|
|
طرحت الحكومة ممثلة في شخص رئيسها المخضرم الدكتور عاطف عبيد تصورها للوضع الراهن للاقتصاد المصري وسبل التعامل مع مظاهر القلق في السوق. دعم الدكتور عبيد تصوره بمظاهرة إحصائية كبيرة وبأسلوب عرض يليق بأستاذ جامعة حقيقي. وأكثر ما أقدره في الطرح الحكومي أنه ترك خندقه التقليدي في لاظوغلي وموقعه الدفاعي المفضل في القصر العيني حيث مبني البرلمان وخرج ليقابل المجتمع الواسع سواء عبر الصحافة والإعلام أو عبر المنتديات والجمعيات المدنية. ثم أني أقدر أيضا روح التواضع والانفتاح الفكري التي طرح بها الدكتور عبيد أفكاره ودافع بها عن سياساته. وربما نسمع لأول مرة من يطالبنا بالمناقشة والإضافة بل والمشاركة بالاقتراحات والأفكار. وبهذا تصبح مناقشة الخطاب الحكومي اكثر من مجرد حق يمارسه الكتاب والخبراء والمفكرون. فالمناقشة حق أيضا لكل من يعنيه أمر السياسات والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية بل هو حق لكل المصريين وواجب أو تكليف ملزم لكل من لديه فكرة مختلفة ورأي أو توجه مغاير. ولأن المناقشة قد تطول فسوف نختصر الموضوع أو نركزه في خلاف بين منهجين في التعامل مع' مظاهر القلق والتوتر' في السوق أو بالأحري مع مظاهر القلق والتوتر في المجتمع الاقتصادي والسياسي في البلاد.
التحليل الرسمي وقبل أن ندخل في محتوي الخلاف في العلاجات المطلوبة قد يكون من المحتم أن نعرض للخلاف في تقويم الأوضاع الاقتصادية في مصر. ينهض خطاب الحكومة علي القول أن الاقتصاد المصري قوي وأنه يواجه تبعات وضغوط خارجية إضافية بعد11 سبتمبر ولكنه لا يعاني أزمة ركود أو انكماش بالمعني المفهوم في الاقتصاد. بعض الفروع أو الصناعات تعاني من مظاهر ركود بسبب توسع غير مدروس في الاستثمار وتكوين طاقات إنتاجية أكبر من سعة السوق المحلي المحدود. ومع ذلك فان الحكومة سوف تزيد الإنفاق الحكومي بهدف إنعاش السوق خلال السنوات الثلاث المقبلة من خلال موارد حقيقية.
لابد أن يكون القارئ الحصيف قد لمح بالفعل التناقض الأول وربما الأبرز والأكثر وضوحا في خطاب الحكومة. فإما أن يكون هناك انكماش يلزمنا بالتوسع في الإنفاق الحكومي وإما أن يكون الاقتصاد بحالة طيبة فلا نحتاج للتوسع في الإنفاق الحكومي. إن المؤشرات المتاحة عن أوضاع الاقتصاد تؤكد صحة ما ذهب إليه خطاب الحكومة وهو أن الاقتصاد ككل لا يعاني من ركود أو انكماش. فحتي لو انخفض معدل النمو إلي4% فقط لما اعتبرنا هذا المعدل سيئا بالنظر إلي أحوال الاقتصاد العالمي. فان كان الأمر كذلك فما هو وجه الحاجة للتوسع في الإنفاق العام بأكثر مما هو وارد في الموازنة العامة والخطط وتقديرات الموارد. فان كانت البيانات والتقديرات المتاحة عن نمو الاقتصاد خاطئة من الأصل أو بحاجة لتعديل جذري لتواكب أخر التطورات يصبح من المقبول التوسع في الإنفاق العام لتسخين أو تعويم الاقتصاد وتمويل عملية تنشيطه بصورة اصطناعية. أما أن كانت تلك البيانات والتقديرات صحيحة حتي الآن فلا نكون بحاجة إلي وسائل اصطناعية مكلفة لتسخين الاقتصاد.
تمويل الإنعاش لقد وعد السيد رئيس الوزراء بأن يمول عملية الإنعاش من موارد حقيقية. وهنا طفرت فكرة بيع الأراضي المستصلحة وشركة الاتصالات كمصدر للتمويل. ويعجب المرء ما إذا كانت هذه الأراضي قد بيعت أصلا. وان لم تكن قد بيعت فماذا كانت الخطة الأصلية للتعامل معها. هل كانت ستدار عن طريق شركات حكومية أو تابعة للقطاع العام مثلا أم أنها استصلحت ونستها الحكومة حتي اضطرت للبحث في دفاترها القديمة. ولأسباب متعددة أخشي أن تضطر الحكومة في نهاية المطاف الي تمويل الإنعاش الذي أكدت هي نفسها أنه لدينا بالفعل عن طريق أموال ليست لدينا أي عن طريق العودة للتمويل التضخمي أو بالإغراق في مزيد من الديون الداخلية والخارجية. ولعلنا نتساءل هنا عن حكمة أن نسيل أصول حقيقية لتمويل إنفاق استهلاكي. لقد فعلنا ذلك طول الوقت وهو ما يعد من محذورات علم الاقتصاد ومن الكبائر في مذاهب الحكمة عامة. فلا يجيزها سوي حالات الاستثناء والطوارئ. وما نواجهه ليس من هذا ولا من ذاك. فان لم نمول الإنفاق العام عن هذا الطريق يبقي أن نموله عن طريق الدين الداخلي أو الخارجي. وحتي إن لم نكن قريبين هنا من حافة الخطر فالدين عبء حاضر ومستقبلي لم يعد محتملا. وربما لم يعد أخلاقيا أن نورط أبناءنا في تسديدة لمجرد أن نلبي حاجة مشكوك فيها كل هذا الشك.
خضوع للابتزاز يرتبط هذا الأمر أيضا بقضية سياسية واجتماعية بالغة الأهمية وهي الآثار التوزيعية للتوسع في الإنفاق الحكومي. أن ما تقوله الحكومة بكل صراحة هو أن لديها مؤشرات قوية أن هناك قدر معقول من التوسع والنمو. من هذه المؤشرات النمو الملحوظ في الطلب والاستهلاك من الطاقة للأغراض الصناعة والتوسع في التسهيلات الائتمانية الجديدة. معني ذلك أن الشكاوي مرتفعة الصوت التي تأتي من عدد من دوائر الأعمال مبالغ فيها علي أقل تقدير. ومعني أن تقوم الحكومة بالتوسع في الأنفاق العام استجابة لتلك الشكاوي أن الحكومة تخضع للابتزاز دون أن تتأكد من أن جانبا من المال الذي تنوي ضخة سيلبي حاجات اجتماعية أخري مثل امتصاص البطالة أو دعم الإنتاجية والتنافسية والتصدير أو تدعيم أنشطة التطوير.
التناقض الثاني ومع ذلك فان ما يهمنا أكثر كثيرا هو التناقض الثاني في خطاب الحكومة. نعني أن العلاج الذي تطرحه الحكومة ليس له صله بالمرض كما شخصته هي نفسها. فالحكومة تقول حسنا! هناك بالفعل أزمة ركود أو انكماش في قطاعات بعينها وخاصة في قطاع المقاولات. هذه الأزمة نجمت عن التوسع في الإنشاءات السكنية بناءا علي تقديرات متفائلة للطلب علي الإسكان الفاخر. فكأن الاستثمار والطاقة الإنتاجية فاقت كثيرا الاحتياجات الفعلية والطلب المحلي الفعال. فإذا كانت الأزمة الظاهرة في بعض القطاعات هي وجود فائض عرض أو ما يسمي في الاقتصاد فائض إنتاج لا يكون العلاج أبدا عن طريق تنشيط الطلب من خلال الإنفاق الحكومي. فحتي لو افترضنا أن المال سيذهب في النهاية إلي القطاعات آلتي تعاني من الانكماش وهو أمر مشكوك فيه فلماذا نستخدم وسيلة علاج مكلفة لدعم طاقة إنتاجية لا نحتاج لها بينما نحتاج إلي إنشاء أو تدعيم طاقات إنتاجية نحتاجها ولا نملكها
التركيبة لا تستحق وبوجه عام فان السؤال الجوهري الذي يحق للمجتمع كله أن يسأله هو ما إذا كانت' التركيبة الاقتصادية' الراهنة في مصر تستحق التدعيم والإنعاش أم ربما ينبغي أن نتحين الفرص لتحويل هذه التركيبة وإصلاحها أو تغييرها. دعك من مظاهر الخلل التي ترتبط بالفقر والتخلف ودعك من العلل الهيكلية طويلة المدي والتي يشاركنا فيها العالم الثالث كله. ولنناقش مؤشرات أساسية للعلل المباشرة للاقتصاد كما تشخصها تقارير ودراسات المراكز القومية المتخصصة وجميع مراكز البحوث وكافة المشتغلين بالاقتصاد تقريبا. من هذه المؤشرات التي تميز الاقتصاد المصري وتجعل' تركيبته' غير مرضية وبحاجة ماسة لإصلاحات عميقة الاعتماد الشديد علي مصادر الدخل الخارجية والعجز المزمن للميزان التجاري بسبب المكون الاستيرادي المرتفع للاقتصاد ككل والصناعة بصورة خاصة وضالة القدرة علي التصدير. والواقع أن تلك العلل لها أسباب كثيرة بعضها موروث من الماضي وبعضها ناشئ عن فقر شديد في الموارد وبعضها يتعلق بالإدارة..ولكن السبب الأهم في تقديري هو الانحراف' العقاري' والاستيرادي للاقتصاد المصري خلال ربع القرن الماضي, أعني التحيز في توزيع الاستثمارات والمكافئات الاقتصادية لصالح أنشطة المقاولات والتشييد السكني ومضاربات الأراضي وضد الصناعة والتصدير. فمستويات الربحية المتحققة في هذه الأنشطة تقاس بعدة أضعاف تلك المتحققة في الصناعة التحويلية والخدمات الحديثة. بل إن التعدين والصناعة وقعت صياغتهما بتأثير الوزن الطاغي للإسكان والتشييد بوجه عام. ولذلك اتجهت معظم الاستثمارات الصناعية الي خدمة هذا النشاط بطريقة أو أخري. نبهت مختلف مراكز البحوث الحكومية وغير الحكومية لهذه العلل الخطيرة في الاقتصاد المصري والاقتصاديات العربية بوجه عام. كما أكدت أن الرواج النسبي الذي اعتمد علي تلك الظواهر هو من نوع اقتصاد الفقاقيع الذي قد ينفجر مع بوادر التأزم والانكماش المالي.
ومن جديد نحن لسنا في مواجهة حالة انفجار من هذا النوع. ولكننا أمام حالة انكماش تدريجي وان ملحوظ لمصادر الدخل الخارجي التقليدية وهو الأمر الذي يقود إلي انكماش ملحوظ للقطاعات التي تمتعت بالرواج بسبب هذه المصادر. نعود للسؤال الجوهري الذي طرحناه علي الرأي العام. هل هذه' التركيبة الاقتصادية' جديرة بأن نحافظ عليها أم بأن نغيرها. فيما بين دارسي الاقتصاد السياسي والتنمية ثمة إجماع أنه ينبغي تغييرها بال كان ينبغي تغييرها منذ فترة طويلة. الواقع يضغط علينا من أجل تغيير هذه التركيبة فلماذا ننفق الأموال من أجل الاحتفاظ بها رغم ما تسببه من هشاشة للاقتصاد وضعف بالغ للمجتمع وعجز ممتد للدولة هذا ما ينبغي علي رئيس الوزراء أن يجيب عليه وما ينبغي علي الجميع مناقشته. |
|
|
|
|
|