تقارير المراسلين

42049‏السنة 126-العدد2002يناير21‏7 ذوالقعدة 1422 هــالأثنين

بيوت الأشباح‏..‏ في أفريقيا
هـل يمكـن تحويلـها إلي معارض دائمة للسلع المصريــة

رسالة جنوب إفريقيا : يحيي غانم
في قلب العاصمة الكونجولية كينشاسا يقف ذلك البناء شاهدا علي تناقض عجيب ينفرد به المصريون دون العديد من الأمم‏.‏ والتناقض يتمثل في جودة التخطيط‏,‏ وسوء الادارة في آن واحد‏!‏ والبناء تعود ملكيته لوزارة الخارجية المصرية‏,‏ وهو مكون من ثلاثة طوابق تضم تسع شقق كبيرة وخمسة محلات ضخمة في الطابق الأرضي‏.‏
وقد كان التخطيط في الأساس ان يكون المبني سكنا يجمع غالبية اعضاء البعثة الدبلوماسية وعائلاتهم في مكان واحد‏,‏ خاصة أن اعضاء البعثة الدبلوماسية في كينشاسا يعانون بشدة الارتفاع الجنوني في اسعار ايجارات السكن التي يبلغ متوسطها من‏2000‏ الي‏3‏ آلاف دولار شهريا‏,‏ في حين يبلغ متوسط بدل السكن لعضو البعثة‏500‏ دولار‏!‏ ايضا‏,‏ فإن لم شمل اعضاء البعثة في مبني سكني واحد يوفر مزيدا من الشعور بالأمن لهم‏,‏ إلا أنه ولأسباب غير معلومة ترك المبني مهجورا لسنوات طويلة حتي أصبح في حالة مزرية تدعو للحسرة‏,‏ خاصة عندما تسمع بعض المواطنين المحليين يطلقون عليه اسم بيت الأشباح‏,‏ بدلا من أن يكون ـ كما كان مخططا له في الأساس ـ بيت المصريين‏!‏ والسؤال هو‏:‏ اذا كانت وزارة الخارجية تري أن ذلك المبني الذي يقع في القلب التجاري للعاصمة الكونجولية لا يصلح لكي يكون نزلا لأعضاء بعثتها‏,‏ فلماذا لا تتم الاستفادة بالمبني كمعرض دائم للسلع المصرية التي يتوق لها الشعب الكونجولي؟‏!‏ وفي هذا المقام يجب ألا نسمع لمقولات من عينة‏:‏ ان المبني يعود لوزارة الخارجية وليس لوزارة التجارة الخارجية‏,‏ حيث ان المبني في النهاية هو ملك لمصر بغض النظر عن الوزارة التي تمثل مصر في حيازة تلك الملكية‏.‏

والحقيقة أن‏(‏ بيت الأشباح المصري‏)‏ في كينشاسا لم يكن سوي مقدمة ـ وجدناها ضرورية‏,‏ وإن كانت غير تقليدية ـ لوقفة واجبة تستهدف تحري اسباب تدني صادراتنا سواء كانت السلعية أو الخدمية في إفريقيا‏,‏ تلك القارة التي كان يجب أن تكون ساحة شبه مضمونة لنا في معركة التصدير التي تؤكد القيادة السياسية دوما ـ وبصدق ـ أنها قضية مصير‏.‏
واذا كانت تلك المقدمة تبدو غير تقليدية ـ وان ارتبطت بضرورة التعامل مع قضية التصدير بمنهج غير تقليدي هو الآخر ـ فإن نفس تلك المقدمة تثير قضية أخري لا تقل أهمية عن قضية التصدير‏,‏ كما أنها لا تنفصم عنها‏,‏ ألا وهي ممتلكات مصر المهجورة والمهملة خارج الحدود‏.‏ تلك الممتلكات ـ التي تعود الي عدد من الوزارات والهيئات والشركات الحكومية‏..,‏ والتي ينبغي ان تتم الاستفادة منها في الدفع‏,‏ ودعم تجارة مصر الخارجية بتحويلها الي معارض دائمة للسلع المصرية‏.‏

ولا شك في أن اختيارنا للكونجو كنموذج يرجع الي أنها تعد أكبر دولة إفريقية تقع جنوب الصحراء جغرافيا وسكانيا‏,‏ بالإضافة علي ثرائها الفاحش بموارد طبيعية لا حصر لها‏.‏
المستشار الاعلامي في سفارة مصر في الكونجو الديمقراطية تحدث للأهرام فأكد أن نسبة المخاطرة التي تواجه المستثمر المصري في الكونجو تعوضها ضخامة السوق الكونجولية وتعطشها للسلع المصرية بجميع أنواعها‏.‏ ويضيف قائلا‏:...‏ لا شك في أن ضعف السلطات الرقابية في الكونجو بسبب ظروف الحرب دفع الكثير من التجار الي استيراد سلع انتهت فترة صلاحيتها‏,‏ مما ادي الي تضاعف ايمان المستهلك الكونجولي بجودة السلع المصرية‏,‏ وخاصة مع الارتفاع الجنوني لجميع السلع التي تأتي من أوروبا‏,‏ وبشكل لا يتناسب مع الرسوم الجمركية المتدنية التي تحصلها الدولة‏,‏ مما يعطي السلع المصرية ميزة هائلة بالمقارنة مع منافساتها‏...‏ وفي هذا الصدد نسوق نماذج لأسعار بعض السلع المطروحة في السوق الكونجولية بالجنيه المصري وهي كالآتي‏:‏ كيلو اللحم‏=100‏ جم كيلو الأرز‏=10‏ جم رغيف الخبز الصغير‏=1,5‏ جم زجاجة المياه المعدنية‏=5‏ جم علبة المناديل الورقية‏=25‏ جم‏,‏ لتر عصير الفواكه‏=25‏ جم‏!!‏ ووجه الميزة هنا هو انخفاض أسعار جميع المنتجات المصرية وجودتها الشديدة بالمقارنة مع المنتجات المنافسة‏.‏

ميزة أخري تتمتع بها السلع المصرية‏,‏ وتتمثل في كون البلدين عضوين في تجمع الكوميسا الذي سيخفض الرسوم الجمركية علي المنتجات المصرية بشكل كبير بالمقارنة مع مثيلتها من سلع البلدان الأخري‏.‏ ولعل التجربة الناجحة بكل المقاييس التي بدأتها أخيرا شركات مصرية قليلة في الكونجو برازافيل تؤكد أن السوق الإفريقية في دول جنوب الصحراء بصفة عامة‏,‏ ومنطقة البحيرات العظمي بصفة خاصة‏,‏ والكونجو في القلب منها‏,‏ تنتظر المستثمر المصري فاتحة ذراعيها له‏.‏
ففي الكونجو برازافيل نجحت شركة مصرية في مجال الاتصالات في احتكار سوق اتصالات التليفون المحمول‏,‏ في حين نجحت شركة أخري تعمل في مجال تصنيع الأثاث في تأمين سوق مستقرة لها لدرجة أنها تعاقدت لتوريد الأثاث لوزارة الدفاع في الكونجو برازافيل من الألف الي الياء‏.‏

من ناحية أخري‏,‏ أوضح المستشار الاعلامي المصري في الكونجو الديمقراطية‏,‏ أهمية الاستفادة من تجربة اللبنانيين التي تقوم علي استقدام السلع وتوزيعها بأنفسهم‏,‏ مشيرا الي أنه يجب علي الشركات المصرية انشاء مكاتب لها في الكونجو وتأجير مخازن لتخزين السلع والتوزيع المباشر علي تجار الجملة‏,‏ وخاصة مع سهولة استخراج تراخيص تأسيس الشركات مع رخص ايجارات المخازن والمكاتب‏.‏
ولعل ذلك يقودنا الي الانهيار الذي تشهده أعمال شركة النصر للاستيراد والتصدير‏,‏ ذلك الصرح المصري الضخم الذي كان له دور كبير في زيادة أرقام التجارة مع إفريقيا في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين‏.‏ فلا شك ان الصفر الكبير الذي وصلت له أعمال مكتب الشركة في دولة مثل الكونجو‏,‏ بالاضافة الي الصفر الأكبر لأعمال مكتبها في الكونجو برازافيل‏,‏ يضاف الي صفر ثالث لحجم أعمال مكتب الشركة في الكاميرون‏,‏ ناهيك عن الصفر الرابع لمكتبها في إفريقيا الوسطي‏,‏ ويحتاج الي دراسة سريعة وجادة ونزيهة لرصد أسباب كل تلك الأصفار‏,‏ واستئصالها وتطوير عمل الشركة العملاقة التي تترنح بسبب سوء القرارات وعدم التخطيط‏..‏ ونسوق نموذجا لأسباب تلك الأصفار المتكررة‏,‏ ويتمثل في أنه في بعض الأحيان يتولي شخص واحد مسئولية ادارة أربعة مكاتب في أربع دول مختلفة في آن واحد‏!‏ وقد أدي ذلك ضمن ما أدي الي أن ينتهي الحال بمقار الشركة في بعض الدول الإفريقية بموظف محلي يجلس لاحول له ولا قوة طوال الوقت‏.‏

الا أن الطامة الكبري تمثلت في مخازن ضخمة تمتلكها الشركة ـ نكرر تمتلكها وليست تستأجرها ـ مهملة بعضها لمدة عشرين سنة فعلي سبيل المثال وليس الحصر تمتلك الشركة مخازن ضخمة للغاية في مدينة بانجي عاصمة جمهورية إفريقيا الوسطي‏,‏ تلك المخازن التي تركت مهملة وبدون أي حراسة منذ عام‏1982‏ أي لمدة‏20‏ عاما بالتمام والكمال‏.‏ والعجيب أن المخازن متروكة بدون استخدام أو أي حراسة بالرغم من أنها تحوي كميات ضخمة من المنتجات والسلع المتنوعة‏,‏ بعضها منذ الثمانينيات‏!‏
وغني عن القول ان الشركة تمتلك في إفريقيا أصولا ثابتة تساوي مئات الملايين من الدولارات‏,‏ تتمثل في شقق سكنية ومكاتب تمليك في أكثر الأماكن تميزا‏,‏ بالاضافة الي العديد من الفيلات والمنازل والمخازن والعمارات في كثير من دول افريقيا وخاصة دول منطقة البحيرات العظمي‏,‏ بالاضافة علي الكاميرون ونيجيريا وغانا وغيرها من دول إفريقيا تلك الأصول التي لا تتوافر لدولة أخري سواء كانت عظمي أو صغيرة‏.‏

وبالطبع نحن لا نلفت النظر لتلك الأصول بهدف الاسراع ببيعها‏,‏ وإنما لاستغلال هذه الإمكانات الهائلة من خلال ادارة رشيدة تدرك أهدافها وتضع لها ما يلزمها من سياسات‏,‏ وذلك في زمن أصبح جل مشاكلنا يعتمد في حله علي زيادة الصادرات‏,‏ والا ما الهدف من كل هذا الحديث الذي لا ينقطع عن أهمية الكوميسا‏,‏ والتوجه الإفريقي‏,‏ وغيرها من الشعارات الرنانة؟‏!‏
نعود الي محمد صادق الوزير المفوض التجاري لمصر في جنوب إفريقيا ومدير مكتب التمثيل التجاري المصري الذي يؤكد أنه تم أخيرا تأسيس جمعية المصدرين المصريين‏,‏ تلك الجمعية التي تتمتع بخبرة واسعة في مجال التصدير والوصول الي الأسواق‏,‏ بالاضافة إلي توافر المنتجات الجيدة والأسعار التنافسية لديها وعنصر الاستمرارية‏.‏ وأوضح ان مكتب التمثيل التجاري يقوم حاليا علي تنفيذ برنامج بعثات يمتد حتي منتصف العام الحالي‏2002,‏ والتي يقوم خلالها رجال أعمال جنوب أفارقة بزيارة مصر‏.‏ وأضاف ان التركيز حاليا في هذه البعثات علي مجالات الأرز ـ السيراميك ـ الأثاث ـ الأجهزة الكهربائية ـ السجاد ـ المفروشات ـ الملابس الجاهزة ـ صادرات القطن الخام والغزول القطنية‏.‏ وقد تم تنفيذ جزء من هذه البعثات في مجالي الأجهزة الكهربائية والغزول القطنية وبصدد تنفيذ بقية البرنامج‏.‏

وبالطبع‏,‏ فإن مثل تلك الجمعية وغيرها جهد غير منكور‏,‏ كما أن أثرها انعكس في زيادة صادرات مصر أخيرا وخاصة في عام‏2001,‏ إلا أنه يتحتم القول إن تلك الجهود ليست كافية علي الأطلاق لاعطاء دفعة قوية للصادرات المصرية وبشكل يضيف‏(‏ أصفارا علي اليمين‏)‏ لأرقام صادراتنا‏.‏ فالملاحظ أنه توجد بالفعل جهود حثيثة من جانب كل من الدولة والقطاع الخاص‏,‏ إلا أن ما يعيب تلك الجهود ويحبط جانبا منها‏,‏ في حين يحجم نتائج الجانب الآخر هو عدم وجود تنسيق في كثير من الأحيان بين تلك الجهود‏,‏ وكأن كل هيئة أو وزارة تعمل من فوق جزيرة منفصلة عن الأخري‏!‏ والدليل علي ذلك‏,‏ أن الأمر لا يحتاج الي دراسات طويلة الأجل لكي ندرك علي سبيل المثال أنه بالرغم من الأهمية القصوي لأسواق دول منطقة البحيرات العظمي‏,‏ فإن الأساليب التقليدية المصرفية والتي تتمثل في فتح الاعتمادات المستندية للتصدير لا تصلح في معظم الأحيان مع تلك الدول‏..‏ والبديل الذي أدركه اللبنانيون والصينيون والأوروبيون والكوريون هو استئجار مخازن ومعارض لسلعهم والتوزيع مباشرة علي تجار الجملة مقابل ثمن يدفع مباشرة‏.‏
واذا كان الحال كذلك‏,‏ فإن الحل يكون بالفعل أمامنا‏,‏ إلا أننا نصر علي إغماض أعيننا عنه‏,‏ ألا وهو تحويل ممتلكات مصر من عقارات في جميع دول إفريقيا الي معارض ومخازن لمنتجاتنا‏,‏ تستوي في ذلك جميع الممتلكات بغض النظر عن الوزارة أو الشركة أو الهيئة التي تعود الملكية لها‏.‏ والحل الذي ندعو اليه‏,‏ بالاضافة الي أنه سيؤدي الي دفعة قوية وسريعة لصادراتنا‏,‏ فإنه ايضا لن يكلف الدولة كثيرا‏,‏ حيث انها لن تضطر الي الاستئجار أو الشراء‏,‏ ناهيك عن أن هذا الحل سيبرر تكلفة تلك البعثات التي تخرج من الوزارات سنويا لكي تقوم بتفقد تلك الممتلكات وصيانتها‏,‏ لمصلحة أشباح ـ في بعض الأحوال ـ تسكنها‏!‏
البدائل كثيرة‏,‏ ولكنه وكما قلنا من قبل‏,‏ فإن المشكلة هي أن بعضا من القائمين علي التنفيذ ليسوا علي مستوي القائمين علي التخطيط‏,‏ فهل من مخطط يقوم بتنفيذ ما خطه هو شخصيا؟‏!‏ والي حين ان يقوم المخطط بالتنفيذ‏,‏ فإننا نطالب جميع الوزارات والهيئات والشركات الحكومية بالإعلان عن ممتلكاتها من أراضي وعقارات خارج الحدود‏,‏ تلك العقارات التي لايتم الاستفادة بها‏,‏ كخطوة أولي للبدء في التعامل مع قضية التصدير بجدية ترقي إلي مستوي المصير‏,‏ كما تؤكد دائما القيادة السياسية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية