|
|
 |
كان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون هو ضيف الحفل السنوي الذي أقيم لمصلحة جمعية جيل المستقبل أمس الأول, وقد ألقي كلمة استغرقت أكثر من نصف ساعة, تحدث فيها عن العلاقات المصرية ـ الأمريكية في عهده, وعن رؤيته الشخصية لمشكلة الشرق الأوسط, كما تحدث عن الإرهاب في العالم اليوم, وعن مسئولية الدول الكبري تجاه دول العالم الثالث التي استلهمها من تصوره عن مسئولية الأغنياء تجاه الفقراء, والتي تمثلت في السياسة الضريبية المعروفة التي طبقها كلينتون في أثناء توليه الرئاسة الأمريكية والتي كان لها أبعد الأثر في إصلاح ميزان المدفوعات الأمريكي وتحقيق فائض غير مسبوق في تاريخ أمريكا الحديث.. وقد استمع إلي كلمة كلينتون ما يقرب من ألف شخص, خلال حفل العشاء الكبير الذي أقيم بهذه المناسبة, كما استمعوا إلي كلمة لا تقل أهمية لجمال مبارك رئيس الجمعية.. وسنتوقف اليوم عند بعض أهم النقاط التي طرحها كلينتون في خطابه, والتي أثار بعضها ملاحظات لدي الحضور..
وقد لا يعرف البعض أن حياة الرئيس الأمريكي السابق في الوقت الحالي تعتمد إلي حد كبير علي مثل هذه المحاضرة التي ألقاها في القاهرة, وتلك إحدي سمات الحياة العامة في الولايات المتحدة, حيث يعتمد عدد كبير من رجال العمل العام بعد تقاعدهم علي إلقاء المحاضرات في مجال عملهم السابق, نظير أجر يتفاوت حسب أهمية المتحدث والمنصب الذي كان يتقلده, وهناك وكالات متخصصة تقوم بتنظيم هذه المحاضرات للمسئول السابق نظير نسبة محددة من الأجر الذي يتقاضاه, وقد يبدو ذلك غريبا للبعض عندنا, إذ كيف يقوم مسئول كبير سابق بتأجير نفسه هكذا, فيلقي محاضرة أو كلمة افتتاحية في حفل نظير أجر من المال معروف للجميع؟! لكن النظرة هناك تختلف وهناك وكالات مهمتها لا تقوم علي تنظيم مثل هذه المحاضرات فقط, وإنما أيضا علي تنظيم حضور المشاهير للحفلات, وأعني بذلك مجرد الحضور دون إلقاء أي كلمات, فإذا كنت تقيم حفلا وأردت أن يكون من بين المدعووين نجم سينمائي كبير أو مطرب محبوب, فإن هذه الوكالة تطلعك علي أسعار هذه النجوم, فتقوم باختيار من تتناسب أجورهم مع ميزانية الحفل, وحين يكون مثل هذا الحفل خيريا يذهب دخله للمصلحة العام, فإن الإعلان عن أن الحفل ستحضره إليزابيث تيلور مثلا أو مايكل جاكسون سيضمن بلا شك بيع التذاكر عن آخرها.
أما في حالة مثل بيل كلينتون فإن إلقاءه كلمة افتتاحية أو محاضرة في محفل خيري أو في مؤتمر تبرز قيمته مما يقدمه من رؤية خاصة للحياة ممزوجة بخبرته السابقة في هذا المجال, ولا تتأتي قيمته من مجرد وجوده بين الضيوف, ومن ثم فهو لا يؤجر نفسه وإنما هو يتلقي أجر محاضرة بذل فيها جهدا بحثيا في تجميع مادتها سواء بنفسه أو عن طريق سكرتاريته الخاصة, وهو لا يختلف عن أجر أي كاتب أو باحث يدعي للمشاركة في مؤتمر ما ليلقي فيه محاضرة نظير أجر محدد. وقد شاهدت بيل كلينتون منذ نحو أسبوعين علي قناة التليفزيون البريطانية يلقي محاضرة مماثلة في بريطانيا ضمن سلسلة محاضرات عامة شهيرة تعرف باسم محاضرة دمبلبي
نسبة للإعلامي الكبير ديفيد دمبلبي, ويدعي لها أكبر الشخصيات من مختلف أنحاء العالم لإلقاء محاضرة عامة في مجال تخصصهم نظير أجر كبير, وقد تحدث كلينتون في هذه المحاضرة التي أذاعها التليفزيون البريطاني كاملة عن حالة العالم الآن من أفغانستان إلي الشرق الأوسط, ومن الأزمة الاقتصادية إلي العولمة, ومن الإرهاب إلي الفقر والمجاعة, والحقيقة أنه طرح فيها أفكارا غاية في الأهمية, وبقدر من الحرية لم يكفلها له منصبه السابق, ولقد وجدت أصداء من هذه المحاضرة فيما ألقاه هنا في مصر, وإن كنت لا أستطيع القول إنه ألقي نفس المحاضرة, كما أنني لست واثقا بان الأجر الذي تلقاه للحضور إلي القاهرة ـ علي ضخامته ـ كان هو ما تقاضاه في لندن, وهنا يجب أن نذكر أن هذا الأجر الضخم تكفل به بالكامل اثنان من رجال الأعمال المصريين دون أن تتحمل جمعية جيل المستقبل شيئا منه, وذلك مساهمة منهما في العمل الجليل الذي تقوم به الجمعية, إنها بلا شك مبادرة محمودة من جانب رأس المال الخاص نتمني أن تصبح نموذجا يحتذي!
ولا شك أن حضور كلينتون كضيف شرف لهذا الحفل وإلقاءه محاضرته قد أسهم في بيع جميع تذاكر الحفل والتي سيذهب دخلها بالكامل لإثراء عمل جمعية جيل المستقبل التي لمسنا علي مدي السنتين الماضيتين ما بذلته من جهود في تأهيل الشباب للمستقبل عن طريق الدورات التدريبية المكثفة في علوم العصر من الكمبيوتر إلي اللغة الانجليزية وبعض العلوم الادارية, وان كنت أتمني أن يكون للثقافة مكان في هذا التأهيل حتي لا نوجد جيلا يعرف فقط كيف يدير الأعمال ويحصي المال, وإنما جيل ذو جذور يعرف من أين جاء وما هو تراثه, ومن ثم جيل له هوية وليس له فقط خبرة بالأمور التكنولوجية والإدارية. وقد حضر البعض ليستمع إلي ما قد يكون لدي الرئيس الأمريكي السابق من أفكار يطرحها بعد خروجه من البيت الأبيض, وحضر البعض الآخر ليتفرج علي الرئيس السابق ذي الشعر الفضي الكثيف والذي كان يرتدي بدلة رمادية داكنة وربطة عنق في لون الفيروز, وقد علت وجهه بضعه علامات تركها الزمن خلال العام المنصرم منذ غادر البيت الأبيض وانتقل للإقامة مع السيناتور هيلاري رودام كلينتون في نيويورك.
أما الذين جاءوا متشوقين للأفكار فقد طرح كلينتون الكثير, بعضه كان إيجابيا بناء من وجهة نظرنا العربية, وبعضه الآخر نختلف معه فيه, وربما كان في مقدمة ذلك النوع الأخير من الأفكار ما طرحه حول مبدأ الحل الوسط كوسيلة وحيدة للتوصل إلي اتفاق, حيث قال إن علي قادة الشرق الأوسط أن يعدوا شعوبهم للسلام إذا كانوا يسعون بالفعل لتحقيق هذا السلام, وذلك بأن يعلموهم قبول الحلول الوسط
وقال إن فكرة الحل الوسط يجب ألا ينظر إليها علي أنها تنازل, وإنما هي محاولة للقاء الجانب الآخر في منتصف الطريق, ثم تحدث عن القضية الفلسطينية بشكل خاص فقال إن هناك شعبين في المنطقة هما الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي, وأن لكل منهما حقوقه المشروعة, كما أن كلا منهما يتمتع بقوة إرادة وتصميم لا يلينان, لذلك فينبغي ألا نتصور أن جانبا منهما سيستسلم للآخر, أي أن جانبا سيحصل علي حقوقه كاملة وجانبا سيتنازل عنها, وقال كلينتون إنه إذا كان الحال كذلك فإن الحل لن يكون إلا باللقاء في منتصف الطريق, أي أن يتنازل الطرفان عن مواقفهما المتشددة حتي يحصل كل منهما علي حقوقه. علي أن كلينتون لم يوضح في محاضرته أي جانب يقصد في الشرق الأوسط بحديثه عن ضرورة قبول مبدأ الحل الوسط؟ هل يقصد الإسرائيليين الذين لا يريدون تحت حكومة شارون التنازل عن أي شيء, ولا حتي ما هو ليس ملكا لهم, مثل الأراضي الفلسطينية المحتلة, بينما يطالبون الفلسطينيون بالتنازل عن كل شيء, من حق العودة إلي حق المقاومة؟!
لقد تحدث كلينتون في محاضرته في لندن عن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين, فقال إنه كان قد تمكن قبيل مغادرته البيت الأبيض في نوفمبر2000 أن يقرب بين الجانبين بدرجة غير مسبوقة وصلت إلي حد وضع مشروع للاتفاق فيما بينهما في محادثات كامب ديفيد لم يكن ينقصه إلا التوقيع, وقد استرعي انتباهي في حديثه بلندن أنه قال إن الإسرائيليين قبلوا تحت رئاسة رئيس الوزراء السابق إيهود باراك ما لم يكونوا علي استعداد لقبوله قبل ذلك.. لكن الفلسطينيين كانوا هم الطرف الرافض!! وهكذا وضع كلينتون اللوم في محاضرته بلندن علي الجانب الفلسطيني, بينما امتنع في محاضرته بالقاهرة عن تحديد من المقصود بالطرف الذي عليه أن يدرب شعبه علي قبول الحل الوسط بما يسمح بإبرام اتفاق سلام بين الجانبين. ولن أطيل في التعليق علي مبدأ الحل الوسط الذي يفترض التنازل المشترك بين الجانبين لأن هذا المبدأ في حالة الشرق الأوسط يقوم علي موقف مغلوط يساوي في القضية بين الظالم والمظلوم, فليس من حق القاضي إذا اغتصب جانب حقوق الجانب الآخر, أن يطلب من الجانبين التنازل المشترك واللقاء في منتصف الطريق!! وإنما واجبه إذا كان قاضيا عادلا هو إعادة الحق لصاحبه ولن نقول معاقبة الجانب المغتصب.
كذلك فإن كلينتون توقف أكثر من مرة خلال حديثه عند التفجيرات الانتحارية
التي يقوم بها الفلسطينيون معددا ضحاياها من الإسرائيليين وقائلا إنها يجب أن تتوقف, وكان من الواضح أنه قد أحيط علما بأدق تفاصيل أعداد الضحايا الإسرائيليين أولا بأول, حيث أشار إلي إصابات جديدة قال إنها حدثت في اليوم نفسه, ولست أعرف إن كانت السكرتارية الخاصة بالرئيس السابق تحيطه علما أيضا بعدد الضحايا الفلسطينيين والذين لم يذكرهم في حديثه, أم لا؟! أما علي الجانب المشرق من الخطاب, فقد أشاد كلينتون بخبرة الرئيس مبارك وحنكته فيما يتعلق بقضية الشرق الأوسط, وقال إنه بعد رحيل الملك حسين واغتيال إسحق رابين وتقاعد كلينتون نفسه, أصبح الرئيس مبارك هو أكبر الأطراف علي ساحة القضية الآن, ومن ثم يصبح دوره غاية في الأهمية, ودور مصر محوري في أي تسوية لأزمة الشرق الأوسط التي قال إنه يعتبرها إحدي الأزمات المهمة في العالم, والتي ينبغي الالتفات إليها والعمل علي تسويتها, وقد أعرب عن اعتقاده بأن تلك التسوية لتسهم في تقليل أحداث الإرهاب في العالم.
كما أشاد كلينتون بالقدرة الاقتصادية لمصر, وقال إنه يعتقد أن مصر علي أعتاب مستقبل مشرق, كما دعا إلي ضرورة النظر إلي الإسلام نظرة سليمة, وامتدح قيام الرئيس بوش بزيارة مسجد واشنطن, وقال إنه ـ كلينتون ـ كان أول رئيس أمريكي يرسي تقليد الاحتفال بعيد الفطر في البيت الأبيض أسوة بأعياد بقية الأديان التي يدين بها الشعب الأمريكي. علي أن أهم ما طرحه كلينتون في رأيي كان حديثه الصريح عن دور الدول الغنية في العالم في مساعدة الدول الفقيرة, حيث أكد في أكثر من موضع وبما لا يقبل مجالا للشك, أن علي الولايات المتحدة مسئولية قاطعة تجاه بقية شعوب العالم, وأن مسئوليتها لا تنحصر فقط في توفير حياة الرخاء لمواطنيها لأن العالم متداخل ومتشابك ولان مستقبل أبناء الشعب الأمريكي ورخاءهم مرتبط ارتباطا وثيقا بمستقبل بقية شعوب العالم, ثم قال: إننا لايمكن أن نتجاهل آلام الشعوب الأخري لمجرد أنهم يعيشون خارج حدود الولايات المتحدة.. كما قال أيضا: لن نستطيع بناء اقتصاد دولي دون أي نبني مستقبلا مشتركا يقوم علي المثل والمباديء الإنسانية المشتركة.
وفي لفتة إلي العمل الجليل الذي يقوم به مضيفاه قال كلينتون إنه مثلما يقوم رجال الأعمال المقتدرون عندكم بتوفير فرصة للشباب للارتقاء من خلال جمعية جيل المستقبل, فإن علي الولايات المتحدة أيضا أن تعمل علي توفير فرص الارتقاء لشعوب العالم الأخري التي تعاني المشاكل.. وقال إن هناك اختلافات بلا شك بيننا وبين مختلف شعوب العالم, لكن علينا أن نسأل أنفسنا ما هو الأهم بالنسبة لنا؟.. أهي هذه الاختلافات.. أم إنسانيتنا المشتركة معهم؟.. ورد علي السؤال بنفسه قائلا: قد يكون من السهل أن نعطي
الإجابة الصحيحة.. لكن الصعب هو أن نعيش
هذه الإجابة.
وفي طريق الخروج بعد انتهاء المحاضرة.. كان البعض يعلق علي ما طرحه كلينتون من أفكار, وكان البعض الآخر يعلق علي ربطة عنقه ذات اللون الفيروزي.. وأخذت إحدي الفتيات تطلعنا علي التوقيع الذي حصلت عليه من كلينتون علي برنامج الحفل, لكن الهدف النبيل كان قد تحقق لمصلحة جمعية جيل المستقبل بما أدخله الحفل من إيراد وتبرعات القادرين. |
|
|
|
|
|