أثارت أعمال العنف التي طالت الولايات المتحدة في11 سبتمبر الحالي, ردود أفعال عربية عديدة حول رد الفعل المناسب علي هذا العمل, علي أن أي من هذه الردود لم يتطرق إلي أسباب القيام بهذا العمل, بل اتجه إلي استعراض مظاهر القوة لدي الطرف الذي أصيب من جراء هذا العمل, وكان ذلك علي ما يبدو يرجع إلي ثلاثة أسباب.. أولا, تهدئة الغضب الداخلي في الولايات المتحدة نتيجة هول المفاجأة الناجم عن مكان العملية, وحجم الخسائر البشرية والاقتصادية لها, والرموز التي استهدفتها كالبنتاجون رمز العسكرية الأمريكية, ومركز التجارة العالمي الذي يشكل الرمز الأكثر أهمية لجبروت الاقتصاد الأمريكي. ثانيا, محاولة التغطية علي الفشل الأمريكي الذريع في اكتشاف العملية قبل وقوعها, أو حتي التعامل معها بكفاءة فور وقوعها, إذ أسفرت العملية عن وجود فجوات كبيرة في معلومات أجهزة الاستخبارات المركزية, وغفلة كبري في أنظمة الدفاع الجوي, والاختراق الكبير في عمليات تأمين رئيس الدولة وتحركاته ومؤسسات الدولة الفيدرالية, وكذلك إهمال القدرات الذهنية المصاحبة لغطرسة القوة بالاعتماد علي التقنية العالية التي أثبتت الأحداث أيضا محدودية نتائجها, عندما تتدهور قدرات البشر القائمين علي التعامل معها. وثالثا, جذب التعاطف الدولي من خلال الدعوة إلي توجيه ضربات عسكرية إلي بؤر الإرهاب الذي سيطال أي طرف دولي.
وواقع الأمر, أن أي رد فعل متزن يجب أن ينظر بداية إلي أسباب القيام بهذا العمل تلافيا لوقوع مثيله في المستقبل. فمما لاشك فيه, أن السياسة الخارجية الأمريكية قد اكتسبت بعدا عالميا منذ بروز الولايات المتحدة كقطب دولي في نظام القطبية الثنائية عقب الحرب العالمية الثانية عامة, ومع انفرادها بمنظومة القوي كقطب أوحد تقريبا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي, مهما تحدث البعض عن تعدد أقطاب, حدث نوع من غطرسة القوة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الكثير من دول العالم, وعلي وجه الخصوص بلدان العالم النامي, والمعروف أن الكثير من البلدان المتقدمة عانت ولاتزال تعاني انفراد السياسة الأمريكية وما أسفر عنه بالفعل هذا الانفراد من صراعات اقتصادية بين الأمريكيين من جهة وشركائهم اليابانيين والأوروبيين من جهة أخري, بشأن العديد من القضايا التجارية. كما أدي الإصرار الأمريكي علي الدرع الصاروخية إلي تحفظ شركائها في حلف الأطلنطي, وإلي إثارة المعارضة الروسية والفرنسية ومعارضة غالبية البلدان الأوروبية لهذا المشروع, الذي يؤمن القدرات العسكرية الأمريكية, ويجعلها قادرة علي تهديد الآخرين. ومن ثم كانت البلدان النامية من باب أولي أكثر تأثرا من تلك البلدان بالسياسة الأمريكية. وبطبيعة الحال, لم تكن السياسة الخارجية الأمريكية بشأن الصراعات الإقليمية بعيدة عن حالة اللامبالاة تجاه البلدان النامية. فالسياسة الأمريكية تجاه العراق بعد أكثر من عقد علي ردع عدوانه علي الكويت قد أسفرت عن شقاء حقيقي للملايين من الأبرياء الذين فقدوا أطفالهم, أو شردوا من ديارهم, أو تعرضوا للإفقار والتجويع من جراء الحصار الذي تتعرض له بلدانهم, دون أن يصرخ العالم ليذود عن حقهم في الحياة والعيش بكرامة. لقد فقدت الولايات المتحدة حياة المئات بضربة إرهابية عاجلة قد تكون أكثر رحمة بكثير مقارنة بما استباحته لنفسها من قتل المدنيين بالعراق محرومين من الدواء لمدة أيام أو شهور يتضورون عذابا من المرض ومن حظر الدواء. أما بالنسبة للسياسة الأمريكية إزاء الصراع العربيـ الإسرائيلي, فدون الخوض في التاريخ, فإن هذه السياسة اتسمت بالخلل الشديد, فعلي الرغم من عدم توازن تلك السياسة خلال إدارة كلينتون كغيرها من الإدارات الأمريكية السابقة, فإنه ما من منصف إلا ويقر بأن تلك السياسة شهدت درجات أكبر من الخلل نتيجة تزايد انحياز إدارة بوش لحكومة شارون, وإعطاء الضوء ا لأخضر له لضرب الأبرياء بالطائرات المقاتلة الأمريكية, ووصمها حركة الاستقلال الفلسطينية بالعنف والإرهاب, وهي القائمة في الواقع علي الكفاح من أجل التحررالوطني من نير المحتل الذي يسلب يوميا الحقوق السياسية والاقتصادية للشعب الفلسطيني الأعزل الذي أوصله اليأس إلي العمليات الاستشهادية الموصومة أمريكيا بالإرهاب. ولعل الموقف الأمريكي من مؤتمر ديربان لمواجهة العنصرية ليس ببعيد, عن التحدي السافر للمجتمع الحر والمتمدين الحقيقي الباحث عن المساواة والتكافؤ. من كل ذلك, كان من الضروري علي الطرف المستهدف من العنف الأخير أن يسأل: لماذا قام بعض الأفراد بقتل أنفسهم؟ وهو السؤال الذي لم يطرحه أحد في الغرب باستثناء وزيرة التنمية في الحكومة البريطانية. كما كان عليها أن تتساءل: لماذا لم تلق تعاطفا شعبيا معها كدولة, حتي وإن كان هناك تعاطف مع أسر الضحايا الأبرياء من الشعب الأمريكي وغيرهم, وبقليل من التفكير, ستجد الإدارة الأمريكية, أنها زرعت الكراهية وانتهكت سيادة الدول وحقوق الشعوب, وانحازت بسفور للعدوان والإرهاب الإسرائيلي. وفي هذا الوضع يكون طبيعيا ألا تتعاطف الشعوب مع دولة ترعي الإرهاب الإسرائيلي, عندما تكتوي بنار الإرهاب.
أما فيما يتعلق بالأطراف المعنية بالأزمة العالمية التي أثارها الهجوم الأخير ضد الولايات المتحدة, فتشير الدلائل إلي وجود طرفين لا تزال هناك درجة كبيرة من الغموض في تحديدهما بشكل دقيق. أولا: طرف تقوده الولايات المتحدة, وهذا الطرف غير متجانس أو متوافق حتي الآن, حيث تحبذ بعض أطرافه أن يتم الرد علي الأحداث الأخيرة تحت مظلة الأمم المتحدة, ولا يكون غرضه القيام بعمليات عسكرية عشوائية وغير دقيقة, يكون ضحيتها الأبرياء. لكن الواقع والسوابق تشير إلي أن الولايات المتحدة سوف تميل إلي استغلال الأمم المتحدة فقط لتحقيق مصالحها, التي أكدت أنها ترمي إلي تكوين تحالف دولي تقوده. وهناك أطراف أخري تقف إلي جانب الولايات المتحدة وتساندها سياسيا, لكنها ترفض المشاركة في أي عمل عسكري معها لأسباب مختلفة, ومن ذلك روسيا والصين, حيث اكتفت الأولي بمد الولايات المتحدة بمعلومات عن جماعة بن لادن العدو التقليدي للروس, الذي يقف إلي جانب المعارضة الإسلامية في جمهوريات القوقاز. أما الصين, فهي لا تري أية رغبة في إنقاذ واشنطن عسكريا, خاصة أن نفوذ التيار المحافظ فيها لا يزال قويا من الناحية الأيديولوجية, وأن الولايات المتحدة لا تزال تمارس من الناحية العملية سياسة احتواء إزاءها علي الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية. وبالإضافة إلي ذلك, هناك المعسكر الذي تمثله دول حلف شمال الأطلسي. وداخل هذا المعسكر فرق متعدة, فالحلف سوف يساند الولايات المتحدة من خلال قواته المحددوة المنتشرة في أوروبا والمتوسط, كما أن دول الحلف كإيطاليا وألمانيا وأسبانيا وتركيا لن تضن جهدا في تسخير القواعد الأمريكية بها لشن الولايات المتحدة الضربات. علي أن هناك من سينأي بنفسه عن المشاركة العسكرية الفاعلة كفرنسا, التي ترفض المشاركة في القيام بأي عمل عسكري إلي جانب الولايات المتحدة, ما لم يرتبط ذلك باستراتيجية شاملة لمواجهة الإرهاب وبوضع اليد علي الفاعل الرئيسي لأحداث واشنطن ونيويورك. أما بريطانيا, فهي علي العكس تميل لمشاركة الولايات المتحدة في استراتيجيتها العسكرية, وذلك كجزء من سياستها المؤيدة علي طول الخط للسياسة الأمريكية, كما حدث مع العراق وصربيا. أما بالنسبة للدول الصغيرة المحيطة بأفغانستان, فسوف تجد نفسها في مأزق حقيقي, فالهند ترغب في خطب ود الولايات المتحدة, وتسعي إلي المشاركة لقضم الخبز من يد باكستان المرتكز الإقليمي للعمليات الأمريكية, وإن كانت ستواجه بمعضلتين, معضلة داخلية هي وجود تيار شعبي غير مؤيد للسياسة الأمريكية كما حدث إبان الحرب مع العراق, ومعضلة خارجية تتمثل في عدم رغبة الولايات المتحدة نفسها بالتضحية بالمساعدات الباكستانية إذا ما قبلت واشنطن مشاركتها. أما باكستان نفسها, فهي تقع بين شقي رحي الرفض الشعبي الجارف والعداء التقليدي للولايات المتحدة, وبين الخشية من الغضب الأمريكي الوشيك إذا رفضت مد يد المساعدة, خاصة أن الولايات المتحدة قد تقصف منشآتها النووية مباشرة أو عبر الهند انتقاما لعدم تأييدها. أما البلدان الأخري, كدول آسيا الوسطي فهي عامة سوف تقدم الدعم العسكري للضربة الأمريكية, حتي وإن اعترضت روسيا علي ذلك كما في حالة جمهورية طاجكستان.
ثانيا: عدو وهمي غير معروف وصمته الولايات المتحدة بالإرهاب, واتهمت به دون أن تملك أدلة حقيقية حتي الآن هو أسامة بن لادن, المقيم في أفغانستان منذ عدة سنوات. وبالتالي أصبح الطرف الذي يؤويه وهو حركة طالبان, عدوا آخر. ومن ناحية أخري, كان لضخامة أحداث العنف في الولايات المتحدة أن وسعت الإدارة الأمريكية من دائرة الأعداء المحتملين لنيل الضربة الأمريكية, فجددت تأكيد وجود60 منظمة إرهابية حول العالم. علي أنها إن لم تشر بشكل مباشر إلي أن الضربات الأمريكية سوف تطالها, إلا أنها وجهت نداءات إلي بلدان عربية تقوم تلك المنظمات علي أرضها لاسئصالها, ومنها المنظمات الفلسطينية في سوريا وحزب الله في لبنان وحركتا حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين, وجميعها حركات تحرر وطني ضد الاستعمار الصهيوني. بالإضافة إلي ذلك لا تزال الولايات المتحدة تتمسك بلائحة تضم سبع دول تتهمها برعاية الإرهاب وهي: سوريا والعراق وإيران وكوبا وكوريا الشمالية والسودان وليبيا, وبعهضا قد يكون هدفا للضربات الأمريكية. ومهما يكن الخيار العسكري المستخدم, فإن العالم مقبل دون شك علي نوع جديد من الصراع الدولي, وهو صراع حضاري بين الغرب والإسلام تغذيه السياسة الأمريكية بقصد أو دون قصد. وهذا الصراع سوف يستفحل بطبيعة الحال, إذا طال الرد العسكري الأمريكي دولا إسلامية عديدة تتهمها الولايات المتحدة بدعم الإرهاب, ومن ذلك السودان وليبيا وإيران والعراق والجزائر والمنظمات الفلسطينية في سوريا وقواعد حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين. فهذه الدول, وهي كثيرة الحساسية إزاء الاستعمار والميراث الاستعماري الذي جلب عليها التخلف, التي قد تنتهك سيادتها وتنهك مواردها من جراء العدوان المحتمل, سوف تنظر إلي السياسة الأمريكية علي أنها تقوم بما تسعي ـوربما عجزتـ إسرائيل عن القيام به منذ سنوات طويلة. الأمر الذي سوف يخدم المصالح الإسرائيلية في الهيمنة علي القدس والأراضي العربية المحتلة, مما سوف يزيد من عمليات العنف لمقاومة الغزاة, ومصالحهم في المنطقة, التي ستدور في حلقات مفرغة من عدم الاستقرار الهيكلي. وبطبيعة الحال, سوف تمتد دائرة العنف إلي كل البلدان التي شاركت الولايات المتحدة في ممارسة قهر الشعوب وقتل الأبرياء خاصة في أوروبا والولايات المتحدة, اللتين يقطنهما الملايين من المسلمين من المهاجرين أو المواطنين الأصليين. وهؤلاء سوف تنالهم أعمال عنف عنصري مضاد. لذلك, فإن كل ما يمكن القيام به الآن, هو مواجهة الدعاية الصهيونية القائمة علي تحويل الأزمة إلي أزمة حضارية, وكراهية من المسلمين للغرب, والتأكيد بالمقابل علي نبذ العنف, واقتلاع جذوره وأذنابه. لقد رفضت الولايات المتحدة في السابق دعوة الرئيس مبارك إلي مؤتمر دولي حول الإرهاب, خشية أن يشير المؤتمر إلي إسرائيل, بتعريفه لإرهاب الدولة وحق الشعوب في مواجهة المستعمر, فهل ستصر واشنطن علي سياستها في السير علي الدرب الإسرائيلي, أم أنها ستراجع سياستها, وتعالج الأحداث الأخيرة بقدر أكبر من الحكمة والتروي, بالتضييق من دائرة الخصوم, والاعتماد علي الحلول غير العسكرية لمواجهة تلك الأزمة, في المدي القصير, ومناصرة العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها علي المديين المتوسط والبعيد؟.
موضوعات أخرى |