|
|
 |
أدهشني ذلك الموقف الغريب الذي اتخذه رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان في مؤتمر العنصرية بديربان حين هدد بأن فرنسا ستنسحب من المؤتمر إذا ما أصرت الوفود علي ادانة إسرائيل فتطابق في موقفه هذا تطابقا كاملا مع الموقفين الإسرائيلي والأمريكي في المؤتمر.. وأدهشني أكثر أن مر هذا الموقف من دولة صديقة مرور الكرام علي جميع الحكومات العربية, فلا حكومة قابلت التهديد بالتهديد, ولا أخري احتجت, ولا ثالثة حتي عاتبت.. وربما كان جوسبان يعرف مسبقا أن أحدا من العرب لن يسبب له المشكلات ولو بطلب استفسار حول هذا الموقف المفاجيء, ذلك أن ملف رئيس الوزراء الفرنسي يشير إلي تاريخ طويل من معاداة العرب والانحياز غير الخفي لإسرائيل, والذي زادت حدته في الآونة الأخيرة, بعد أن أصبحت انتخابات الرئاسة الفرنسية علي بعد أشهر قليلة ولم يعد يخفي علي أحد في فرنسا أو خارجها أن جوسبان يلهث منذ فترة علي مقعد الرئاسة بعد أن خسره لمصلحة جاك شيراك في الانتخابات الأخيرة. فاذا كانت هناك مفاجأة في مؤتمر ديربان الأخير لم يكن أحد من المراقبين يتوقعها فهي بلا شك ذلك التصريح الغريب الذي أدلي به رئيس الوزراء الفرنسي باسم الاتحاد الأوروبي, برغم أن فرنسا ليست هي الرئيس الحالي للمجموعة الأوروبية, ولا يصح لها أن تتحدث باسمها. وقد كان من اللافت للنظر أن جوسبان لم يشأ أن يترك لرئيس الوفد الفرنسي في المؤتمر إعلان هذا الموقف وانما اختار أن يعلنه بنفسه من باريس حتي يحسب له وحده أمام الأصوات اليهودية التي بدأ يسعي لمغازلتها في الانتخابات القادمة.
والحقيقة أننا اذا عدنا لملف جوسبان لوجدنا أن الموقف الذي أعلنه أخيرا في ديربان تضامنا مع عنصرية إسرائيل هو موقف أصيل في تاريخه السياسي, وان كان قد استطاع في كل مرة الإفلات من المعاتبة العربية وحصاد المكاسب اليهودية والإسرائيلية, فإن الذاكرة العربية المتسامحة مازالت تذكر جيدا موقفا مماثلا لرئيس الوزراء الفرنسي حين زار إسرائيل في مارس من العام الماضي, وعقد مؤتمرا صحفيا في نهاية زيارته ليعلن فيه أن حركة المقاومة في جنوب لبنان الذي كانت إسرائيل مازالت تحتله في ذلك الوقت هي عمل إرهابي(!!) أي أنه بذلك ردد نفس منطق المحتل الذي يري أن مقاومة احتلاله هو عمل ارهابي, وهو الموقف التقليدي لأي احتلال أجنبي علي مر التاريخ, بما في ذلك الاحتلال النازي لفرنسا نفسها, والذي كان يصف حركة المقاومة الوطنية الباسلة بالارهاب ويعامل أبطالها كمجرمين!. وقد حقق موقف جوسبان في العام الماضي النتائج التي كان يرجوها حيث كال له الجانب اليهودي المديح داخل فرنسا وخارجها إلي درجة أن الصحفي الصهيوني المعروف بمعاداته للعرب برنار هنري ليفي كتب يقول في مجلة لوبوان الفرنسية إن جوسبان قد جسد الشجاعة الأدبية الفرنسية, وإنه بذلك قد أنقذ كرامة فرنسا(!!), أما هنري هايدنبرج رئيس مجلس المؤسسات اليهودية الفرنسيةCRIF فقد أعلن أن حزب الله الذي يتزعم المقاومة في جنوب لبنان هو حركة ارهابية وأن جوسبان إنما يخشي علي لبنان من سيطرة الارهاب علي لبنان, وكأن مصدر الخطر علي لبنان هو المقاومة الوطنية وليس الاحتلال الأجنبي(!!), لكن الأحداث علي ما يبدو أرادت أن تدحض موقف جوسبان وأتباعه من رؤساء الجماعات السياسية اليهودية في فرنسا, فما هي إلا أسابيع قليلة وكانت حركة المقاومة اللبنانية قد نجحت في إجبار القوات الإسرائيلية علي الانسحاب من الجنوب تماما, كما نجحت المقاومة الفرنسية في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي!!
علي أن ملف رئيس الوزراء الفرنسي لا يحتوي فقط علي ما يؤكد أنه يعتبر المقاومة العربية للاحتلال الاسرائيلي حركة إرهابية ينبغي ادانتها, وإنما هو يحتوي أيضا علي مواقف مؤيدة صراحة للمجازر الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة مثلما حدث في قانا بجنوب لبنان أيضا وحين قام جيش الاحتلال الإسرائيلي عام1996 بقصف مقر الأمم المتحدة هناك وقتل نحو200 من المدنيين العزل كان نصفهم تقريبا من النساء والأطفال, وقد كان هذا الهجوم الوحشي مثار استنكار العالم أجمع فيما عدا سكرتير عام الحزب الاشتراكي الفرنسي آنذاك ليونيل جوسبان الذي دافع عما سماه حق إسرائيل الشرعي في الدفاع عن نفسها(!!), فكان بذلك صوتا خارجا علي الإجماع الدولي يطالب لأول مرة بحق المحتل في الدفاع عن نفسه داخل أراضي الغير التي يحتلها بالقوة خلافا لما تنص عليه المواثيق الدولية(!!) ان الموقف الذي حرص رئيس الوزراء الفرنسي علي إعلانه بنفسه من باريس أثناء انعقاد مؤتمر العنصرية بجنوب إفريقيا, هو في واقع الأمر خروج واضح علي السياسة الخارجية الفرنسية, واذا كنا سنأخذه مأخذ الجد ولا ندعه يمضي كما مضت المواقف السابقة لجوسبان, فإنه سيؤثر بلا شك علي الدور المحايد الذي اتخذته فرنسا إزاء الشرق الأوسط وفي مواجهة الموقف الأمريكي الموالي لاسرائيل, ذلك أن الموقف الثابت للسياسة الفرنسية في الشرق الأوسط قد وضع أساسه الجنرال ديجول قبل قرابة نصف قرن من الزمان باعلانه الشهير قبيل حرب يونيو1967 بأن فرنسا ستكون مع المعتدي وضد المعتدي عليه, وذلك حين قال: إننا سنقف ضد من سيطلق الرصاصة الأولي!.. وقد أوفي ديجول بوعده وحظر بيع الأسلحة لإسرائيل بعد أن ثبت أنها هي التي أطلقت الطلقة الأولي في الحرب, وكان ديجول بذلك هو أول رئيس دولة غربية تقوم سياسته في الشرق الأوسط علي أساس مبدئي وليس علي أساس الانحياز التقليدي للدولة اليهودية, ولم يحدث منذ ذلك الحين أن حادت فرنسا عن هذا الموقف لا في عهد بومبيدو ولا جيسكار ولا ميتران.
ومن ناحية أخري يأتي موقف جوسبان في مؤتمر ديربان خروجا علي المألوف في الحياة السياسية الفرنسية التي جري العرف فيها علي أن تكون السياسة الخارجية من صلاحيات رئيس الجمهورية وليس رئيس الوزراء, ورغم أن الدستور الفرنسي لا ينص علي ذلك صراحة فإن العرف السائد كان يشير منذ بداية الجمهورية الخامسة علي أيدي ديجول إلي أن السياسة الخارجية تصنع في قصر الإليزيه مقر رئاسة الجمهورية, وليس في قصر الماتينيون مقر رئاسة الوزراء, فرئيس الجمهورية هو الوجه الدولي للبلاد والسياسة الخارجية لفرنسا يجب ألا تكون موضع خلاف ما بين رئيس الجمهورية الديجولي ـكما هو الحال الآنـ ورئيس وزرائه الاشتراكي, في الوقت الذي تحتمل الأمور الداخلية اختلاف الرأي بين الاثنين, لكن ليونيل جوسبان بتلهفه علي الرئاسة بدا كأنه قد ترك وراءه منصب رئيس الوزراء وأصبح يتطلع أكثر فأكثر إلي قصر الإليزيه فأعطي لنفسه من الآن بعض صلاحيات رئيس الجمهورية حتي قبل أن تبدأ الانتخابات المقرر لها شهر مايو(؟) من العام المقبل. والحقيقة أن جوسبان سيخوض الانتخابات المقبلة عام2002 وسط انقسامات خطيرة داخل جبهة اليسار ما بين حزب جوسبان الاشتراكي وكل من الحزب الشيوعي في جانب وحزب الخضر في جانب آخر, ويبدو أن جوسبان يحاول من الآن أن يعوض هذا الانشقاق بما يمكن أن يحصل عليه من تأييد من الدوائر اليهودية في فرنسا بمواقفه الصارخة في انحيازها لإسرائيل, وهو ما حرص عليه منذ خسر الانتخابات الماضية كان موقفه المشين من مذبحة قانا بعد عام واحد فقط من خسارته الانتخابات ثم تأييده الغريب للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان, الذي تبعه هذ العام بتهديده الأخير بالانسحاب بلا خجل وراء أمريكا وإسرائيل من مؤتمر ديربان إذا هو أدان إسرائيل(!!)
لقد برر رئيس الوزراء الفرنسي موقفه المؤيد للاحتلال الإسرائيلي الذي كان في جنوب لبنان حين قال بالحرف الواحد في البرلمان الفرنسي بعد عودته من زيارته لإسرائيل في العام الماضي: إن سياستنا في الشرق الأوسط يجب أن تقوم علي علاقة تفضيلية بيننا وبين إسرائيل, فإسرائيل هي الدولة التي تشترك معنا في إعلاء القيم الديمقراطية(!!) وهذا ـكما يبدو ليـ هو الموقف الأمريكي بحذافيره الذي استطاعت فرنسا علي مدي السنين الماضية أن تتميز عنه فتكون سياستها في الشرق الأوسط أكثر موضوعية وتقف إلي جانب الحق بلا علاقات تفضيلية مع جانب ضد الآخر, لكن ها هو جوسبان يردد في البرلمان الفرنسي الموقف الأمريكي ثم يجيء هذا العام ليأتي بالتصرف نفسه الذي أتت به الولايات المتحدة وإسرائيل, مما يثبت أن مواقف رئيس الوزراء الفرنسي المتطابقة مع الموقف الأمريكي إنما تنبع من موقف فكري متكامل يقترب كثيرا من حدود العنصرية لأنه يقوم علي اقتناع واضح لدي رئيس الوزراء بأن الجانب الإسرائيلي أفضل لذلك فهو يستحق معاملة تفضيلية باعتباره جانب التقدم والديمقراطية بينما الجانب العربي هو جانب التخلف والإرهاب, وهو موقف خطير حين يكون صاحبه مرشحا لرئاسة دولة صديقة بنت علاقاتها مع العالم العربي طوال نصف قرن من الزمان علي أسس مبدئية لم تتزعزع من ديجول إلي شيراك وليس علي انحياز عنصري لجانب ضد الآخر.
إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هو الموقف العربي إزاء هذا المرشح المشارك لا ريب في انتخابات الرئاسة الفرنسية في العام المقبل؟ وما هو موقف العرب المقيمين في فرنسا الذين يملكون هم أيضا أصواتا في الانتخابات مثلما يملك اليهود؟ ثم ما هو التنسيق الذي يجب أن يقوم بين الدول العربية في الشرق الأوسط والأصوات العربية داخل فرنسا مثلما يحدث بين إسرائيل والمنظمات اليهودية في فرنسا؟ وما هي القنوات التي يمكن أن يجري من خلالها مثل هذا التنسيق؟ وما هي الأدوات التي يمكن استقدامها في هذه المعركة السياسية التي قد يترتب عليها مستقبل علاقتنا بفرنسا؟ هل هناك إجابات شافية علي هذه الأسئلة؟ أم أننا سنترك الموقف الأخير لرئيس الوزراء الفرنسي يمر كما مرت جميع مواقفه السابقة, فلا نسبب له المشكلات ونتركه يحصد مكاسبه علي الجانب الآخر دون إزعاج منا؟! |
|
|
|
|
|