|
رسالة جنوب إفريقيا : يحيي غانم |
في قلب العاصمة الكونجولية كينشاسا يقف ذلك البناء شاهدا علي تناقض عجيب ينفرد به المصريون دون العديد من الأمم. والتناقض يتمثل في جودة التخطيط, وسوء الادارة في آن واحد! والبناء تعود ملكيته لوزارة الخارجية المصرية, وهو مكون من ثلاثة طوابق تضم تسع شقق كبيرة وخمسة محلات ضخمة في الطابق الأرضي. وقد كان التخطيط في الأساس ان يكون المبني سكنا يجمع غالبية اعضاء البعثة الدبلوماسية وعائلاتهم في مكان واحد, خاصة أن اعضاء البعثة الدبلوماسية في كينشاسا يعانون بشدة الارتفاع الجنوني في اسعار ايجارات السكن التي يبلغ متوسطها من2000 الي3 آلاف دولار شهريا, في حين يبلغ متوسط بدل السكن لعضو البعثة500 دولار! ايضا, فإن لم شمل اعضاء البعثة في مبني سكني واحد يوفر مزيدا من الشعور بالأمن لهم, إلا أنه ولأسباب غير معلومة ترك المبني مهجورا لسنوات طويلة حتي أصبح في حالة مزرية تدعو للحسرة, خاصة عندما تسمع بعض المواطنين المحليين يطلقون عليه اسم بيت الأشباح, بدلا من أن يكون ـ كما كان مخططا له في الأساس ـ بيت المصريين! والسؤال هو: اذا كانت وزارة الخارجية تري أن ذلك المبني الذي يقع في القلب التجاري للعاصمة الكونجولية لا يصلح لكي يكون نزلا لأعضاء بعثتها, فلماذا لا تتم الاستفادة بالمبني كمعرض دائم للسلع المصرية التي يتوق لها الشعب الكونجولي؟! وفي هذا المقام يجب ألا نسمع لمقولات من عينة: ان المبني يعود لوزارة الخارجية وليس لوزارة التجارة الخارجية, حيث ان المبني في النهاية هو ملك لمصر بغض النظر عن الوزارة التي تمثل مصر في حيازة تلك الملكية.
والحقيقة أن( بيت الأشباح المصري) في كينشاسا لم يكن سوي مقدمة ـ وجدناها ضرورية, وإن كانت غير تقليدية ـ لوقفة واجبة تستهدف تحري اسباب تدني صادراتنا سواء كانت السلعية أو الخدمية في إفريقيا, تلك القارة التي كان يجب أن تكون ساحة شبه مضمونة لنا في معركة التصدير التي تؤكد القيادة السياسية دوما ـ وبصدق ـ أنها قضية مصير. واذا كانت تلك المقدمة تبدو غير تقليدية ـ وان ارتبطت بضرورة التعامل مع قضية التصدير بمنهج غير تقليدي هو الآخر ـ فإن نفس تلك المقدمة تثير قضية أخري لا تقل أهمية عن قضية التصدير, كما أنها لا تنفصم عنها, ألا وهي ممتلكات مصر المهجورة والمهملة خارج الحدود. تلك الممتلكات ـ التي تعود الي عدد من الوزارات والهيئات والشركات الحكومية.., والتي ينبغي ان تتم الاستفادة منها في الدفع, ودعم تجارة مصر الخارجية بتحويلها الي معارض دائمة للسلع المصرية.
ولا شك في أن اختيارنا للكونجو كنموذج يرجع الي أنها تعد أكبر دولة إفريقية تقع جنوب الصحراء جغرافيا وسكانيا, بالإضافة علي ثرائها الفاحش بموارد طبيعية لا حصر لها. المستشار الاعلامي في سفارة مصر في الكونجو الديمقراطية تحدث للأهرام فأكد أن نسبة المخاطرة التي تواجه المستثمر المصري في الكونجو تعوضها ضخامة السوق الكونجولية وتعطشها للسلع المصرية بجميع أنواعها. ويضيف قائلا:... لا شك في أن ضعف السلطات الرقابية في الكونجو بسبب ظروف الحرب دفع الكثير من التجار الي استيراد سلع انتهت فترة صلاحيتها, مما ادي الي تضاعف ايمان المستهلك الكونجولي بجودة السلع المصرية, وخاصة مع الارتفاع الجنوني لجميع السلع التي تأتي من أوروبا, وبشكل لا يتناسب مع الرسوم الجمركية المتدنية التي تحصلها الدولة, مما يعطي السلع المصرية ميزة هائلة بالمقارنة مع منافساتها... وفي هذا الصدد نسوق نماذج لأسعار بعض السلع المطروحة في السوق الكونجولية بالجنيه المصري وهي كالآتي: كيلو اللحم=100 جم كيلو الأرز=10 جم رغيف الخبز الصغير=1,5 جم زجاجة المياه المعدنية=5 جم علبة المناديل الورقية=25 جم, لتر عصير الفواكه=25 جم!! ووجه الميزة هنا هو انخفاض أسعار جميع المنتجات المصرية وجودتها الشديدة بالمقارنة مع المنتجات المنافسة.
ميزة أخري تتمتع بها السلع المصرية, وتتمثل في كون البلدين عضوين في تجمع الكوميسا الذي سيخفض الرسوم الجمركية علي المنتجات المصرية بشكل كبير بالمقارنة مع مثيلتها من سلع البلدان الأخري. ولعل التجربة الناجحة بكل المقاييس التي بدأتها أخيرا شركات مصرية قليلة في الكونجو برازافيل تؤكد أن السوق الإفريقية في دول جنوب الصحراء بصفة عامة, ومنطقة البحيرات العظمي بصفة خاصة, والكونجو في القلب منها, تنتظر المستثمر المصري فاتحة ذراعيها له. ففي الكونجو برازافيل نجحت شركة مصرية في مجال الاتصالات في احتكار سوق اتصالات التليفون المحمول, في حين نجحت شركة أخري تعمل في مجال تصنيع الأثاث في تأمين سوق مستقرة لها لدرجة أنها تعاقدت لتوريد الأثاث لوزارة الدفاع في الكونجو برازافيل من الألف الي الياء.
من ناحية أخري, أوضح المستشار الاعلامي المصري في الكونجو الديمقراطية, أهمية الاستفادة من تجربة اللبنانيين التي تقوم علي استقدام السلع وتوزيعها بأنفسهم, مشيرا الي أنه يجب علي الشركات المصرية انشاء مكاتب لها في الكونجو وتأجير مخازن لتخزين السلع والتوزيع المباشر علي تجار الجملة, وخاصة مع سهولة استخراج تراخيص تأسيس الشركات مع رخص ايجارات المخازن والمكاتب. ولعل ذلك يقودنا الي الانهيار الذي تشهده أعمال شركة النصر للاستيراد والتصدير, ذلك الصرح المصري الضخم الذي كان له دور كبير في زيادة أرقام التجارة مع إفريقيا في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. فلا شك ان الصفر الكبير الذي وصلت له أعمال مكتب الشركة في دولة مثل الكونجو, بالاضافة الي الصفر الأكبر لأعمال مكتبها في الكونجو برازافيل, يضاف الي صفر ثالث لحجم أعمال مكتب الشركة في الكاميرون, ناهيك عن الصفر الرابع لمكتبها في إفريقيا الوسطي, ويحتاج الي دراسة سريعة وجادة ونزيهة لرصد أسباب كل تلك الأصفار, واستئصالها وتطوير عمل الشركة العملاقة التي تترنح بسبب سوء القرارات وعدم التخطيط.. ونسوق نموذجا لأسباب تلك الأصفار المتكررة, ويتمثل في أنه في بعض الأحيان يتولي شخص واحد مسئولية ادارة أربعة مكاتب في أربع دول مختلفة في آن واحد! وقد أدي ذلك ضمن ما أدي الي أن ينتهي الحال بمقار الشركة في بعض الدول الإفريقية بموظف محلي يجلس لاحول له ولا قوة طوال الوقت.
الا أن الطامة الكبري تمثلت في مخازن ضخمة تمتلكها الشركة ـ نكرر تمتلكها وليست تستأجرها ـ مهملة بعضها لمدة عشرين سنة فعلي سبيل المثال وليس الحصر تمتلك الشركة مخازن ضخمة للغاية في مدينة بانجي عاصمة جمهورية إفريقيا الوسطي, تلك المخازن التي تركت مهملة وبدون أي حراسة منذ عام1982 أي لمدة20 عاما بالتمام والكمال. والعجيب أن المخازن متروكة بدون استخدام أو أي حراسة بالرغم من أنها تحوي كميات ضخمة من المنتجات والسلع المتنوعة, بعضها منذ الثمانينيات! وغني عن القول ان الشركة تمتلك في إفريقيا أصولا ثابتة تساوي مئات الملايين من الدولارات, تتمثل في شقق سكنية ومكاتب تمليك في أكثر الأماكن تميزا, بالاضافة الي العديد من الفيلات والمنازل والمخازن والعمارات في كثير من دول افريقيا وخاصة دول منطقة البحيرات العظمي, بالاضافة علي الكاميرون ونيجيريا وغانا وغيرها من دول إفريقيا تلك الأصول التي لا تتوافر لدولة أخري سواء كانت عظمي أو صغيرة.
وبالطبع نحن لا نلفت النظر لتلك الأصول بهدف الاسراع ببيعها, وإنما لاستغلال هذه الإمكانات الهائلة من خلال ادارة رشيدة تدرك أهدافها وتضع لها ما يلزمها من سياسات, وذلك في زمن أصبح جل مشاكلنا يعتمد في حله علي زيادة الصادرات, والا ما الهدف من كل هذا الحديث الذي لا ينقطع عن أهمية الكوميسا, والتوجه الإفريقي, وغيرها من الشعارات الرنانة؟! نعود الي محمد صادق الوزير المفوض التجاري لمصر في جنوب إفريقيا ومدير مكتب التمثيل التجاري المصري الذي يؤكد أنه تم أخيرا تأسيس جمعية المصدرين المصريين, تلك الجمعية التي تتمتع بخبرة واسعة في مجال التصدير والوصول الي الأسواق, بالاضافة إلي توافر المنتجات الجيدة والأسعار التنافسية لديها وعنصر الاستمرارية. وأوضح ان مكتب التمثيل التجاري يقوم حاليا علي تنفيذ برنامج بعثات يمتد حتي منتصف العام الحالي2002, والتي يقوم خلالها رجال أعمال جنوب أفارقة بزيارة مصر. وأضاف ان التركيز حاليا في هذه البعثات علي مجالات الأرز ـ السيراميك ـ الأثاث ـ الأجهزة الكهربائية ـ السجاد ـ المفروشات ـ الملابس الجاهزة ـ صادرات القطن الخام والغزول القطنية. وقد تم تنفيذ جزء من هذه البعثات في مجالي الأجهزة الكهربائية والغزول القطنية وبصدد تنفيذ بقية البرنامج.
وبالطبع, فإن مثل تلك الجمعية وغيرها جهد غير منكور, كما أن أثرها انعكس في زيادة صادرات مصر أخيرا وخاصة في عام2001, إلا أنه يتحتم القول إن تلك الجهود ليست كافية علي الأطلاق لاعطاء دفعة قوية للصادرات المصرية وبشكل يضيف( أصفارا علي اليمين) لأرقام صادراتنا. فالملاحظ أنه توجد بالفعل جهود حثيثة من جانب كل من الدولة والقطاع الخاص, إلا أن ما يعيب تلك الجهود ويحبط جانبا منها, في حين يحجم نتائج الجانب الآخر هو عدم وجود تنسيق في كثير من الأحيان بين تلك الجهود, وكأن كل هيئة أو وزارة تعمل من فوق جزيرة منفصلة عن الأخري! والدليل علي ذلك, أن الأمر لا يحتاج الي دراسات طويلة الأجل لكي ندرك علي سبيل المثال أنه بالرغم من الأهمية القصوي لأسواق دول منطقة البحيرات العظمي, فإن الأساليب التقليدية المصرفية والتي تتمثل في فتح الاعتمادات المستندية للتصدير لا تصلح في معظم الأحيان مع تلك الدول.. والبديل الذي أدركه اللبنانيون والصينيون والأوروبيون والكوريون هو استئجار مخازن ومعارض لسلعهم والتوزيع مباشرة علي تجار الجملة مقابل ثمن يدفع مباشرة. واذا كان الحال كذلك, فإن الحل يكون بالفعل أمامنا, إلا أننا نصر علي إغماض أعيننا عنه, ألا وهو تحويل ممتلكات مصر من عقارات في جميع دول إفريقيا الي معارض ومخازن لمنتجاتنا, تستوي في ذلك جميع الممتلكات بغض النظر عن الوزارة أو الشركة أو الهيئة التي تعود الملكية لها. والحل الذي ندعو اليه, بالاضافة الي أنه سيؤدي الي دفعة قوية وسريعة لصادراتنا, فإنه ايضا لن يكلف الدولة كثيرا, حيث انها لن تضطر الي الاستئجار أو الشراء, ناهيك عن أن هذا الحل سيبرر تكلفة تلك البعثات التي تخرج من الوزارات سنويا لكي تقوم بتفقد تلك الممتلكات وصيانتها, لمصلحة أشباح ـ في بعض الأحوال ـ تسكنها! البدائل كثيرة, ولكنه وكما قلنا من قبل, فإن المشكلة هي أن بعضا من القائمين علي التنفيذ ليسوا علي مستوي القائمين علي التخطيط, فهل من مخطط يقوم بتنفيذ ما خطه هو شخصيا؟! والي حين ان يقوم المخطط بالتنفيذ, فإننا نطالب جميع الوزارات والهيئات والشركات الحكومية بالإعلان عن ممتلكاتها من أراضي وعقارات خارج الحدود, تلك العقارات التي لايتم الاستفادة بها, كخطوة أولي للبدء في التعامل مع قضية التصدير بجدية ترقي إلي مستوي المصير, كما تؤكد دائما القيادة السياسية. |
|
|
|
|
|