قضايا و اراء

41916‏السنة 126-العدد2001سبتمبر10‏22 من جمادى الأخرة 1422 هــالأثنين

الساحل الشمالي بين مفهومي الاصطياف والسياحة ذات العائد
بقلم‏:‏ الدكتور محمد رياض
أستاذ الجغرافيا بآداب عين شمس

موقع مصر علي البحرين المتوسط والأحمر اعطاها مقدرات كامنة لسياحة الاصطياف والشتاء فضلا عن كل المقدرات الأخري في العلاقات الاستراتيجية في جوانب التجارة والنقل الدولي والمحلي والجوانب العسكرية باعتبارها أحد أهم المراكز في علاقات الشرق والمغرب‏.‏ وفي الأسطر الأتية سوف أتناول موضوعين أولهما محاولة كيف يصبح الساحل الشمالي بمنشآته التي تكلفت المليارات من مدخرات المصريين‏,‏ قيمة اقتصادية ذات عائد‏.‏ والموضوع الثاني كيف نحافظ علي البيئة من الدمار الشامل الذي حل بها نتيجة تجاهل دراسة المقومات البيئية المتفاعلة التي انتجت تفرد الساحل الشمالي بظروفه الجمالية‏.‏

كيف نحول الساحل إلي قيمة اقتصادية‏.‏
ظلت هذه السواحل طوال ثلاثة أرباع القرن العشرين قليلة الأهمية بالنسبة للاصطياف فيما عدا نقاط محدودة علي شواطئ الدلتا في بورسعيد ورأس البر والقليل من مرسي مطروح‏,‏ واحتكار كبير لشواطئ الاسكندرية‏.‏
وفي الربع الأخير من القرن العشرين بدأت عمليات تخطيط وتنفيذ قري اصطيافية عديدة بطول المنطقة من غرب العجمي إلي العلمين‏,‏ وبكثافة أقل إلي سيدي عبدالرحمن ثم إلي رأس الحكمة وتوسعات في مرسي مطروح وماحولها‏.‏ بدأت الخطط متأرجحة بين إستخدام مشترك لأصحاب الشاليهات والفيلات خلال موسم الصيف وسياحة خارجية منظمة تستخدم هذه القري غالبا خلال الخريف والشتاء‏.‏ ولكن مثل هذا المخطط فشل لأسباب عدة علي رأسها‏:‏

‏1‏ـ إن مخططات القري اهتمت فقط بأشكال المساكن دون الاهتمام بخدمات خاصة منها المطاعم والكازينو متنوعة المآكل والبرامج الليلية‏.‏ فليس السائح الأجنبي مجرد إنسان يقضي كل اليوم في السباحة والتمتع بالمناخ الطيب‏,‏ بل هو في حاجة إلي قضاء أمسيات ساهرة إذا أخذنا في الاعتبار أنمعظم السياحة الدولية هي سياحة الشباب بعد أن كانت مقصورة علي الأغنياء كبار السن الذين يخلدون للراحة والنوم المبكر‏.‏
‏2‏ـ كذلك لم تهتم المخططات الأولية بسياحة الصحراء حول القري الساحلية‏.‏ والصحراء المصرية غنية بتنويعات في التكوينات الرملية والصخرية‏.‏ وليس بعيدا عنها منخفض هائل هو منخفض القطارة وواحات عدة جنوب المنخفض إلي جانب واحة سيوة الأسطورية‏.‏ مثل هذه السياحات في بيئة الصحراء كانت ستلهب رغبات السياح الأجانب في القدوم إلي الساحل الشمالي للجمع بين البحر ورماله الذهبية وبين المغامرة في ارتياد جزء من الصحراء كنوع من المغامرة غير مألوف لديهم وتظل في ذاكرتهم ويرجون بين من يلقاهم للسايحة المصرية غير البعيدة عن أوروبا‏.‏

‏3‏ـ غلبت الروح المصرية في التملك الشخصي علي جميع المخططات للتشارك في استخدام الشاليهات والفيلات مع السياحة الأجنبية‏.‏ وتحولت القري العديدة إلي وظيفة الاصطياف فقط تاركة هذه القري مجموعات من تجمعات اشباح تسعة اعشار السنة‏.‏
وهكذا صرف المصريون أموالا طائلة في إنشاء مساكن غالية وأموال أخري سنوية للمحافظة علي الأبنية من تأثير العوامل الجوية البحرية وأموال أخري للحفاظ علي الحدائق الصغيرة التي أنشئت حول الشاليهات من أجور البستاني والمياه الباهظة القيمة وإحلال النباتات وغير ذلك الكثير‏.‏

كم تقدر قيمة هذه المنشآت؟ لانبالغ إذا قلنا إنها تعد بالمليارات‏.‏ هي في الحقيقة رأسمال مهدر من أجل اصطياف شهر واحد علي الأكثر‏!‏ كم كان انتاج هذه الأموال لو أن جانبا منها عمل في أي شكل من اشكال الانتاج الزراعي أو الصناعي أو الخدمي السياحي المؤهلة له هذه المنطقة لو كانت لدينا قيم أخري غير قيمة حب التملك الفردي بالصورة المبالغ فيها التي نعرفها في مصر‏!‏
هل فات أوان تصحيح هذا الهدر في بلد يعاني من نقص السيولة بصفة اجمالية؟ تساؤل قد لايجد إجابة سهلة ومباشرة‏.‏ ربما كان بعض مقومات محاولة تصحيح الموقف ما يأتي‏:‏

‏1‏ـ الكف عن إنشاء قري اصطيافية علي النمط الحالي‏,‏ أي أن تصدر تصاريح إنشاء قري جديدة علي مخططات تشمل مراكز خدمية متعددة‏.‏ ولنا فيما يجري في مارينا اسوة‏.‏ لماذا تتميز؟ لأنها مليئة بالخدمات الترفيهية الليلية‏,‏ بل يستقدمون لها حفلات منظمة اضافية للترفيه‏(‏ برغم المغالاة في تكلفته‏)‏ لماذا لاتصبح هناك قري متعددة علي شاكلة مارينا في المنطقة من سيدي عبدالرحمن إلي رأس الحكمة ـ ليست بالضرورة علي النمط نفسه‏,‏ لكنها تفسح المجال أمام اقبال الرواد وبخاصة الشباب الذي أصبح يرفض الذهاب مع أهله إلي القري الحالية النائمة مبكرا‏,‏ والتي تتفق مع عمر الآباء والأمهات أكثر من عمر الشباب التواق إلي الحركة والتجمع والسهر والسمر علي الأنغام‏.‏
‏2‏ـ أن تغامر شركات تنظيم السياحة بالخوض في مضمار سياحة أجنبية إلي الساحل الشمالي‏,‏ عندنا شركات سياحة برعت في تنظيم مواسم العمرة وبعض السياحة الأوروبية بالاشتراك مع هيئات سياحية أوروبية‏.‏ فلماذا لاتفكر مثل هذه الشركات في أمرين‏:‏ الأول الاتفاق مع جمعيات وهيئات اقامة القري الجديدة علي أساس تخطيط القري لاصطياف المصريين شهرا أو نحوه‏.‏ وتأجير الشاليهات بقية السنة لمجموعات منظمة من السياح الأجانب‏.‏ والأمر الثاني الاتفاق مع بعض إدارات القري الحالية علي تنظيم المشاركة السياحية في المنشآت الراهنة مع بعض التعديل مع اقامة خدمات ترفية لخدمة المصريين والأجانب معا معظم السنة‏.‏

المحافظة علي بيئة الساحل الشمالي‏:‏
الأصل في نطاق الساحل الشمالي‏,‏ وبخاصة مابين مريوط والعلمين‏,‏ إنها عدة سلاسل تلية متعاقبة بحذاء شاطئ البحر يراها المسافر‏.‏ فالطريق يقع فوق السلسة الثانية بينما تقع القري علي أجزاء من السلسلة الأولي المواجهة للبحر لكنها ليست متكاملة بل تقطعها في أحيان خلجان وجونات متعددة‏.‏ أما السلسة الثالثة فتقع إلي الخلف وعليها كانت ومازالت زراعات التين وغيره مما يزرعه سكان المنطقة‏.‏ وهذه السلال من الحجر الجيري الحديث غير مرتفعة بالمفهوم الجبلي لكنها تشكل ظاهرة طبيعية بيئية تقسم المنطقة وتعطيها الشكل العام للبيئة الساحلية ذات الامطار الشتوية القليلة التي تتسرب في باطن الأرض وعليها تحفر آبار غير عميقة تشكل مقوم الحياة الدائم لحياة الانسان من بدو نصف مستقرين وحيواناتهم من الأغنام الجيدة لحما وصوفا‏.‏
حين بدأ تعمير القري علي الساحل دمرت معظم أجزاء السلسلة الأولي لكي تخلق أرضا منبسطة قليلة الإنحدار تبني فوقها منشآت القري‏.‏ واقتطع المقاولون بعضا من أجزاء السلسة الثانية كي يأخذوا الأحجار الجيرية المناسبة للبناء‏.‏ وحين تم بناء القرية تلو القرية حدث تحول اقتصادي في قيمة أراضي الرعي والتين واصبح لبعض البدو وظيفة اضافية في خفارة وحراسة القري واقامة محال ودكاكين للسلع الغذائية اللازمة علي طول الطريق‏,‏ فضلا عن ورش صغيرة اقامها مهاجرون لخدمة السيارات واسعافها‏.‏ والمدن الصغيرة الداخلية مثل برج العرب أو الحمام التي نشأت علي طول الخط الحديدي‏,‏ امتدت في إتجاه طريق السيارات وامتلأت بالمهاجرين من عمال وحرفيين وغير ذلك كثير من التغيير السكاني والاقتصادي والحضاري‏.‏ كل هذا كان علي حساب البيئة الأصلية التي أخلت مكانها لتجمعات عديدة من القري الاصطيافية والقري الداخلية‏.‏ من الناحية الاقتصادية يمكن أن يؤخذ هذا التحول علي أنه تنمية لإقليم شبه طبيعي تزاول فيه عمليات رعي وزراعات علي النمط التقليدي‏.‏ ولكنه من الناحية البيئية فقد أدت أشكال التنمية هذه إلي آثار لانعرف مداها علي المدي البعيد‏.‏

أحد الأشكال الضارة للتنمية هو ماتقيمه كثير من القري من حواجز صخرية تمتد داخل البحر لكي تمنع قوة الأمواج وقدرتها علي شحب المستمتعين بالسباحة سواء كانوا ماهرين أو مبتدئين‏.‏ إن أحدا لم يدرك مدي تأثير هده الحواجز علي القري المجاورة‏,‏ فالموج بعد أن يبعد عن تأثير الحاجز يشتد تجمعه بعد كيلومتر أو أقل حسب امتداد الحاجز فيصيب بالضرر شاطئ القرية التالية بحيث تصبح السباحة علي شاطئها نوعا من المغامرة التي تؤدي إلي المهالك كما نقرأ بين الحين والآخر‏.‏ فكأن الحاجز يفيد قرية ليهلك غيرها‏!‏ فهل تقيم كل قرية حاجزا؟ أين إذن متعة البحر المفتوح؟
وفي الحقيقة فإن الأمر يحتاج إلي استشارة المتخصصين في هيدروليكا المياه البحرية من متخصصين في علوم البحار والمحيطات والجغرافيا الطبيعية وجيمورفولوجية السواحل وجيولوجيتها إلخ‏.‏ وكذلك الاستعانة بالصور الفضائية والجوية وغير ذلك من تقنيات العمل العلمي الصحيح‏.‏ قد يكون هذا مكلفا‏,‏ ولكن حياة فرد تساوي هذه التكلفة وتزيد‏.‏ وإذا كنا نفكر في تحويل الساحل إلي سياحة أجنبية فأولي أولوياتها أن يطمئن الفرد علي سلامته كي لاتحول مخاطر الغرق دون أي شكل من أشكال التنمية المحلية والدولية‏.‏

كلنا نعرف أن هناك تيارا مائيا في البحر المتوسط يسير علي طول شواطئنا المتوسطية من الغرب إلي الشرق‏.‏ كم يبعد عن خط الساحل‏,‏ ماهو عرضه وعمقه ودرجة حرارته والتيارات الانقلابية المترتبة علي مروره الدائم‏,‏ وما هي أوقات تسارع التيار ومدي تأثره بالرياح والأعاصير واتجاهاتها وغير ذلك من الأشياء التي يجب معرفتها ودراستها بدقة في نقاط كثيرة من الساحل الشمالي كي نتمكن من الرد علي التساؤل‏:‏ هل إقامة الحواجز في بعض القري أو كلها أمر يشكل أو لايشكل مخاطر علي حياة المصطافين حين يسبحون‏.‏ البحر هنا هو العمود العصبي الذي من أجله اقيمت القري بهذه التكلفة الباهظة‏,‏ فإذا فقدنا الأمان في البحر فلماذا إذن نجئ إلي الساحل؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية