ملفات الأهرام

41930‏السنة 126-العدد2001سبتمبر24‏7 رجـب 1422 هــالأثنين

أيام عصيبة قادمة
بقلم‏:‏د‏.‏ عبدالمنعم سعيد

حتي عام واحد مضي كنا نتصور أن المشكلة الملحة التي تواجه مصر هي كيف يمكن الخروج من الركود الاقتصادي الذي ضرب البلاد وفاقم البطالة فيها ودفع المستثمرين المحليين والأجانب بعيدا‏.‏ وخلال العام الذي مضي تصورنا أن المشكلة الملحة قد باتت بالإضافة لما سبق الحالة في الشرق الأوسط بعد انهيار عملية السلام وقيام الانتفاضة الفلسطينية الباسلة وتحولها الي حركة مقاومة شجاعة للاحتلال الإسرائيلي الغاشم وما كان لذلك من آثار سياسية واقتصادية علي المنطقة كلها بما فيها مصر‏.‏ والآن وبعد يوم الثلاثاء‏11‏ سبتمبر الحالي وما جري في نيوريورك وواشنطن وبنسلفانيا في الولايات المتحدة من عمليات إرهابية فإن قضية ملحة ثالثة فرضت نفسها علينا من حيث لاندري ولا نحتسب‏.‏ وفي بلد من بلدان العالم النامية‏,‏ وله موارد محدودة‏,‏ ومكانة إقليمية كبيرة‏,‏ فإن ما هو ملح هو تحديدا ما يؤثر في المصالح القومية الكبري ويتطلب قرارات صعبة واستراتيجية الطابع يتحدد فيها مستقبل البلاد ومصيرها‏.‏
هنا فإن المرء لابد أن يتعاطف مع الرئيس مبارك والمؤسسات والأفراد المساهمين في عملية صنع القرار خلال هذه الفترة التي يستعدون فيها لاتخاذ قرارات مصيرية‏,‏ لا تقل أبدا ـ إن لم تزد بكثير ـ في أهميتها وحساسياتها عن تلك اللحظة التي قامت بها العراق بغزو الكويت وقيام الولايات المتحدة بتكوين ائتلاف دولي للتعامل مع الغزو ورده علي أعقابه في ذلك الوقت فإن الجريمة كانت واضحة لا لبس فيها والمجرم لايخفي وجود في ذلك حق له في ارتكابها‏,‏ مما يقدم دليلا علي سبق الإصرار والترصد‏.‏ هذه المرة فإن الجريمة وضحت بالصوت والصورةللعالم كله‏,‏ ولكن ما من مجرم تقدم لتحملها‏,‏ بل علي العكس استنكرها كل من كان في قائمة المشبوهين‏,‏ وهناك سوابق أمريكية للتحامل علي بعض منهم بسبب الدين والأصل‏.‏ كذلك فإن ما جري في أمريكا يختلف عما جري علي أرض عربية‏,‏ وكانت دول وأرض عربية أخري في الخليج معرضة للتهديد بأن يجري لها ما جري للكويت‏,‏ وهذه المرة فإن التهديد كبير ولكنه غير محدد وتحديده متوقف علي درجة الإيمان بالعدالة الأمريكية ونزاهتها‏.‏ وبرغم أننا اكتوينا بالإرهاب من قبل‏,‏ ومن تنظيم القاعدة تحديدا‏,‏ فإن الإرهاب توقف بعد مجزرة الأقصر البشعة‏,‏ ورب
ما يكون من الحكمة ألا نستعيد أياما سوداء بعد أن بعدت عنا علي مدي السنوات الثلاث الماضية‏.‏

وبالطبع فإنه بوسع المجتهدين البحث عن اختلافات بين ما جري في حرب الخليج‏,‏ وحرب مركز التجارة العالمي‏,‏ وما جري في عمليات درع وعاصفة الصحراء‏,‏ وعمليات النسر النبيل والعدالة المطلقة‏,‏ فالزمن غير الزمن‏,‏ وعشرة أعوام في تاريخ العالم الحديث كفيلة بتغيير الكون وليس فقط أشكال الأزمات‏.‏ ومع ذلك‏,‏ وأيا كانت الاختلافات والمفارقات‏,‏ فإن هناك جانبين للتماثل لا يمكن تجاهلها بين أزمتي الثاني من أغسطس‏1990‏ والحادي عشر من سبتمبر‏2001.‏ أولهما أن كليهما فرض علينا اتخاذ قرار هائل بالمشاركة في تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الموصومة بالتحالف مع إسرائيل المصممة علي الاستمرار في احتلال أراض عربية استولت عليها في حرب يونيو‏1967.‏ وثانيهما أن هذا القرار انقسمت النخبة المصرية بشأنه في الأزمة الأولي‏,‏ أيا كان من كان يمثل الأغلبية ومن كان يمثل الأقلية‏,‏ ففي النهاية أنقسمت الأمة بين قلبها وعقلها‏,‏ وظل الانقسام باقيا معنا حتي اليوم يضيف لانقساماتنا الكبري انقساما آخر لا يقل عنهم حدة وقسوة‏.‏ وفي الأزمة الجديدة فإن طلائع الانقسام بادية لاشك فيها‏,‏ وما لم تتعلم الأمة من دروس الماضي فربما يكون ثمن الانقسام هذه المرة أكثر مما يعتقد ويقدر الكثيرون‏.‏

وربما يعيننا علي تأمل احتمالات الانفسام المرتقبة أن نتأمل العناوين الرئيسية لست جرائد مصرية صدرت صباح يوم الاثنينن الماضي‏17‏ سبتمبر‏2001‏ بعد إعلان الولايات المتحدة عن خطتها لنشر قواتها في العالم تحت الإسم الكودي النسر النبيل فقد جاء العنوان في صحيفة الأهرام‏:‏ القوات الأمريكية ستضرب أهدافا حيوية في الدول التي تؤوي الإرهاب‏,‏ وفي الجمهورية‏:‏ بوش يوافق علي خطة الانتقام‏,‏ وفي الأخبار‏:‏ بدأ العد التنازلي لضرب أفغانستان‏,‏ والأحرار‏:‏ النسر النبيل‏..‏ أكبر عملية لضرب العرب والمسلمين‏,‏ وصحيفة الوفد‏:‏ النسر النبيل‏..‏ خطة أمريكية لتأديب العالم‏,‏ وفي الأسبوع‏:‏ بوش يعلن الحرب العالمية ضد الإسلام‏.‏ إن هذه العناوين الستة ربما لا تعبر عن سياسات تحريرية لكل صحفية‏,‏ وربما عكست تعبيرات صحيفة تأخذ كثيرا من الاعتبارات خاصة بمهنة الصحافة في الحسبان‏,‏ ولكنها أيضا ـ من جانب آخر ـ تعكس وجهات نظر شائعة في الساحة المصرية‏,‏ وتتردد أصداؤها في الفضائيات التليفزيونية العربية‏.‏ والأهم من ذلك أنها تشير الي تكييف للموقف وتعريف له‏,‏ يقدم بالضرورة لنوعية السياسات التي ينبغي اتخاذها خلال الأزمة‏.‏وعلي سبيل المثال فإن العنوان الذي يري أن الرئيس الأمريكي جورج بوش يشن حربا علي الإسلام يعني بالضرورة المواجهة الكبري بين مصر والولايات المتحدة نخرج جميعا فيها خفافا ثقالا لنصرة الدين أو الاستشهاد في سبيله‏,‏ وإذا انضمت لها دول أخري من حلف الأطلنطي أو غيره فإنها تكون قد أعلنت الحرب علي الإسلام وعلي مصر حتي ولو كان من بينها تركيا أو إندونيسيا أو الجزائر وأهلها جميعا مسلمون‏.‏ هنا أيضا فإن تعريف الأزمة لا يدخل فيه عما إذا كان تنظيم القاعدة هو الممثل للإسلام أم لا‏,‏ أو أن أسامة بن لادن هو المعبر عن الدين الحنيف أم لا‏,‏ فالتعريف يبدأ وينتهي بما سوف تفعله واشنطن وليس غيرها من الأطراف‏.‏ وفي نفس الاتجاه فإن وصف التحرك الأمريكي بأنه عملية لضرب العرب والمسلمين لا يعطي مساحة كبيرة للتفكير في الطرف الذي ينبغي علي مصر أن تقف بجانبه وهم المنتمين الي عالمها العربي والإسلامي مهما تكن طبيعة الحاكمين لدول العالمين وسلوكياتهم وتوجهاتهم حتي إزاء مصر ذاتها وحتي سفاراتها في الخارج‏.‏

عناوين الأخبار والجمهورية تجعل الموضوع كله لا يخصنا‏,‏ فالأولي ترصد عملية عسكرية لضرب أفغانستان إما الثانية فهي تلخص حالة أمريكية نفسية وعصبية وسواء خص الأمر أفغانستان أو أمريكا فإن كليتهما تمثل عالما بعيدا ليس لنا في حالته يد ولادور‏.‏ أما الوفد فإن عنوانها في العموم يسير في نفس الاتجاه المتباعد‏,‏ ولكنها لاتنسي أن تجعل القضية أمريكية في تأديب العالم الذي يصبح عليه أن يحدد رد الفعل علي هذا الاتجاه التأديبي‏.‏ وفي النهاية فإن صحيفة الأهرام وحدها هي التي حددت أن هناك إرهابيين وهؤلاء قاموا بجريمة ضد الولايات المتحدة ومن قبلها مصر وعدد من الدول العربية والإسلامية ودول غير عربية وغير إسلامية‏,‏ وأن هؤلاء تقوم دول بحمايتهم‏,‏ وهذه الدول‏,‏ وهؤلاء الإرهابيون‏,‏ سوف يكونوا موضوع الضربات الأمريكية‏.‏ هنا فإن الإسلام ليس مستهدفا‏,‏ ولا العرب أو المسلمون مستهدفون وما هو مستهدف هو مجموعة من المجرمين الإرهابيين الذين يشتبه في أنهم قاموا بعمليات إرهابية بعينها تستوجب رد الفعل ووضع المسئولين عنها أمام ساحة العدالة‏.‏ هنا فإن الأهرام لا تري في الموضوع حربا ضد الإسلام‏,‏ ولا ضد العرب والمسلمين تستوجب معاداة الولايات المتحدة‏,‏ بل علي العكس‏,‏ وحسب ما ذكر الأستاذ إبراهيم نافع في مقاله يوم الجمعة الماضي فإن موضوع التحالف هو فكرة مصرية في الأساس لا ينبغي أن يسرقها أحد‏,‏ وأن مشاركة مصر فيه هو نتيجة طبيعية لمصالحها الخاصة‏.‏ الأهرام أيضا لم تكن هي اللتي رأت في الموضوع أنه يخص أمريكا أو أفغانستان أو حتي العالم‏,‏ وإنما هو موضوع يخص مصر ومصالحها العليا‏.‏

أكرر مرة أخري أن هذه العناوين قد لا تعبر عن السياسات التحريرية للصحف الست‏,‏ وربما استدعي كتابتها اعتبارات صحفية محضة‏,‏ ولكن النقطة المحددة هنا أنها تمثل بالفعل اتجاهات محددة لدي الرأي العام المصري ومن المفيد مناقشتها‏,‏ وإجراء الحوار بينها‏,‏ وحماية العلاقات بينها بحيث لا تتحول الي انقسامات دامية يدفع الوطن كله ثمنها‏.‏ فالمهم أن نتجنب ما حدث قبل وبعد حرب الخليج‏,‏ ولعل نقطة البداية الصحيحة في النقاش والحوار أن نحاول الاتفاق علي وصف ما حدث‏,‏ وساعتها ربما نكون قادرين علي تعريف الموقف‏,‏ وإذا ما نجحنا في هذه المهمة الصعبة ربما ننجح في تحديد الخيارات المطروحة‏,‏ وحتي ـ من يعرف ـ نستطيع الاختيار بينها‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية