أقتصاد

41930‏السنة 126-العدد2001سبتمبر24‏7 رجـب 1422 هــالأثنين

تداعيات الانفجارات في واشنطن ونيويورك
الاقتصاد الأمريكي يتجه نحو النمو السلبي ويقود العالم لموجة ركود جديدة

تحقيق‏:‏عـماد غـنيم
د. فؤاد هاشم
شيئا فشيئا يتزايد احساس العالم بالاخطار الاقتصادية المحدقة بكثير من الدول ضمن تداعيات أزمة الانفجارات التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية قبل أيام‏..‏
وفي امريكا نفسها التي تعد القاطرة التي تجر الاقتصاد العالمي فإن حجم التقديرات المتعلقة بآثار الاحداث تتزايد يوما بعد يوم وهو ما يعبر عن نفسه في صورة انهيار لاسعار الاسهم الأمريكية والتي تؤثر علي باقي بورصات العالم لحظة بلحظة بعد أن فقدت‏14%‏ من قيمتها خلال‏5‏ أيام عمل وفي جانب المؤشرات الاقتصادية الأخري فإن هناك تراجعا ملحوظا في توقعات مؤشرات الاستهلاك والانتاج الصناعي والاقبال علي منتجات شركات الاتصالات والمعلومات فضلا عن الارتفاع المتوقع لمؤشرات البطالة بعد أن قاد قطاع الطيران والسياحة موجة من تسريح العمالة بلغت‏100‏ ألف موظف في الأيام القليلة التالية للأحداث ومما يزيد من صعوبة الأمر أن انفجارات واشنطن ونيويورك جاءت في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأمريكي من تباطؤ حاد في النمو الاقتصادي‏,‏ حيث لم يزد معدل النمو في النصف الأول من العام الحالي علي نسبة‏0.2%‏ وبعد الانهيارات وتوابعها توقع الخبراء ان يحقق الاقتصاد الأمريكي نموا سلبيا خلال النصف الثاني من العام الحالي‏,‏ وذلك لأول مرة منذ عدة عقود وهو ما يترتب عليه دخول الاقتصاد الدولي في موجة ركود قائمة لم تتحدد ابعادها بعد‏.‏

وفي مصر فإن الاهتمام بتداعيات الاحداث لم ينصب علي الولايات المتحدة فقط علي الرغم من أنها تمثل أكبر شريك تجاري بعد دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة‏,‏ حيث تبلغ حصتها ربع حجم تجارتنا الخارجية مع العالم‏,‏ ومع ذلك فإن المشكلة تتعلق أيضا بأن موجة الركود الدولي الحالي يمكن أن يكون لها تأثيرات تمتد إلي السوق العالمية كلها‏,‏ حيث يصبح شركاؤنا التجاريون اقل ميلا للاستيراد وأكثر حرصا علي التصدير وهو ما يرتب موقفا يتطلب الانتباه اليه للحد من آثاره‏..‏ خبراؤنا يعتبرون أن القضية بالغة الأهمية وإن كانوا يقللون من احتمالات تأثر صادراتنا بحدة من التطورات الدولية الراهنة‏,‏ ولكن هذا لا يعني أن صادراتنا المحدودة اصلا لا تعاني من اخطار‏..‏ علي الأقل فيما يتعلق بتعويق الجهود الحالية لزيادتها أما من ناحية الزيادة المتوقعة في الواردات في ظل سعي الدول لتنشيط صادراتها للحد من الركود الحالي فانهم يعتبرون أنه لابد من اتخاذ خطوات مهمة للتقليل من الزيادة في الواردات خوفا من الآثار المترتبة علي زيادة العجز التجاري‏.‏

سلوكيات الركود‏..‏ والتجارة الخارجية
الدكتور فؤاد هاشم وزير الاقتصاد الاسبق يري أن ازمة الركود الاقتصادي العالمي الآخذة في التفاقم حاليا بسبب التطورات التي حدثت في الولايات المتحدة تتطلب مراجعة سريعة لمجمل سياسات التجارة الخارجية والكف عن الحساسيات التقليدية التي يشعر بها صانع القرار الاقتصادي من المنظمات الدولية والتزامات البلاد تجاه مقررات تحرير التجارة الدولية وحرية نفاذ السلع والخدمات إلي اسواقنا‏,‏ مشيرا إلي أن كثيرا من الدول التي هي أكثر تقدما وأقوي اقتصاديا تتعامل مع هذه الالتزامات بما لا يضر بمصالحها من خلال استخدام الآليات المتعددة التي استحدثتها منظمة التجارة العالمية لحماية اسواقها من تدفق واردات رخيصة قد تؤثر علي الانتاج المحلي وبالتالي علي مجمل الأوضاع الاقتصادية وفي ظرف كالذي نمر به الآن فإن هناك حاجة ماسة للانتباه إلي أن الركود يفرض سلوكيات معينه اهمها سعي مختلف الدول إلي زيادة صادراتها والحد من الواردات وهذا يفرض علينا ضرورة السعي للحد من مخاطر غمر الأسواق المحلية بالواردات الرخيصة ومن ناحية أخري العمل علي الحفاظ علي قيمة صادراتنا الحالية فضلا عن زيادتها في ظروف دولية صعبة بسبب الركود‏..‏ ويضيف أن مراجعة سياسة التجارة الخارجية يفتح من جديد ملف الصادرات الشائك‏,‏ حيث أن الواقع يقول إنه عبر سنوات طويلة لم تنجح الجهود في زيادة صادراتنا إلي الحد الذي نطمح اليه بسبب ظروف كثيرة واوضاع تتعلق بتكلفة الانتاج المحلي ومستويات الجودة وطبيعة السلع المطروحة للتصدير فضلا عن الصعوبات التمويلية ونقص الخبرات التسويقية للسلع المصرية في الخارج ويقول انه تمت مؤخرا اجراءات ضرورية في مسألة سعر الصرف يمكن أن تجعل صادراتنا من الناحية السعرية اكثر جاذبية لكنه يحذر من أن هذا وحده لا يكفي لأن غالبية اسواق العالم الآن غير مستعدة لقبول سلع اجنبية لمجرد انها رخيصة ولكن عنصر الجودة لا يقل أهمية في مجال التصدير وهذه مسئولية مشتركة بين المنتجين والمصدرين بالاضافة إلي الحكومة نفسها‏.‏

العولمة وترابط الأسواق
ويشير إلي أن التجارة الخارجية كانت تربط اقتصاديات العالم بعضها ببعض حتي من قبل انتهاج مفاهيم العولمة الحالية فعندما ينشط اقتصاد الولايات المتحدة تصبح الأسواق هناك اكثر ميلا للاستهلاك وبالتالي لاستيراد سلع من الخارج‏,‏ وهذا يفتح المجال لنمو صادرات الدول الأخري وبينها مصر والآن الوضع معكوس فالاقتصاد الأمريكي يعاني من ركود ومؤشرات الاستهلاك هناك تضعف بصورة ملحوظة وكل ذلك يؤثر علي الموقف التصديري للسلع المصرية ومما يزيد من صعوبة المشكلة ان الاقتصاد الأمريكي حاليا هو اقوي اقتصاد في العالم وتتأثر به اقتصاديات أوروبا ودول جنوب شرق آسيا القوية‏,‏ وهكذا فإن الركود الدولي اصبح حقيقة يجب التعامل معها وهو ما نقصده عند الحديث عن تخطيط التجارة الخارجية‏.‏
ويرفض الدكتور فؤاد هاشم الافكار التي جري طرحها مؤخرا مثل انشاء وزارة خاصة بالتصدير أو انتاج سلع خاصة للتصدير مشيرا إلي أن مثل هذه الافكار غير عملية لأن تحسن الانتاج الوطني كله هو الذي يحسن من كفاءة التصدير مؤكدا أن مشكلة التصدير لا تعاني من نقص الجهات المسئولة عنه وانما تفعيل دور الجهات القائمة فنحن لدينا منذ الستينات مؤسسات لرعاية التصدير وتمويله‏,‏ كما أن لدينا وزارة للاقتصاد وكل هذه الجهات إذا ما تم تفعيلها تصبح قادرة علي تنفيذ سياسة فاعلة لادارة التجارة الخارجية‏.‏

تخطيط التجارة الخارجية
وفيما يتعلق بهذه السياسة المطلوبة يقترح الدكتور فؤاد هاشم تكوين مجموعات فكر محدودة من اصحاب الخبرات تتولي التفكير ورسم هذه السياسة علي أسس علمية لقطاعات التصدير والقطاعات المرتبطة به ويكون من بين مهامها استكشاف حركة ومستقبل التجارة الدولية وتحديد مكاننا فيها واستشراف آفاق السلع الجديدة التي يحتاجها العالم والمساهمة في انتاجها للحصول علي موقع في الأسواق ويتطلب ذلك بالضرورة جمع كل المعلومات المتعلقة بالانتاج المحلي والارقام المقارنة بالخارج من خلال مجموعة دراسات واعية تخطط لتجارتنا الخارجية لخمس سنوات قادمة علي أقل تقدير‏.‏

دراسة الأسواق
د. حسن عباس
ويتفق الدكتور حسن عباس زكي وزير الاقتصاد الأسبق علي أن الموقف الدولي الراهن يضيف اعباء جديدة علي التجارة الخارجية والميزان التجاري خاصة أن العالم كان يمر حتي من قبل الانفجارات في امريكا بموجة ركود ستزداد حدتها بلا شك نتيجة التداعيات الاقتصادية لهذه الانفجارات ويري أن ابعاد الازمة الاقتصادية لم تتكشف بعد وأن كان ما يظهر منها يدعو للتحوط والحذر والعمل علي تخفيض آثارها علي الاقتصاد الوطني إلي أقل حد ممكن وهذا هو الجهد الذي تبذله كل دول العالم حاليا بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نفسه ويعتبر أن مواجهة الموقف الجديد يجب أن يكون له الأولوية في التفكير الاقتصادي‏,‏ ويقول ان هناك حاجة لبذل الجهود من أجل اجراء تفهم أكبر لاحتياجات الأسواق في الخارج والتواؤم مع هذه الاحتياجات وانتاجها محليا مركزا علي أن هذا هو المجال الرئيسي لاجراء طفرة في حجم الصادرات‏,‏ وهذا لا يعني التخلي عن الصادرات التقليدية بالطبع ولكن الصادرات التقليدية اثبتت عبر السنوات السابقة انها لا تستطيع احداث الطفرة المرجوة في قيمة الصادرات ولهذا فإن الابتكار ودخول مجالات جديدة هو الاساس الآن الذي يجب البحث عنه لزيادة الصادرات وتفعيل دورها في زيادة الدخل الوطني مؤكدا أنه هناك دور كبير للمجالس السلعية والأجهزة الحكومية للخروج من الأزمة الراهنة وتعظيم الصادرات من خلال تجويد الانتاج وتسويقه وهي اهم المصاعب التي تواجه السلع المصرية في الخارج حاليا‏.‏

الاقتصاد الجديد
ويري الدكتور حسن عباس زكي انه من المهم في هذه المرحلة توجيه مزيد من الاهتمام لانشطة الاقتصاد الجديد وبصفة خاصة الصناعات المرتبطة بالمعلومات والحاسب الآلي لأن كل الدراسات الدولية في هذا الشأن‏,‏ تشيرا إلي أنه هناك عجز علي المستوي الدولي في هذه الصناعة والتي يمكن أن يكون لمصر دور كبير فيها‏,‏ ويشير إلي أن الهند التي تبلغ صادراتها حاليا من البرمجيات حوالي ملياري دولار تخطط للوصول بهذه الصادرات إلي‏11‏ مليار دولار خلال‏5‏ سنوات‏,‏ وأنه يمكن من خلال خطة مشابهة الوصول إلي ارقام قريبة من تلك بالنسبة لصناعة البرمجيات لدينا خاصة أننا نملك ميزة احتكار البرمجيات المستخدمة للغة العربية والتي يتزايد الطلب عليها بقوة نتيجة النمو المعلوماتي في المنطقة مؤكدا أن معدل النمو في هذه الصناعة وما يرتبط بها من خدمات بالغ الارتفاع وأن كل متطلبات هذه الصناعة متوافر محليا ولا يبقي سوي الادارة الواعية لهذا القطاع وادخاله ضمن الاولويات الاقتصادية‏.‏
ويضيف أنه من المهم كذلك في سعينا نحو التغلب علي ازمة محدودية عوائد الصادرات ومواجهة ازمة الركود الدولي الحالي بصفة خاصة ان يتم توجيه مزيد من الاهتمام للصادرات الخدمية بصفة عامة لانها اسرع نموا وتحقيقا للعائد لتغطية العجز المزمن في الميزان التجاري‏,‏ ومن هذه الأنشطة مثلا الملاحة بمختلف انشطتها خاصة أن طبيعة الموقع الجغرافي للبلاد تجعله ملتقي لكثير من الخطوط الملاحية وكذلك السياحة التي وان كان المتوقع أن يحدث لها بعض الضرر نتيجة الاحداث في أمريكا الا انه من المتيقن انه ستحدث جهود دولية لتنشيطها لاخراج شركات الطيران والسياحة والخدمات المرتبطة بها من ازمتها الحالية‏..‏ ويؤكد الدكتور حسن عباس زكي ان القوة البشرية سوف يكون لها دور مؤثر في المستقبل القريب للاقتصاد الوطني في ضوء التقارير التي يتم الكشف عنها عن النقص الديموجرافي للعديد من دول العالم الغربي خاصة في أوروبا واحتياجات هذه الأسواق لعشرات الالاف من العمالة المدربة‏,‏ مشيرا إلي أن الأزمة الحالية التي قد تعيق هجرة العمالة المصرية والعربية إلي أوروبا وهي بطبيعتها مؤقتة ومرتبطة بأوضاع سياسية بسبب انفجارات واشنطن ونيويورك وسرعان ما ستزول لأن الحقائق في النهاية س
تفرض نفسها وعندئذ ستكون للعمالة العربية أولوية لأسباب عديدة وهي تعد من الصادرات غير المنظورة العظيمة الأثر في النمو الاقتصادي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية