهم جسورا للاتصال‏,‏ ومنحهم حق اللجوء السياسي تحت مظلة حقوق الإنسان‏,‏ هربا من أحكام قضاتهم الطبيعيين‏,‏ وبذلك أراد الغرب أن يعطل العقل المصري العام حين تصدي للحفاظ علي كيان وسلامة مجتمعه واستقراره من كابوس الإرهاب‏..‏ دفاعا عن مصالحه الحيوية‏,‏ بعقاب مرتكبي جرائم التقتيل الجماعي للآمنين‏.‏
تري ألم يكن ذلك حقا للعقل المصري العام؟‏!!‏ أم تراه فقط كان حقا مكفولا للعقل الأمريكي العام عند تصديه لقضية استئصال العنصرية ضد السود؟‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية