قضايا و اراء

42049‏السنة 126-العدد2002يناير21‏7 ذوالقعدة 1422 هــالأثنين

الحرب النفسية ضد العرب‏..‏ هل تصلح لحوار الحضارات؟
بقلم : د‏.‏ السيد عليوة
أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان

كشفت الشهور الأخيرة عن ضراوة الحرب النفسية التي تصاعد استخدامها في الصراعات الدولية الراهنة‏,‏ وبالاخص بسبب التطور التكنولوجي المذهل في مجال البث الفضائي والتلفزة المبهرة بفضل المزايا الفائقة التي وفرتها ثورة الاتصالات للمواطن العادي‏,‏ حيث مكنته من تسهيلات لم تخطر علي البال في حرية الاختيار بصورة جعلت الدنيا بين أصابعه‏.‏
نقول علي الرغم من ذلك التحرر الظاهري فقد وقع الإنسان والمواطن تحت سطو زمرة واسعة من زالتكنوقراط وا لخبراء الإعلاميين بأدواتهم الرقمية الإلكترونية‏(‏ ديجيتال‏)‏ ومن ثم وقع مرة أخري تحت سطو الدولة أو علي الأقل سطو دولة القطب الواحد التي تفرض نظامها وأمنها وثقافتها علي الجميع‏.‏

الفكرة الجوهرية في الحرب النفسية تتلخص في شن حملة فكرية علي الخصوم تؤدي إلي هجوم من الدرجة الأولي متجاوزا الدرجة الثانية التي تتمثل في الدعاية التي تعتمد علي الإثارة‏,‏ وكذلك شاملا الدرجة الثالثة التي تتمثل في الإعلام واستغلال الحقائق‏.‏
أي أن الحرب النفسية تستخدم مزيجا مركبا من ثلاث درجات‏:‏ الإعلام والدعاية وكسر إرادة الخصم وتحطيم روحه المعنوية‏..‏ و هذا هو الأهم ـ بل والمميز لأسلوب الحرب النفسية التي كثيرا ما واكبت المواجهات العسكرية المسلحة في الحربين العالميتين الأولي والثانية‏.‏

هذه الحرب النفسية تصاعد استخدامها في الأونة الأخيرة مع تعظيم فاعليتها بفضل التفوق التكنولوجي للقوي الغربية في حربها ضد ما يسمي الإرهاب الدولي وذلك علي الرغم من السيطرة السيادية التامة في مجال السلاح ومعدات القتال والقوة الاقتصادية‏.‏
لقد بات واضحا أن تشويه الصورة النمطية الذهنية لدي الرأي العام من أمة من الأمم أو شعب أو دولة أو جماعة بعينها كما يحدث الآن للعرب والعالم الإسلامي هو الاستراتيجية العليا للحرب النفسية في المناخ العالمي المعاصر الملبد بضباب التساؤلات المحيرة وغيوم الشكوك المفسرة وأمطار المعلومات الغزيزه‏.‏ وفي سبيل ذلك لا يتردد المتصارعون عن استخدام جميع وسائل الكذب والغش والتدليس والخداع بواسطة الكومبيوتر والمونتاج وتركيب الصور والمزج الالكتروني بغرض تسكين انطباعات وترسيب مرجعيات ذهنية تتحكم في استيعاب المعلومات المتدفقة إلي جمهور الرأي العام‏,‏ وتصبح هذه المرجعيات قوالب جاهزة للمفهوم والتفسير والحكم علي الأمور‏.‏

ومحاكاة للنموذج الكومبيوتري الذي يتكون من شقين‏:‏ شق مادي صلب
‏HArdware‏
يتمثل في الجهاز التكنولوجي‏,‏ وشق فكري لين
‏Softwqre‏
يتمثل في البرامج والنظم والمعلومات‏,‏ يمكن أن تتصور أن حملة الحرب النفسية تعتمد علي الشق المادي من تكنولوجيا المعلومات والاتصال‏,‏ ولكنها تطور بصورة إبداعية ـ وهذا هو الاهم ـ الشق الفكري لإحكام سيطرتها علي عقل وعاطفة ووعي المتلقي للرسالة الدعائية في بيئة ديناميكية متغيرة‏.‏
ومن خلال ثلاثية النسق المتتابعة‏:‏ الإلمام‏,‏ التكرار‏,‏ الملاحقة‏..‏ ترسخ الصورة التليفزيونية الإلكترونية وتتحرك إلي صورة نمطية مطبوعة بالألوان في قاع ذاكرة الرأي العام‏.‏ ولما كانت الصورة بألف كلمة ـ كما يقول المثل الصيني القديم ـ فإن الحكمة الدعائية الحديثة تؤكد أن الصورة النمطية بمليون كلمة‏.‏

عشرات الأمثلة الحية التي نشاهدها صباح مساء ـ قناة التليفزيون الأمريكية الشهيرة
‏CNN‏
منذ الحادي عشر من سبتمبر ترفع شعار الحرب ضد الإرهاب كشريط ثابت علي البث الصادر عنها بحيث يتم استيعاب كل رسائلها من خلال هذا الإطار النفسي الشامل‏.‏
آخر تظاهرات الحرب النفسية ذلك الاسلوب الصارخ الذي اتبعته إسرائيل في الأسبوع الأول من يناير‏2002‏ لتسويق مسألة القبض علي سفينة السلاح في البحر الأحمر في المياه الدولية والتي تزعم تورط السلطة الفلسطينية فيها ـ لقد جلس أرييل شارون ومعه وزراؤه علي المنصة في الميناد وفي خلفيتهم السفينة وحولهم قطع السلاح المصادرة ـ وكأنهم في معرض تجاري‏.‏ ومن يتابع مسلسل الفرقعات الإسرائيلية من هذا النمط يمكن عدها بالعشرات‏.‏ لنذكر أوسلو‏,‏ وقف الانتفاضة‏,‏ الخليل‏,‏ القدس‏,‏ المستوطنات‏,‏ واقتحام شارون للحرم المقدس‏,‏ الانتفاضة‏,‏ وقف الانتفاضة‏,‏ كامب ديفيد‏,‏ شرم الشيخ‏,‏ رحلة روس‏,‏ سولانا‏,‏ تقرير تينيت‏,‏ لجنة ميتشيل‏,‏ ثم الجنرال زيني‏,‏ وسفينة السلاح‏..‏ إلخ وما يدريك كم تبقي من الحجج والقضايا؟؟ تحتفظ بها إسرائيل في مخزونها الاستراتيجي الدعائي بغرض التسويف والمماطلة‏.‏

بل إن هيئة الإذاعة البريطانية التي تتمتع بسمعة طيبة كإعلام مهني محايد إلي حد كبير‏,‏ لا تسلم من بعض شوائب الحرب النفسية عن طريق استخدام التكرار المكثف الذي يترتب عليه تلقائيا قدر كبير من المبالغة والتهويل‏.‏ لنتأمل معالجتها لحادث طائرة لوكيربي واصرارها في كل مرة علي ذكر الضحايا حتي أني حاولت حصرهم علي وجه التقريب بمعدل مرات تكرار إذاعة الخبر التي جاوزت الألف مما يجعل ضحايا الطائرة الـ‏280‏ تقريبا يتحولون إلي نحو ربع مليون انسان‏,‏ في حين يتم تجاهل نفس الأسلوب حين يكون الضحايا فلسطينيين أو أفارقة‏.‏ كذلك تم نفس الأسلوب مع معالجة خبر ضحايا الإرهاب أو العنف في مصر خلال التسعينيات حتي توهم بعض المستمعين أن البلاد كانت علي حافة الحرب الأهلية‏.‏
علي نفس هذا النسق عالج الإعلام الغربي علاقة الاسلام بالغرب وشوه صورة العرب قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر‏.‏ ورغم جبال الوهم التي تتعلق بها في الاشتراك في حوار الحضارات‏,‏ فإن المستخدم هو الحرب النفسية وسلاح الصورة النمطية المشوهة الداعية إلي مزيد من الكراهية والصدام بين الحضارات‏.‏

وتفضل الدوائر الصهيونية واللوبي الصهيوني الإسرائيلي اليهودي المسيطر علي مفاتيح النظام الإعلامي الغربي وعلي اعصاب الجهاز السياسي الأمريكي الإمعان في استخدام الحرب النفسية ضد هدف ثلاثي مركب‏:‏ العرب والإسلام والأقطار النامية‏,‏ ليس انحيازا منها فقط لمصالح الغرب الاستراتيجية وإنما لانها في تقديرهم هي اللحظة المواتية فنيا من حيث اختلاط وامتزاج ثلاث صور بحكم التقنيات الاتصالية المتطورة‏.‏ ونعني بها الصورة الالكترونية المبهرة‏,‏ والصورة الافتراضية المتخيلة‏,‏ والصورة النمطية الذهنية المقصودة وذلك بالخلط المتعمد بين البث الحي والصور الأرشيفية‏.‏
كل هذا يجعلنا نؤكد أهمية أن توقف الدعاية الغربية استخدام الحرب النفسية ضدنا وتتبني الإعلام الموضوعي الهاديء اسلوبا للحوار الحضاري بدلا من حفر صور نمطية مشوهة وتبادل حملات الكراهية عبر قنوات التواصل البصري‏!!‏

والواقع أننا لا نستطيع أن نتنصل من مسئوليتنا عن نجاح الحرب النفسية ضدنا‏.‏ وقد أصبح أمننا القومي مكشوفا بسبب عجزنا عن فك شفرة تحديث مجتمعاتنا ونظمنا لدخول القرن الحادي والعشرين‏.‏
لا أملك ـ للأسف ـ حلا جاهزا‏.‏ ولكني سألجأ إلي القراء الأعزاء لكي يسعفوني بآرائهم‏.‏ فالعلاقة بين الكاتب والقاريء دورة متصلة في اتجاهين تدور حول‏..‏ كيف تقاوم تلك الحرب النفسية؟؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية