قضايا و اراء

41930‏السنة 126-العدد2001سبتمبر24‏7 رجـب 1422 هــالأثنين

من قيم التقدم‏:‏ عمل الفريق‏ ـ 1 ـ
بقلم‏:‏ طارق حجي

خلال سنوات عديدة من العمل في بيئة دولية يكل ماتعنيه الكلمة من معان حيث يعمل معا آلاف الأشخاص الذين ينتمون لدول عديدة ولثقافات بالغة التباين تكشف أمام عيني بوضوح ضعفنا الشديد‏(‏ كمصريين‏)‏ فيما يتعلق بالعمل الجماعي أو عمل الفريق‏.‏ فبينما تسهل هذه العملية بشكل هائل عند معظم الأفراد القادمين من آسيا‏(‏ ولاسيما من خلفية يابانية أو صينية‏)‏ وبينما يسهل ذلك أيضا علي شعوب أخري كالأوروبيين وغيرهم‏,‏ فإن تجربة العمل اليومي لسنوات عديدة في هذه البيئة متعددة الجنسيات كانت تجسد أمام ناظري الصعوبة البالغة لدي معظم المصريين للانخراط في عمل جماعي وكأعضاء في فريق عمل‏.‏ فمنذ اللحظات الأولي‏,‏ تظهر علي السطح صدامات الأنا بشكل بارز للغاية‏..‏ كما تظهر علي السطح رغبة كل فرد في أن يتأكد من أنه في حالات النجاح سيكون صاحب هذا النجاح أما في حالات الفشل فإن غيره سيتحمل التبعة‏!..‏ كذلك كانت الأمور تدل بوضوح أن أحدا لا يقبل أن يكون عمله‏(‏ أو تكون مساهمنه‏)‏ مجرد أمر مكمل لأداء الآخرين‏.‏ وفي مئات الحالات‏,‏ كانت الأمور تصل الي حالة من التأزم يطلب فيها البعض إما خروجهم من الفريق أو خروج شخص أو أشخاص آخرين وإلا‏!!‏ فإن الفشل النهائي مؤكد‏(!!).‏ وكان عدم حدوث ذلك من أفراد ينتمون لخلفيات أخري مثل البريطانيين والآسيويين والألمان وغيرهم عاملا يزيد من ظهور ملامح الصورة‏.‏ وهي صعوبة انخراط معظم المصريين في عمل جماعي وصعوبة أن يقبل أحد أن الشكر علي الإنجاز‏(‏ في حالة النجاح‏)‏ سيكون من نصيب‏(‏ فريق عمل‏)‏ وليس‏(‏ شخصا محددا‏)!(‏ هو المتحدث في كل حالة‏).‏

ولما كانت علوم الإدارة الحديثة تقوم علي مجموعة أساسية من الركائز من أهمها‏(‏ العمل الجماعي‏)‏ أو‏(‏ عمل الفريق‏)...‏ فإن تطبيق تقنيات الإدارة الحديثة علي أعداد كبيرة من المصريين يبقي أمرا صعبا باستثناء حالات وجودهم بالخارج‏,‏ إذ لا يكون أمامهم إلا‏(‏ الاستسلام المطلق‏)‏ لمفردات نظم العمل في تلك البيئات الخارجية وإلا لفقدوا عملهم علي الفور‏.‏ وفي هذه الحالات‏,‏ فإن بعضهم ينجح ويتألق وتعاوده جرثومة الفردية التي عرفها لمدد طويلة‏..‏ فنسب نجاحه لنفسه فقط‏,‏ متناسيا أنه لم ينجح بتلك الكيفية إلا في تلك البيئات الصحية التي فرضت عليه قيم العمل الحديث وتمكنت من استخراج أفضل مافيه من مكن وقدرات‏.‏ ولاتزال كلمة أستاذ يعمل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ترن في أذني عندما قال لي‏(‏ في أواخر‏1999):(‏ أن أحمد زويل بكل المعايير عقل علمي فذ‏,‏ ولكن علي كل إنسان أن يتذكر أن هناك‏17‏ إنسانا في نفس المعهد الذي فيه أحمد زويل قد حصلوا علي جائزة نوبل في مجالات علمية ـ وهو مايعني أن معجزة النظام لا تماثل فقط بل وتتفوق علي معجزة الفرد ـ وان كانتا مطلوبتين في نفس الوقت وإلا ماتحققت النتيجة‏).‏ كذلك فان أحمد زويل نفسه لم يكف عن الحديث عن فريق العمل الذي بدونه ماكان له أن يبلغ مابلغ‏,‏ كما أنه كان يضيف دائما‏(‏ وهو رأي بالغ القيمة‏)‏ أن بيئة العمل والبحث العلمي في معهده هي صاحبة فضل لا ينكر وراء حصوله علي جائزة نوبل في الكيمياء سنة‏1999,‏ ولكننا أبناء‏(‏ ثقافة الأشخاص‏)‏ لذلك فإننا ننسي كل جوانب القصة ونركز علي الفرد لأننا منذ أكثر من خمسين قرنا نفهم‏(‏ ونقدس‏)‏ الفراعين في كل مجال ولا نولي أي اهتمام بالنظم التي هي المنتج الأول للنجاح والتقدم والإنجازات العظمي ولا توجد آليات لعلاج هذا العيب الكبير في مكوناتنا‏,‏ إلا ماذكرته في أكثر من فصل من فصول كتبي‏:‏ القدوة‏(‏ كأداة تطوير علي المدي القصير‏)‏ و التعليم العصري‏(‏ كأداة تطوير علي المدي المتوسط والطويل‏).‏

أما القدوة فهي ليست مجرد كلمة عامة مبهمة ومجردة‏,‏ وإنما هي ترجمة كلية لمدير عصوي تكون وفق معطيات وثقافة علوم الإدارة الحديثة والتي تجعل كل رئيس عمل في موقعه مسئولا عن إدارة العمل بشكل يجمع العاملين في مجموعات أو فرق عمل تربط بينها روابط التآلف والتكامل في مقابل رؤساء عمل آخرين يعملون علي تعظيم الفردية والتشرذم وخلق ولاءات فردية مباشرة بين كل إنسان في التنظيم ورئيس العمل‏.‏ إن المدير العصري الذي تكون وتدرب وفق روح وثقافة ومعطيات وتقنيات علوم الإدارة الحديثة تكون من أهم مهامه خلق هذه الروح أي روح الفريق بينما ينخرط معظم رؤساء العمل لدينا في خلق روح مغايرة يكون العاملون فيها جزرا مستقلة ومنعزلة عن بعضهم‏,‏ ويكون اتصالهم الوحيد برئيس العمل فيما يمثل له بصفة شخصية مصدر قوة وعزوة ويعظم من مكانته الخاصة علي حساب إهدار كلي لروح العمل الجماعي وثقافة الفريق‏.‏
وتستمد هذه الثقافة السلبية منابعها من فقر وضعف التعليم الإداري الحديث وكون معظم القيادات‏(‏ مجرد رؤساء في العمل‏)‏ وليسوا‏(‏ مديرين تنفيذيين عصريين‏),‏ كما تستمد وقودها من ثقافة القرية المصرية حيث كان العمدة لعقود طويلة يعمل بنفس الطريقة وهي إيجاد قنوات اتصال بين الآخرين وبينه فقط مع اعتبار أي نمط آخر بمثابة مخالفة للولاء اللازم وإضعاف لهيمنته الوحيدة‏.‏ إن علوم الإدارة الحديثة قد وصلت بنا الي‏(‏ مدير تنفيذي عصري‏)‏ يصعب علي كثير من الناس في واقعنا ان يتفهموا ماالذي يقوم به إذ أنه في الحقيقة لا يبدو علي السطح وكأنه يقوم بالكثير من الأعمال‏,‏ وإن كان المايسترو لفريق تتوافر فيه صفتان هامتان‏:‏ الكفاءة العالية لكل فرد علي حدة‏..‏ والعمل المشترك كفريق واحد‏.‏

ومن خلال تجربتي الخاصة فقد كنت لقرابة عشر سنوات مسئولا عن أعمال ومشروعات بمليارات الدولارات‏,‏ وكان وقتي أبعد مايكون عن الازدحام بالمواعيد والاجتماعات‏,‏وكان مكتبي خاليا من الأوراق رغم مسئوليتي عن حجم أعمال يومي وأكثر من مائة مليون دولار بينما كنت أرقب مسئولين في مواقع أخري يديرون أعمالا ومشروعات بحجم لا يبلغ واحد في المائة من هذا الكم من العمل وكنت أجدهم غارقين في الاجتماعات والأوراق والملفات وكنت ولازال أقول إنهم منشغلون بالقيام بأعمال غيرهم‏..‏ وإنهم مع نسفهم لثقافة العمل الجماعي والفريق من جهة وعدم إيمانهم بالتفويض من جهة ثانية فقد أصبح من المحتم أن يجلسوا ثلاثة أرباع النهار كل يوم وسط جبال من الملفات والأوراق‏..‏ ومع ذلك فإن نتائجهم النهائية إما متواضعة أو مخجلة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية