|
|
 |
هناك أثر عربي شهير أعجب به غاية الإعجاب يقول خلق الملائكة من عقل بلا شهوة وخلق الحيوان من شهوة بلا عقل وخلق الإنسان من عقل وشهوة فمن غلب عقله علي شهوته كان خيرا من الملائكة ومن غلبت شهوته علي عقله كان شرا من الحيوان. ومن نعم الله الكبري علي العالمين أنه خلق بين الآدميين أناسا هم خير الملائكة ضربوا بأفعالهم مثلا عليا تظل متلألئة عبر الزمان لا يخبو لها بريق ولا يخفت لها إشراق.
من هذه المثل العليا عبدالعزيز فهمي باشا ثالث الثلاثة مع سعد باشا وشعراوي باشا الذين قابلوا المعتمد البريطاني وطالبوا لمصر بالاستقلال يوم13 نوفمبر الشهير الخالد. عبدالعزيز فهمي شغل فيما شغل منصب رئيس محكمة النقض ومعروف في ساحة القضاء أنه هو الذي أنشأ اللغة القانونية في القضاء المصري. وهي لغة عالية تتسم بالفصاحة الرفيعة والدقة غاية الدقة في تحديد المعاني. وهناك قضية ذات دلالة عظمي أري أن أرويها لك.
فقد حدث أن دخل زوج علي زوجته فوجد معها زانيا فسارع الزوج إلي مسدسه محاولا أن يقتل الزاني ولكن الزاني كان أسرع إلي مسدسه فقتل الزوج. وعندما قدم الزاني إلي المحكمة حكمت بالبراءة فدعوي الزنا لا يرفعها إلا الزوج, والزوج قتل أما القتل فهو دفاع شرعي عن النفس في اجلي صوره. ورفعت القضية إلي محكمة النقض ونظرها عبدالعزيز فهمي باشا رئيسا للمحكمة فاصدر حكما فريدا معناه أن المشرع حين وضع القانون لم يكن بذهنه أن يزني زاني ويهتك العرض ثم يقتل الزوج ثم يفلت دون أي عقوبة ولذلك فإني سأتغاضي عن القانون الوضعي واتجه إلي القانون الطبيعي, وحكم علي القاتل الزاني بالسجن عشر سنين.
وكان عبدالعزيز باشا في وفد المفاوضات الذي يرأسه سعد باشا وكان أعضاء الوفد يقيمون في باريس حين تجري المفاوضات كل منهم علي نفقته الخاصة. وحدث أن انضم إلي الوفد مصطفي النحاس وحافظ عفيفي, وكان كلاهما غير قادر ماليا علي أن يواجه نفقات الإقامة من جيبه الخاص.
واجتمع الوفد ودار النقاش ورأي الوفد انه لا يمكن أن يدفع نفقات العضوين وحدهما لان هذا سيكون جارحا للعضوين ولهذا قرر الوفد أن تكون إقامة أعضائه جميعا علي حساب الوفد. واجتمع الرأي علي ذلك إلا أن عبدالعزيز فهمي أبي وأصر أن تكون إقامته علي نفقته الخاصة.
وانفرد به محمد محمود باشا, وقال له: ـ أنا أكثر ثراء منك ولكن موقفك هذا سيحرج إخوانك. فقبل أن ينزل علي رأي الوفد. ولكنه فعل عجبا
كان وهو يدفع نفقاته من جيبه الخاص يقيم في فندق لائق به تتوافر فيه كل وسائل الراحة فحين أصبح يقيم علي نفقة الوفد راح يبحث عن حجرة فقيرة فوق سطح إحدي العمارات وأقام بها متنازلا عما تعود عليه مثله من عيش خفيض. وحين انتهت المفاوضات أعاد إلي الوفد ما تبقي معه من المبلغ الذي كان الوفد قد أعطاه له مقابل إقامته. وفي أخريات حياته ذهب إلي ساحة القضاء ليترافع في قضية شخصية ولاحظ القاضي أنه مجهد فقال له:
ـ تفضل بالجلوس يا معالي الباشا. فقال له: ـ والله يا بني أنا فعلا متعب ومحتاج للجلوس ولكن لن أفعل هذا إلا بشرط. فقال القاضي: ـ تفضل ـ أن يجلس محامي الخصم. إلي هذه الدرجة السامقة الرفيعة كان إحساس عبدالعزيز فهمي بالعدالة. وفي جعبتي عنه قصص كثيرة لعلي أتحفك بها في مرات قادمة.
نذكر هذا ونتلفت حوالينا فنجد الحياة أصبحت دار الذئاب كل همها أن تبحث عما تنهشه لا يعنيها أن يكون نهشها بالحق أو بالباطل. ونجد البنوك أصبحت نهبا لأقوام الإجرام ديدنهم أو قل دينهم. ونجد مال الدولة والشعب مستلبا بوحشية ضاربة ونجد الأخلاق في الضياع والأمانة في الخيانة والحياء في الجمود. ولا نملك إلا أن نقول اللهم حوالينا ولا علينا سبحانك تعاليت وتقدست أسماؤك. |
|
|
|
|
|