قضايا و اراء

42042‏السنة 126-العدد2002يناير14‏30 من شوال 1422 هــالأثنين

فهم ما حدث للاقتصاد في نصف قرن
بقلم : محمد السيد سعيد

الدولة المصرية كانت دائما ومنذ نشأتها الحديثة علي يد محمد علي صاحبة رسالة تنموية‏.‏ وخلال الخمسين عاما الماضية صارت التنمية هي المحور الرئيسي لرسالة الدولة‏.‏ هذه الدولة لم تكن في أي وقت بعيدة عن التحولات في الفكر العالمي حول قضايا التنمية والانطلاق الاقتصادي‏.‏ فلماذا إذن نجح آخرون ولم ننجح نحن في الانطلاق والتحديث الاقتصادي؟‏!‏
تبرز مدارس مختلفة وعوامل شتي أغلبها لا يفسر هذه المفارقة‏.‏ الخطاب شبه الرسمي يقول مثلا إن الحروب التي خاضتها مصر استنزفت ثرواتها‏.‏ ولكن بلادا مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية‏,‏ خاضت حروبا أطول وأشد دمارا ونجحت في الانطلاق‏.‏ البعض يري أن التركيبة الثقافية في مصر كانت ولاتزال أقل مواتاة للانطلاق‏.‏ وهذا غير صحيح حتي بالمقارنة مع الصين ومعظم دول النموذج الآسيوي‏.‏ بعض آخرـ خاصة من المعارضة ـ يقول إن المشكلة ربما تكون في نوعية نخبة الحكم لافتا النظر بصورة خاصة الي اتساع الذمة‏.‏ وواقع الأمر أن النخبة الوزارية المصرية كانت تاريخيا أعلي من حيث المستوي التعليمي عن مثيلاتها في أغلبية بلاد العالم بما في ذلك الدول المتقدمة‏.‏ فقد كنا دائما بلد شهادات كما يقال خاصة في عهد الثورة التي فتنت بشهادة الدكتوراه افتتانا شديدا‏.‏ وربما لا يكون الفساد هنا أسوأ كثيرا مما شهدوه هناك حتي في آسيا المعروفة بشيء من الصرامة الأخلاقية‏.‏

كيف نفهم إذن تلك المفارقة لعلنا نجد أهم الاختلافات مع من نجحوا في الانطلاق والتحديث الكامل للاقتصاد فيما يلي‏.‏ في الطائفة الأخيرة من البلاد فرضت الضرورات الاقتصادية حكمها علي السياسة‏.‏ أما لدينا فان السياسة هي التي فرضت أحكامها وضروراتها علي الاقتصاد‏.‏ وطلب من الاقتصاد أن يتوسع في خدمة أغراض وأهداف أكبر من طاقته بل وعلي حساب هذه الطاقات‏.‏ ومن ثم أهدرت الفرص الاستثنائية للنمو بل والإمكانيات العادية للاقتصاد الوطني لتلبية أهداف وحاجات آنية بصورة بعيدة بل ومتناقضة مع منطق وضرورات التنمية والانطلاق‏.‏ وترتب علي ذلك أن الدولة المصرية عاشت أزمة مالية شبه مستديمة حتي في الوقت الذي كانت فيه البلاد مترعة بالمال‏.‏ والأهم هو أن الدولة المصرية عجزت عن تعديل وابتكار الترتيبات الاقتصادية المناسبة في الوقت المناسب لتكوين ودفع حزمة السياسات المطلوبة للانطلاق‏.‏
أدت التوازنات الاجتماعية الي إفقاد الدولة القدرة علي وضع ترتيبات طويلة الأجل بالتناسب مع أهدافها التنموية وصارت تعيش وتتخذ قراراتها يوما بيوم لأنها لا تملك موارد تلبي جميع أهدافها واضطرت لترتيب أولوياتها بحيث يأتي العاجل علي حساب الآجل‏.‏ وباختصار خضعت الدولة لأولويات الحياة اليومية وفقدت القدرة علي تطبيق رؤية استراتيجية بصورة حاسمة وحازمة رغم أنها‏-‏ من الناحية النظرية ـ كانت تملك رؤية‏.‏

الواقع أننا لن نفهم هذه المسألة أبدا إلا إذا وضعناها في سياقها التاريخي وهو ما يجبرنا علي تتبع جذور الاختيارات الكبري الراهنة في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية إلي فترة السبعينيات علي الأقل‏.‏
فحتي أثناء أصعب الفترات قاطبة في التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد وهي الفترة الفاصلة بين الحربين‏1967‏ و‏1973‏ رفضت الدولة المصرية فرض التقشف علي البلاد‏.‏ كان من المحتم إحداث زيادة سريعة في الإنفاق العسكري تحضيرا لحرب أكتوبر واستجابة للحد الأدني من ضرورات التوازن العسكري النسبي‏.‏ وكان السؤال هو من أين تقتطع هذه الزيادة‏:‏ من الاستهلاك الخاص للمواطنين أم من مخصصات الإحلال والتجديد والاستثمار؟ ومن اللطيف أن منابر اليسار المصري في ذلك الوقت وعلي رأسها مجلة الطليعة كانت تدعو لما أسمي في ذلك الوقت اقتصاد حرب‏.‏ وكان هذا المصطلح يستدعي للذهن التجربة السوفيتية أثناء الحرب العالمية الثانية التي تمكنت من تثو ير الصناعة وتمويل الإنفاق الحربي في نفس الوقت‏.‏ تم ذلك هناك ببذل تضحيات لا يصدقها العقل أو فلنقل تفوق الخيال‏.‏

كان قرار الدولة المصرية حاسما‏.‏ لقد اقتطعت الزيادة في الإنفاق العسكري من مخصصات التنمية وليس من مستوي معيشة الناس‏.‏ صحيح أن المستوي الفعلي للمعيشة كان ينخفض بصورة محسوسة‏.‏ ولكن هذه كانت نتيجة موضوعية وحتمية للظروف الاقتصادية السائدة ولم يكن له أية صلة بقرار أو استراتيجية الدولة‏.‏ كنا قد فقدنا موارد ثمينة من قناة السويس وبترول سيناء والسياحة وكانت الزيادة السكانية متواصلة والتنمية موقوفة فعليا والبلاد محرومة من أي عائد إضافي سوي ما أنتجته المشروعات التي بنيت من قبل وبدأت تدر عائدا اجتماعيا واقتصاديا أثناء فترة ما بين الحربين‏.‏
لماذا كان هذا القرار قد يختلف الناس في تفسير ما حدث ولكن لا شك في كل الأحوال أن عهد الثورة قد تأسس علي عدد من العقائد منها عقيدة الاستقرار السياسي وهي عقيدة أملت أولوية ضمان مستوي معيشة مقبول للجماهير علي أي اعتبار آخر وحتي لو تمت التضحية بضرورات الاقتصاد والتنمية‏.‏ فالنظام السياسي كان دائما بالغ الحساسية تجاه أي قدر من التذمر الاقتصادي الشعبي‏.‏

أسهم في تخفيف التضحيات الحتمية في مرحلة ما بين الحربين تفهم السوفييت لظروف مصر وبدء معونات الدعم العربي‏.‏ ولولا هذان العاملان لكنا قد عانينا أضعاف ما عانيناه بالفعل‏.‏ ولا بد أن نتذكر هنا أن معاناة القطاع الريفي كانت أشد من القطاع الحضري وأن معاناة الطبقات الفقيرة كانت أشد من الفئات الوسطي رغم أن الأخيرة كانت تعيش الأزمة بقدر أكبر من الحدة‏..‏وربما لهذا السبب الأخير كانت الدولة المصرية حريصة أشد الحرص علي عبور المناخ الاقتصادي الخانق الذي تلا حرب أكتوبر‏1973‏ بأسرع ما يمكن حتي لو تم ذلك علي حساب الرصانة والحكمة‏.‏
لقد كانت هناك المخاوف التقليدية من التذمر الاقتصادي‏.‏إذ أن هذا التذمر يربك أهم معادلات أو أسس السياسة في عهد ثورة يوليو وهي المبادلة بين الحرية السياسية ورغيف الخبز‏.‏ ولكن الخشية من تآكل تأييد الطبقة الوسطي مثل عاملا ضاغطا إضافيا‏.‏ ولذلك دخلت معادلة جديدة إلي ذخيرة عقائد أو فنون الحكم وهي تتعلق بالعلاقة بين مسألة الصراع ضد إسرائيل من ناحية والأوضاع الاقتصادية من ناحية أخري‏.‏ فالرئيس السادات كان مصمما علي إنهاء الصراع مع إسرائيل بأسرع صورة ممكنة‏.‏ ومن أجل إقناع الجماهير عموما والفئات الوسطي خصوصا بهذا التوجه رأي أن عليه أن يعد الأمة بالرخاء الفوري ما أن يحل السلام‏.‏ وحتي قبل أن يحل السلام كان قد كرر هذا الوعد كأحد ثوابت خطابه السياسي‏.‏

يعجب المرء من أين كان هذه الثقة قد ملأته بحلول الرخاء في بلد كانت اقتصاده مجمدا لسنوات‏.‏ لا شك أن الرئيس الراحل كان يعتمد علي النتائج المباشرة وغير المباشرة لثورة النفط بعد حرب أكتوبر‏.‏ وكانت توقعاته ربما أكبر كثيرا مما حصل بالفعل‏.‏ ولكن الفكرة المضمرة أو المدخل الذهني نحو إدارة الاقتصاد والمجتمع هو ما يهمنا هنا‏.‏
فقد اختارت القيادة أن تبرهن علي الحلول الفعل للرخاء الفوري وهو ما لم يكن ممكنا حدوثه عن طريق العمل الشاق واستئناف النمو الحقيقي للاقتصاد بالتركيز علي الصناعة وبناء قدرة وطنية في مجال العلم والتكنولوجيا وتسريع التراكم الرأسمالي في القطاعات والفروع الأعلي إنتاجية والقادرة علي تحديث الاقتصاد والمجتمع ونقله الي النطاق الثقافي المرتبط بالمجتمع الصناعي‏.‏ فهذا الأسلوب كان يحتم استمرار التضحيات لفترة لا بأس بها‏-‏ ربما عقد إضافي كامل علي الأقل‏.‏ لقد كان هذا الأسلوب أقرب الي فكر ثورة يوليو في مرحلتها الفتية‏.‏ كما أن الكوادر اللازمة لوضعه موضع التطبيق متوافرة في ذلك الوقت حيث كانت خبرات الجيل الأول من العلماء والمصنعين والتكنولوجيين المصريين قد شحذت ووصلت الي قمتها‏.‏ وتستحق هذه المسألة تأريخا مستقلا حيث إن ما حدث فيما يتعلق بها يعد واحدا من أكثر أبعاد التجربة المصرية في نصف القرن الماضي مأسوية‏.‏ وباختصار تم تسريح هذا الجيل والاستغناء الفعلي عن خدماته بالضبط في تلك اللحظة التي وصلت فيها خبراته وحماسته الي أوجها‏.‏

إن إحلال الرخاء فورا كان ممكنا‏.‏ بل لقد حدث بالفعل‏!‏ ولكنه حدث علي حساب كل ما هو معقول وضروري في علم الاقتصاد وفي علوم المجتمع بصورة عامة‏.‏
فتم التوسع في بيع النفط المصري رغم أن احتياطاته المؤكدة في ذلك الوقت كانت تدعونا للاحتفاظ به أطول فترة ممكنة‏.‏ وحتي قبل أن نتأكد من حلول سلام مصري إسرائيلي كانت الدولة قد اعتمدت سياسة تصدير العمل المصري وتشجيع الناس بأعداد كبيرة علي الذهاب إلي بلاد النفط‏.‏ وبدأ توسع خرافي في الاستيراد الاستهلاكي‏.‏ كما بدأت المضاربة علي الأراضي وأنشطة البناء السكني تلعب دورا طاغيا في الاقتصاد‏.‏ ومضت الدولة ما وسعها المضي في التمويل التضخمي للموازنة العامة وفتحت علي الغارب باب القروض الخارجية‏.‏ ببساطة بعنا نفطنا النادر وبعنا أفضل علمائنا وخبرائنا وطبعنا النقود وأكملنا ذلك كله بالسلف والدين من أجل ماذا من أجل تمويل توسع مذهل في الاستهلاك والبناء السكني وأنشطة المقاولات‏.‏ ولم تكن الصناعة المصرية هي التي استفادت من هذا الطلب الإضافي الكبير‏.‏ إذ تمت تلبية القسط الأكبر منه عن طريق الاستيراد‏.‏ والواقع أن الصناعة المصرية قد انكمشت بوضوح خلال هذه الفترة بل إن القطاعات السلعية جميعا قد انحسرت بصورة واضحة‏.‏ وهكذا شعرنا بالرخاء‏!‏

إن الأمراض الراهنة للاقتصاد وللتشكيلة المجتمعية في مصر الآن لن يمكن فهمها إلا علي ضوء الاختيارات الكبري التي اتخذت خلال الفترة‏1974‏ ـ‏1981‏ وبصورة محددة اختيار التحول إلي مجتمع يعيش لأطول فترة ممكنة رواجا ماليا يسانده اقتصاد خدمي تقليدي‏.‏ لقد وقع هذا الاختيار علي حساب واحد من أهم عقائد ثورة يوليو وهو استهداف التطور الي مجتمع صناعي حديث‏.‏ ووجد هذا الاختيار صياغات نظرية خلال عقد التسعينات‏.‏ فبالنسبة لبعض الناس يبدو أن مصر ليست مؤهلة للصناعة‏.‏ وبالنسبة لآخرين أصبحت الخدمات خاصة السياحة هي غاية المني‏.!‏ أما بالنسبة لرجال المال والأعمال فان السوق هي التي تحدد‏:‏ أي أنها هي التي تختار لنا ماذا نكون وكيف نكون‏(‏ أو لا نكون‏)‏ ووراء ذلك كله كان هناك دافع جوهري وهو الهوس بالاستقرار‏.‏ وكان الثمن المدفوع هو تدمير العقلانية الاقتصادية وإجازة إهدار كل شئ آخر حتي العقل والقانون‏.‏
لقد تم تعديل كثير من الأبعاد الفنية لهذا النموذج المجتمعي‏.‏ وحقق التحول مما أسمي الانفتاح الاستهلاكي إلي الانفتاح الإنتاجي بعض النتائج خاصة في عقد التسعينات‏.‏ ولكن المشكلة لم تكن في الانفتاح أو الانغلاق كما أنها لم تكن في توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص بقدر ما كانت في مدي الاستعداد لدفع الضريبة الضرورية لبناء اقتصاد منتج وقادر علي المنافسة في الخارج والداخل وتوفير قوة دفع لتحديث الثقافة والعلاقات الاجتماعية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية