ملفات الأهرام

41916‏السنة 126-العدد2001سبتمبر10‏22 من جمادى الأخرة 1422 هــالأثنين

من الفيضان إلي الانتفاضة‏..‏ والسد العالي بينهما‏!‏
بقلم‏:‏د‏.‏ عبد المنعم سعيد

جاء الفيضان عاليا هذا العام محملا في شهر سبتمبر بمئات المليارات من أمتار الماء المكعبة الذي يحمل الخير والنماء لنا خلال هذا العام والأعوام القادمة‏.‏ وبقدر ما كان مشهد ارتفاع المياه في بحيرة ناصر وخلف السدود والقناطر وفي مفيض توشكي مبشرا بقدرة الإنسان المصري العظيمة علي ترويض النهر الخالد‏,‏ فإن مشاهد الغرق والطوفان الهائج التي رأيناها في السودان وإثيوبيا حملت إلينا ذكريات كنا نعرفها تماما عندما كان الإنسان ضعيفا وغير قادر علي التعامل مع عنف الطبيعة إلا بالحسرة وانتظار المجهول‏.‏ ولعل المفارقة بين مشهدنا ومشهد الآخرين كان مصورا لتلك القصة الرائعة لمصر في التعامل مع النهر والطبيعة من خلال بناء القنوات والترع أولا حتي يمتد النهر كثيرا إلي أجزاء الدولة‏,‏ وإقامة الجسور والقناطر وتجهيز المجري ـ ثانيا ـ لكي يسير فيه إكسير الحياة إلي حيث ميلاد الزرع والخير‏,‏ وانشاء السدود ـ ثالثا ـ التي كان آخرها السد العالي الذي كانت عملية انشائه واحدة من أهم قصص النضال في الداخل والخارج في تاريخ مصر كلها‏.‏ ورابعا ـ واخيرا ـ فعلها المصري من خلال استخدام العقل والتدبير والتوفير للاستفادة من السنوات السمان لكي تنفع في السنوات العجاف‏.‏

وفي شهر سبتمبر الجاري أيضا يكون قد مر عام علي الانتفاضة الفلسطينية الباسلة التي كانت آخر التعبيرات عن القدرة الفلسطينية علي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم‏.‏ وربما كان مفاجئا لكثيرين أن الحدث جاء بعد ان ساد ظن النعومة في أوصال المناضلين بفعل اتفاقيات أوسلو‏,‏ بل وأكثر من ذلك بعد ان انتشرت مظنة ان القيادة الفلسطينية لم تعد تعرف القتال فإذا بها تقع في مقدمة صفوفه‏.‏ وكان العام حافلا بالمواجهات تكسرت فيها النصال علي النصال‏,‏ ورغم التفاوت الهائل في موازين القوي‏,‏ فإن حركة التحرر الوطني الفلسطينية حققت واحدة من أعلي معدلات الإصابة بين الإسرائيليين بأكثر مما فعل الجزائريون والفيتناميون تجاه الفرنسيين والأمريكيين‏,‏ وبالتأكيد فإن ما تخيله شارون وقادته من نزهة عسكرية لا تستغرق عملا‏,‏ ومذابح‏,‏ أكثر من مائة يوم‏,‏ لقمع الانتفاضة والانتهاء منها‏,‏ فإذا بمائتي يوم تشهد بأن ذلك لا يزيد علي كونه أضغاث أحلام استيقظ منها القادة العسكريون لكي يبشروا الشعب الإسرائيلي أن الانتفاضة سوف تستمر حتي عام‏2006!.‏

ويبدو الفارق بين الفيضان والانتفاضة ليس في المدة التي تعاملنا فيها مع كلاهما حينما مر علينا آلاف الأعوام في التعامل مع الأولي وعام واحد مع الأخيرة‏,‏ أو حتي نصف قرن من التعامل مع النضال الفلسطيني كله‏,‏ وإنما يبدو في خبرة التجارب المتراكمة للتعامل مع النهر الذي تحل لعنته اذا فاض واذا غاض‏.‏ هنا نجح الإنسان المصري في التعامل مع الطبيعة الغاضبة والتي لا يؤمن جانبها‏,‏ وكانت آخر قصص انتصاراته بناء السد العالي عند أسوان لكي يكون التاج المتوج لكل أعمال المصريين في ترويض النهر وتسخيره في خدمة التقدم والتنمية في مصر‏,‏ وهذا السد يقف الآن شامخا مخضعا مياه الفيضان والطوفان‏,‏ وحاملا لذكري زعيم عظيم كان السد والنضال من أجله أعظم أعماله وأكثرها في حكم التاريخ خلودا‏.‏ فلم يكن بناء السد العالي مجرد واحد من مشروعات التنمية في مصر‏,‏ وإنما كان من ناحية ذروة مسيرة تاريخية للسيطرة علي النهر‏,‏ ومن ناحية أخري استخلاصا للإرادة الوطنية واستقلالها‏,‏ وفي الحقيقة ان جمال عبد الناصر ـ رحمه الله ـ كان يدرك تماما في ذلك الوقت الرابطة بين الناحيتين فقد كانت التنمية من خلال السيطرة علي تدفق المياه هي السبيل لتحقيق الاستقلال الذي كان ض
روريا النضال من أجله في معركة تأميم قناة السويس‏,‏ التي التحمت فيها قصة السد مع الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ والفيضان مع الانتفاضة في صورة مبكرة منذ خمسة وأربعين عاما‏.‏

وربما عند حلول الفيضان في موعده السنوي‏,‏ وعند ذكري الانتفاضة الأولي‏,‏ ان نستعيد الشخصية التي قامت ببناء السد العالي وهي المهندس صدقي سليمان الذي اصطفاه عبد الناصر مرتين‏,‏ مرة عندما جعله مسئولا عن بناء السد العالي‏,‏ ومرة عندما جعله رئيسا للوزراء قبل أحداث يونيو‏1967.‏ كان الرجل من الفراعنة المهندسين الكبار الذين بنوا الحضارة المصرية العظمي قبل حلول الرعاة والغزاة‏,‏ والذي حول الأحلام ـ كما قالت الأغاني في ذلك الوقت ـ إلي حقيقة‏,‏ والأماني الي ارادة‏,‏ ومن خلال العقل والعلم روض الطبيعة‏,‏ وجعل النهر خادما للمصريين‏,‏ والفيضان مخزونا ماليا استراتيجيا لا يوجد مثيل له في الدنيا كلها‏.‏ ولم يكن الرجل ماهرا بالعقل والعلم فقط في ترويض الفيضانات ووضعها في خدمة مصر‏,‏ وإنما أيضا كانت لديه ذات الموهبة في التعامل مع الأحداث التي عند جذورها بدأت الانتفاضة الفلسطينية الراهنة‏!.‏

وكان المهندس صدقي سليمان ليس فقط من البنائين المصريين العظام‏,‏ وإنما كان أيضا من هؤلاء الذين أعطاهم الله البصر والبصيرة‏,‏ والشجاعة أيضا‏,‏ لكي يري الحقيقة وسط الضباب الكثيف والظلمات الدامسة‏,‏ فقد كان يعلم تماما من تجربته مع السد العالي أن ذلك هو مكان قوة مصر الحقيقية‏,‏ وأن المضي في بناء السد وتحويله إلي ثورة زراعية وصناعية كبري كفيل بتعديل الكثير من التوازنات الاستراتيجية الكبري في المنطقة وفي العالم تعطي لمصر حقها ومكانتها‏,‏ ولذلك كان المهندس صدقي سليمان هو الوحيد من موقعه كرئيس للوزراء‏,‏ ومن تجربته في بناء السد العالي لكي يحمي مصر من الجفاف والفيضان‏,‏ هو الذي أبدي للرئيس عبد الناصر رأيا مخالفا في إغلاق خليج العقبة الذي كان يعلم كما كان يعلم الرئيس أنه سوف يقود إلي الحرب‏.‏ كان رأيه الذي لم يستمع إليه أحد أن التنمية في مصر لا تزال في بدايتها‏,‏ وأن مصر تحتاج فترة من الهدوء والاستقرار حتي تصل خطط التنمية فيها الي اهدافها‏.‏ كان ذلك رأيا شجاعا في وقت كانت فيه التعبئة الشعبية والجماهيرية ـ كما هو الحال الآن ـ قد وصلت إلي منتهاها‏,‏ وكان السيد أحمد سعيد من موقعه في محطة إذاعة صوت العرب يقوم بدوره ـ كما يقوم عشرات مثله الآن في المحطات الإذاعية والمحطات التليفزيونية الفضائية وغير الفضائية ـ في الدعوة إلي المواجهة والنزال‏.‏

وللأسف فقد ضاع صوت رئيس وزراء مصر وباني سدها العالي وسط الزحام‏,‏ وربما لو أعلن موقفه أيامها لا تهمه بعض الكتاب بأنه من الانهزاميين الانبطاحيين المستسلمين‏.‏ كان الوقت ساعتها ملتهبا بالعواطف والتشنجات والشعارات إلي الدرجة التي أقامت سدا أمام الأمة يمنعها من سماع التحذير والتنبيه‏,‏ وكانت خطة اصطياد الديك الرومي تجري علي قدم وساق‏,‏ وكان الاستدراج يجري بنعومة وسط الضجيج والكلمات الساخنة والأغاني الحماسية‏.‏ وفي الوقت الذي كان يجري فيه ضبط الفيضان عن طريق عمان تنموي رائع‏,‏ كان الطوفان يفلت بذات القصة التي تكررت قبله وبعده منذ عام‏1948‏ عندما نفذت إسرائيل عدوانها واستدراجها الأول وأخذت الجيوش العربية إلي هزيمة لم يحذر منها إلا شخص واحد هو إسماعيل صدقي‏,‏ وبالطبع فإن الشعب الفلسطيني لم يسكت‏,‏ وبدأ أشكالا مختلفة من المقاومة لاستعادة حقوقه المشروعة كان منها العمل المسلح‏,‏ والحرب الشعبية‏,‏ والإرهاب الثوري‏,‏ وكان منها الانتفاضة‏,‏ وفي كل مرة كانت قوي سياسية تحول عملية المقاومة الباسلة إلي حالة من الاستدراج الجماعي للدول العربية ـ ومصر خاصة ـ تحت شعار عدم ترك المقاومة وحدها في ساحة المواجهة‏.‏ وباختصار كان الأمر هو إعطاء الفرصة لإسرائيل لكي تتخلص من حرب مقاومة شعبية لا تعرف كيف تتعامل معها‏,‏ إلي حرب جيوش نظامية ودول تعرف كيف تحارب معها وتحصل علي العون الدولي ـ الأمريكي خاصة ـ في آن واحد‏.‏

في هذه الأيام يبدو الجدل الفكري في مصر تحديدا يدور حول من يعملون علي ضبط الفيضان وبناء السدود العالية وتحقيق التنمية كما تخيل وتمني المهندس صدقي سليمان‏,‏ وبين هؤلاء الذين لا تشغلهم الفيضانات ولا السدود ولا التنمية‏,‏ وينفخون في النفير والجماهير سعيا نحو قبول الاستدراج للمرة الثالثة في تاريخنا وبنفس الطريقة تماما‏.‏ ولكن مصر محظوظة هذه الأيام‏,‏ فالقيادة واعية تماما لما يجري‏,‏ وبينما تقوم بتقديم كل العون للانتفاضة والعمل علي تحقيق نتائجها السياسية من خلال تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة‏,‏ فإنها ليست علي استعداد لقبول الاستدراج‏.‏ ومصر كذلك محظوظة ان قواتها المسلحة استفادت تماما من السلام وتعرف ان قدراتها رادعة لكل من تسول له نفسه في اسرائيل العدوان عليها‏.‏ اللهم احم مصر من كل سوء‏!.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية