|
|
 |
قال صديقي الطبيب النفسي حين قصصت عليه أمر صاحبي الأديب, وما أصابه من اكتئاب: ما أظن إلا أنها حالة عارضة من الكآبة وليست اكتئابا مرضيا يقتضي العلاج بالعقاقير, ومازلت أومن ـ علي الرغم من النظريات الحديثة في الطب النفسي ـ بما كشفه الإنسان بالفطرة منذ القدم وما عرفه عن قدرة الكلام علي جلب الشفاء في كثير من أحوال الكآبة.. وهو ما يسميه الناس الفضفضة التي تزيح عن النفس كثيرا من أثقال الهموم المحبوسة في صدور أصحابها. فلنحاول معا أن نحل عقدة لسانه ـ أو بالأصح عقدة فكره ـ ولنستدرجه الي الكلام, وكلما أسرعنا بمعاونته علي الخلاص مما يختزنه عقله, أو يضيق به صدره من وقع الأخبار والأحداث وتضارب الآراء, كان طريقه الي الشفاء أقرب.
قلت لصديقي: أستدرجه الي الحديث وأنا أعلم أنه مثلي يتابع بعض الأعمال الدرامية بالتليفزيون, ويشاهد بشغف مثلي بعض المباريات في كرة القدم والتنس وكرة اليد: ألم تلاحظ أن كتاب الدراما التليفزيونية قد شغلوا أنفسهم في الآونة الأخيرة بقضايا العدل والخير, وأنهم يرسمون الأحداث ويصورون الأشخاص لغاية يتحقق عندها العدل أو ينتصر الخير علي ما يحيط به من شرور؟ أتري ذلك مجرد دعوة الي القيم الإنسانية الفاضلة, أم تراه تعبيرا عن شعور كامن بسيادة الظلم الاجتماعي وغلبة الشر علي كثير من وجوه الحياة في مجتمعنا العصري الجديد؟ قال, وقد عاد إليه بعض ما عهدته من وعي نفسي وفكري بأمور الحياة: قد يعود الأمر الي هذا السبب أو ذاك, لكن كيف يسود العدل وينتصر الخير في تلك المسلسلات؟ ألا تري أن مؤلفيها يتخذون لهم شعارا يبنون أحداثهم ويصورون شخصياتهم ويصلون الي غايتهم بمقتضاه؟ إنه المثل العامي القائل: اصبر علي جار السو يا يرحل يا تجيلوا داهية!, فليس هناك صراع حقيقي بين الخير والشر, ولا جهاد حقيقي في سبيل أن ينتصر الحق وتسود العدالة, بل هناك سلبية هي من السمات المعروفة في مجتمعنا الذي يترك حل كل معضلة للزمن.
لقد كتبت من قبل عن مسلسل الذئب, فانظر كيف جاء العدل الذي طال انتظاره, ومجرد الانتظار غير العمل, لقد أصاب الظالم الجشع لوثة أو خلل عقلي بعد مغامرة مالية فاشلة في صفقة خدعه فيها ذئب مثله, أما من قضي عشرين عاما في السجن من أجل جريمة قتل لم يرتكبها, فقد ظل في نظر القانون والناس مجرما قاتلا خريج ليمان, لم يبرأ اسمه ولم تبرأ أسرته من وصمة الجريمة. ولعلك تقرأ أحيانا عن قضايا يرفعها الأحفاد في بعض البلاد, بعد مرور أعوام طويلة محاولين أن يبرئوا جدهم الذي كان قد أدين ظلما في جريمة لم يرتكبها, إنه الوعي المطلق بمعني العدالة وكرامة الإنسان في مجتمعات تؤمن بالعدالة والكرامة.
لقد شاهدت مسلسلا آخر شبيها بذلك المسلسل في روحه العامة وطبيعة شخصياته باسم الخير ينتصر أحيانا, وقد ظل فيه الشر يمرح كما يشاء, وظل أهل الخير عاجزين مستسلمين يلوذون بطيبة مصطنعة يدارون بها الضعف والرضا بالظلم, الي أن قضي شرير علي شرير, وتوهم أهل الخير أن الخير قد انتصر.. ويبدو الشر نموذجيا متمكنا من نفوس أصحابه علي نحو يبعد تصديقه, فقد أراد الطبيب الشاب ـ شرير المسلسل ـ أن ينتقم من زوجة صاحبه التي كان يريد أن يتزوجها فرفضته, بأن يقتل جنينها ويستأصل رحمها حتي لا تنجب من بعد, فنسب فحوص مريضة أخري إليها وأوشك أن يبدأ في تنفيذ جريمته, لولا أن دهمه الزوج في اللحظة الأخيرة. وقد كان ذلك المشهد ـ من وجهة النظر الدرامية ـ جديرا بأن يكون نهاية العمل, لكن كان لابد لأهل الخير أن يحتفلوا بانتصارهم, الذي لم يكن لهم فضل فيه, وأقام لهم المخرج حفل السبوع المألوف بطقوسه المستهلكة وصخبه الزائد.
ألا تري أن المجتمع في كلا المسلسلين كان يعمل بمقتضي مثله المعروف: اصبر علي جار السو, يايرحل يا تجيله داهية؟.. وفي كلا المسلسلين لم يرحل جار السوء, وانتظر حتي جاءته الداهية من جار سوء مثله! قلت وقد سرني اندماجه في الحوار: لكن في العملين مع ذلك أشياء تثير البهجة, وتبعث الأمل في نفوس المحرومين والمقهورين, ألا تري كيف يلعب الناس بالملايين, وكيف يصلون بين يوم وليلة من حضيض الفقر الي قمة الثراء؟ صحيح أن رؤوس المشاهدين تدور لما يسمعون عن صفقات لايدرون طبيعتها, وعن شيكات بالملايين, وعن مشروعات وشركات تنمو فجأة كأنما بفعل عصا سحرية لساحر خفي, لكنهم في النهاية يأوون الي فراشهم علي أمل أن يهبط عليهم شيك صغير, أو تسوق المصادفة في طريقهم صفقة رابحة.
قال وقد تحفز في جلسته وزاد انفراج شفتيه, وعاد الي عينيه ألقهما القديم: كيف تسمي مثل هذا الاندماج الساذج الذي تجلبه عادة المشاهدة أو ملل الحياة ورتابتها أملا وبهجة؟ إن ما تصوره تلك المسلسلات ـ علي ما بها من قصور فني ـ هو بعض ما يجري في الواقع, لكن علي نحو مختلف ليس فيه كل هذه السذاجة والعجلة, إنه نظام اجتماعي جديد له قواعده, وله ـ إن شئنا أن نجاري بعض الرطانة والمصطلحات الجديدة آلياته ـ ونحن مستسلمون له وهو يستشري ويوشك أن يقوض أركان المجتمع, ونزين قبحه وسوءه بمصطلحات غامضة الدلالة وقد أصبح المنتفعون به أو صانعوه من المشرعين وواضعي القوانين في حياتنا النيابية؟ هل تعلم أننا علي كثرة ما نتحدث عن رجال الأعمال وعن التصنيع, لم نصنع حتي اليوم ساعة مصرية, ولا جهاز راديو أو تليفزيون, وأن جهدنا في صناعة بعض تلك الأجهزة يقوم علي مجرد التجميع؟
وأدركت أن حديث صاحبي قد تجاوز حد الفضفضة التي نصح بها الطبيب وأوشك أن يبلغ حد الثورة, فقلت: لنعد الي أمر هذه المسلسلات, فمازلت أري أن بها كثيرا من القضايا الطريفة التي ـ إن لم تثر البهجة ـ تثير التساؤل والعجب.. شاهدت في مسلسل الخير ينتصر أحيانا ممثلة معروفة كانت قد اعتزلت التمثيل بضع سنين ثم عادت إليه, وتبدو في المسلسل محجبة لكن حجابها يثير شيئا من التساؤل, إنها زوجة عامل فقير صاحب ورشة صغيرة ينفق جانبا كبيرا مما يكسب في سبيل تعليم أخيه في كلية الطب, ويضطر أن يؤجر ورشته ويسافر للعمل بالخارج ليواجه نفقات الحياة الزائدة, ومع ذلك فقد ظهرت الممثلة في كل مشهد بحجاب ملون جديد ومعه ثوب جديد يناسبه في اللون والرسم, ولو فطنت منذ البداية لكنت قد أحصيت عدد مناديل الحجاب الملونة وما ناسبها من فساتين, لكن لابد أنها قد تجاوزت العشرين!
وهكذا تحول الحجاب الي عرض أزياء وتحولت المحجبة الي مانيكان وعارضة أزياء. قال صاحبي وقد هدأت ثائرته بعد أن أنسيته حديث المال والاقتصاد: لقد شاهدت هذا المسلسل, وسمعت تلك الشخصية وهي تجيب نداء التليفون كل مرة بقولها السلام عليكم, وعجبت كيف تلقي السلام علي متحدث مجهول قد لا يكون أهلا للسلام, وما أكثر من ليسوا أهلا له في هذه الأيام! ثم تذكرت أن ذلك قد أصبح عند الكثيرين من مظاهر التقوي والالتزام بأصول الدين.
ولاشك أن السلام تحية دينية تحمل كثيرا من المعاني الإنسانية الجليلة, وهي تحية الإسلام الأولي يلقيها الناس حين يقبل بعضهم علي بعض, أو ينصرف بعضهم عن بعض, ويرددونها في أحوال كثيرة أخري, لكن للناس مع ذلك ألوانا أخري من التحيات تناسب بعض الأوقات والأحوال, وتعبر عن العواطف عند الرحيل والعودة من السفر, والانصراف في المساء واللقاء في الصباح, والانطلاق الي العمل, وللأمهات ألوان معروفة من التحيات المحملة بالدعاءلأولادهن بالسلامة والتوفيق, وأغلب هذه التحيات لا يخلو من ذكر الله بالحمد أو بالدعاء! مع سلامة الله.. الله يسلمك, حمدالله ع السلامة.. الله يسلمك.. مساء الخير.. مسيك بنعيم الله, ربنا يجعل لك في كل خطوة سلامة, ثم تلك التحية الريفية القديمة: العواف.. الله يعافيك!
لكن يبدو أننا ـ لعجزنا عن مواجهة الواقع ومحاولة تغييره ـ قد استعضنا بالمظاهر عن الحقائق وبالألفاظ عن الأفعال, وبما يبدو أنه في ظاهره طيبة وتقوي, وهو في حقيقته تخاذل واستسلام للظلم والاكتفاء بالضراعة والدعاء, لقد أصبح من المألوف في مثل هذه المسلسلات أن يري المشاهد شخصية بالغة الطيبة والسماحة, تنسب كل ما يلم بها أو بمن حولها من ظلم الي القدر دون أن تتصدي لدفعه منتظرة أن يحيق الظلم بأهله في النهاية, وقد يحيق الظلم بأهله حقا لكن ذلك يتم بفعل فاعل هو المؤلف وحده! انظر الي فنان قدير مثل جمال إسماعيل, كيف أصبح في أغلب أدواره رمزا للطيبة التي تبلغ حد الغفلة والسماحة التي لا تختلف كثيرا عن الرضا بالهوان, وهو في كل ذلك دائم التمتمة بالدعاء, الذي لا يغني شيئا إلا اذا اقترن بالعمل والتصدي للظلم والقهر.
ألا يعكس كل ذلك أحوال الناس في المجتمع, ويحاول أن يصرفهم عن الوعي بحقائق الحياة الي طيبة مصطنعة ليست من الدين في شيء؟ وأحسست أن صاحبي قد اندمج في القضية أكثر مما ينبغي, فأردت أن أحول الحوار الي شيء أعلم أنه يسره, قلت: لابد أنك قد علمت بما انتهي إليه مؤتمر مقاومة العنصرية في جنوب إفريقيا, وكيف أدان منتدي المنظمات غير الحكومية العنصرية الإسرائيلية بما ترتكبه كل يوم من هدم البيوت وتجريف الحقول وقتل الآمنين في بيوتهم, واغتيال قادة المقاومة, وكيف انسحبت أمريكا وإسرائيل من المؤتمر الرسمي, لأنه في قراراته قرن إسرائيل بالعنصرية؟
وأجاب: ألم أقل لك من قبل أن ننفض أيدينا من الحكومات ونتجه الي الشعوب التي تدرك بتجاربها وبحسها الحضاري بشاعة ما يجري وبشاعة أن يقرر بعض حكامها أن اغتيال قادة المقاومة له ما يبرره!
لماذا يتوقع العرب من أمريكا أن تأخذ جانبهم وهي تراهم يحرسون لها مصالحها, ويحرصون علي رضاها ويتغنون دائما بقوتها, وبأنها الدولة العظمي في العالم, لماذا تنتصف لهم وهم يقدمون إليها بترولهم بأرخص الأسعار, فإذا عرض ما قد يدعو الي ارتفاع ثمنه تطوعوا ـ دون أن يسألهم أحد ـ بزيادة الانتاج؟ لماذا تأخذ أمريكا جانب الحق العربي وهم يشترون سلاحها ـ غير مضطرين ـ بمليارات الدولارات كل عام؟ ويشترون أجهزتها ومنتجاتها الصناعية بالمليارات ولديهم بدائل أخري, لماذا تقلق أمريكا علي مصالحها وحين دعا بعض الإعلاميين الي مقاطعة شيء من بضاعتها التي يمكن أن نستغني عنها, هب المدافعون يزعمون أن ذلك سيحرم آلاف العمال المصريين من العمل, وكأن رجال أعمالنا الذين من أجل مصالحهم تسن القوانين, عاجزون أن يصنعوا بعض المشروبات الغازية المصرية, كما كنا نفعل منذ مائة عام, وأن يعوضوا شبابنا عن سندويتشات الهامبورجر الذي لايدري أحد من أي شيء يصنع, ولا كيف يحفظ حتي يصل الي أفواه الشباب الواقفين صفوفا أمام فروع المطاعم الأمريكية, يأكلون الهامبورجر ويشربون المياه الغازية, ثم يتجشأون صحة وعافية!! ثم يغيبون عن أي وعي سياسي أو قومي في سيل من الفكاهات السطحية والبهجة المصطنعة.
وتذكرت قول الشاعر القديم, يأخذ علي قومه سكوتهم علي الظلم مع كثرة عددهم, وما في أيديهم من وسائل رد العدوان:
.. لكن قومي وإن كانوا ذوي عديد ......ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون عن ظلم أهل الظلم مغفرة ..........وعن إساءة أهل السوء إحسانا كأن ربك لم يخلق لطاعته ..........سواهم من عباد الله إنسانا! |
|
|
|
|
|