ملفات الأهرام

41916‏السنة 126-العدد2001سبتمبر10‏22 من جمادى الأخرة 1422 هــالأثنين

دور جديد للمنظمات غير الحكومية العربية
بقلم‏:‏محمد حسين السي

فاجأنا منتدي المنظمات غير الحكومية في مؤتمر ديربان بوثيقة ختامية تعد إنجازا تاريخيا بكل المقاييس إذ نصت صراحة ليس فقط علي إدانة الصهيونية بالعنصرية واعتبار إسرائيل نظام فصل عنصري‏(‏ ابارتيد‏)‏ مشابها للنظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا‏,‏ بل وطالبت المجتمع الدولي بفرض نظام عقوبات صارم علي إسرائيل‏,‏ مثل ذلك الذي طبق علي جنوب إفريقيا إلي حين امتثالها لقرارات الأمم المتحدة والتي تقضي بالانسحاب من الضفة وغزة والقدس‏,‏ وتسمح بعودة اللاجئين إلي ديارهم وممتلكاتهم وقد صدرت هذه بإجماع ستة آلاف منظمة غير حكومية من مختلف دول العالم بما فيها منظمات من الولايات المتحدة الأمريكية نفسها‏,‏ وهو الأمر الذي أدي إلي انسحاب الوفدين الأمريكي والإسرائيلي‏.‏
ولعل تعبير مفاجأة يصبح تعبيرا مناسبا للمشاهد الكثيرة المتفاوتة والمفاجئة للمتتبعين لقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي وكذلك دور المنظمات غير الحكومية ولنا أن نستعرض هذه المشاهد فيما يلي‏:‏

‏1‏ ـ انتقال المنظمات غير الحكومية العربية وخاصة الحركة العربية لحقوق الإنسان من الشأن الداخلي بالدفاع عن حقوق الإنسان داخل مجتمعاتها في مواجهة السلطة إلي الشأن الخارجي بالدفاع عن الحقوق العربية في مواجهة المجتمع الدولي بقيادة أمريكا‏.‏
‏2‏ ـ هذا الحجم الهائل من التعاطف من المنظمات غيرالحكومية الدولية والغربية والإفريقية بل والأمريكية مع الحقوق العربية والتضامن مع معاناة الشعب الفلسطيني خاصة بعد الانحياز السافر للولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل وتهديداتها قبيل انعقاد المؤتمر بمقاطعته بل وانسحابها من فعالياته اذ ان هذا الموقف خلق رد فعل عكسي لدي المنظمات الموجودة علي الحياد لتتعاطف مع هذا الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للإبادة في حين لا يقف العالم فقط معصوب الأعين بل يساند الدولة المعتدية‏,‏ ولعل هذا التعاطف لم يظهر فقط في الوثيقة الرسمية الصادرة عن المنظمات غيرالحكومية بل أيضا في تنظيم المسيرات والمظاهرات والتي تجمع فيها أكثر من عشرة آلاف شخص تندد بالعنصرية الصهيونية‏.‏

‏3‏ ـ هذا الدور البارز وغير المسبوق للمنظمات العربية غير الحكومية وعلي رأسها حركة حقوق الإنسان التي استطاعت من خلال اجتماعاتها التنسيقية من خلال المؤتمر التحضيري الذي استضافته القاهرة بتنظيم من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أن تذهب إلي ديربان محددة لنفسها خمسة مطالب رئيسية هي وقف المذابح التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وتوفير الحماية الدولية لهم بل ومحاكمة المسئولين الإسرائيليين عن هذه الجرائم باعتبارها جرائم ضد الإنسانية‏,‏ وإدانة نظام الفصل العنصري‏(‏ الأبارتيد‏)‏ الإسرائيلي وفرض العقوبات علي إسرائيل علي غرار ما تم مع جنوب إفريقيا‏,‏ وإعادة الاعتبار والعمل علي إحياء قرار الأمم المتحدة رقم‏3379‏ الذي ساوي الصهيونية بالعنصرية‏,‏ إعمال الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق تقرير المصير وحق العودة وإقامة دولته المستقلة علي ترابه الوطني وعاصمتها القدس‏,‏ والمطالبة بعقد مؤتمر الأطراف المتعاقدة مع اتفاقية جنيف الرابعة لضمان الحماية للفلسطينيين من حروب الإبادة التي تقوم بها إسرائيل‏.‏
إن هذه المطالب الخمسة وإن كانت تمثل الحد الأقصي لمطالب الأمة العربية في صراعها ضد الصهيونية العنصرية والمتمثلة في الوجود الإسرائيلي فإن المفاجأة كانت في نص الوثيقة الختامية للمنظمات غير الحكومية علي معظم هذه المطالب وقد يرجع ذلك الي امرين غاية في الأهمية أولهما الدرجة العالية من النضج التي تعاملت بها المنظمات العربية وسكرتاريتها مع المؤتمر من بناء تحالفات وتنسيق مع جميع الأطراف بما فيها المنظمات اليهودية المناهضة للصهيونية وممارسات الكيان الإسرائيلي‏,‏ بل لم يقف الحد عند التنسيق لإنجاح اجتماعات المنظمات غير الحكومية العربية بل أيضا في إفساد تحالفات واجتماعات اللوبي الصهيوني في المؤتمر وفي مقدمتها لجنة معاداة السامية التي تم تنظيمها سرا ليصبح كل المتحدثين والمعقبين ورئيس الجلسة من الصهاينة بحيث يمكنهم وضع التوصيات التي يرغبون فيها دونما أي تدخل من أي من المنظمات أو الأشخاص الآخرين‏,‏ غير أن هذا الشكل الاستفزازي والتنسيق العربي حال دون إتمام ذلك حيث تقدمت منظمات دولية ويهودية بطلبات احتجاج لدي اللجنة المنظمة أدت في النهاية إلي إفشال الجلسة‏.‏

‏4‏ ـ أيضا كشف هذا المؤتمر مدي قوة وسطوة المنظمات غيرالحكومية في المجتمع الدولي باعتبارها قوة لا يستهان بها اكثر تعبيرا عن ارادات الشعوب واكثر ديناميكية في التحرك لحماية حقوقه‏,‏ اذ ما كنا نراه من خلال شاشات التليفزيون هذا الكم الهائل من المنظمات غير الحكومية التي تتحرك دوما لمناهضة اتفاقيات التجارة العالمية ومواجهة العولمة في حركة اجتماعية احتجاجية تعبر عن آراء وحقوق ومصالح العالم النامي الذي سوف يتأثر بشكل مباشر بهذه السياسات‏,‏ وأصبحت هذه المنظمات قادرة علي اتخاذ مواقف قوية غير متأثرة بالتوازنات السياسية العالمية وارادة الهيمنة الأمريكية علي العالم‏,‏ والمثير للدهشة في هذا المجال هو ليس فقط انصهار المنظمات العربية الحقوقية لتتخذ نفس الأشكال والتدابير للتعبير عن رأيها بالاشتراك مع هذه المنظمات بل قيادة هذا الكم من المنظمات صاحبة الريادة في العالم للخروج بهذه الوثيقة القوية‏.‏
الأمر الثاني الذي ساهم في الموقف ايضا هو استبدال المنظمات العربية الحقوقية الخطاب القومي العربي القائم علي التراث التاريخي والحضاري للوطن العربي‏,‏ والذي علي الرغم من وجاهته وأحقيته ولكنه لا يصلح لمخاطبة العالم الخارجي ولكنه يصبح فقط من قبيل الاستهلاك المحلي‏,‏ فقد تم استبدال ذلك بخطاب حقوقي يقوم في أساسه إلي الشرعية الدولية لحقوق الإنسان وهو خطاب أصبح مألوفا ومفهوما من قبل المجتمع الدولي بأكمله وهو ما لاقي ترحيبا وتأييدا وتعاطفا من مئات المنظمات الأخري‏.‏

‏5‏ ـ الأمر الغريب أيضا هو التعتيم الإعلامي علي هذا الإنجاز الذي حققته المنظمات غيرالحكومية ويمكن أن نرجع هذا التعتيم إلي احتمالين‏:‏ الأول‏:‏ هو التعامل مع المؤتمر في مناقشته علي مستوي الحكومات من خلال التوجيهات الرسمية للبعثات الإعلامية التي تغطي فعاليات المؤتمر باعتبار أن هذه المناقشات هي التي يوجد بها الوفد الرسمي للدولة بالإضافة إلي أن الإعلام العربي لم يعتد الاهتمام بالمنظمات غير الحكومية أو المجتمع المدني بشكل عام‏.‏ الاحتمال الثاني أن هذا الأمر مقصود إذ أن هذا الموقف من المنظمات غير الحكومية يفتح الباب تلقائيا في الذهنية العربية للمقارنة بين موقف هذه المنظمات والمواقف الرسمية للدول العربية والتي تتسم بالتخاذل والخطابية المنددة والمدينة وهو ما يضع هذه الحكومات في موقف حرج أمام شعوبها‏.‏
‏6‏ ـ كان المؤتمر فرصة مناسبة جدا لتبيان الانحيازات الدولية للمنظمات الدولية والشخصيات العامة نركز هنا علي موقف ماري روبنسون المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة من المنظمات غير الحكومية والذي بدأت إرهاصاته قبيل انعقاد المؤتمر بانتقادها للأصوات المنادية بإدخال موضوع مساواة الصهيونية بالعنصرية في جدول أعمال المؤتمر‏,‏ ثم مواقفها الناقدة لتوجهات النقاشات والتوصيات في المنتدي ثم انتقادها للوثيقة الختامية إذ وصفت اللغة المستخدمة في الوثيقة بأنها لغة ملتهبة كما أدانت وصف إسرائيل بأنها ترتكب جرائم إبادة جماعية‏,‏ هذا بالإضافة إلي رفضها تسلمه بشكل رسمي‏,‏ وإعلانها بأنها لن توصي المؤتمر الحكومي بأن يأخذ بعين الاعتبار التوصيات التي تضمنتها اعلان المنظمات غير الحكومية‏.‏ وهو الشكل البروتوكولي المعمول به في مثل هذه المؤتمرات الدولية وهو ما أثار حفيظة المنظمات غيرالحكومية وجعلها توجه لها انتقادا حادا لهذه التوجهات خاصة ان هذا لا يتناسب مع متطلبات وظيفتها وطبيعة عملها‏,‏ ولعل هذا الموقف هو ما يعكس الانحياز التام والسافر للمنظمة الدولية للتوجهات الأمريكية والإسرائيلية‏.‏

‏7‏ ـ لم تقف حسابات مكاسب المنظمات الحقوقية العربية عند هذا الحد ولعل المكسب الكبير أيضا لهذه المنظمات هو الفصل في الذهنية العربية بين منظمات حقوق الإنسان أو مباديء حقوق الإنسان وتوجهات الدول التي تتشدق بحقوق الإنسان وتطوعها وفق تصوراتها ومصالحها خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تشبه إلي حد كبير مباحث أمن الدولة التي تحتفظ بملف لكل ناشط سياسي يخرج لابتزازه أو تهديده وقتما تحتاج مصالحها ذلك‏,‏ هكذا أمريكا فهي تحتفظ بما تراه ملفا لأوضاع حقوق الإنسان في العالم تستخدمه في الوقت الذي يناسب مصالحها‏,‏ فتصبح الصين هي أسوأ رصيد في حقوق الإنسان ثم تتحول لدولة مثالية عند إتمام الصفقات التجارية‏,‏ ويصبح الأقباط مضطهدين في مصر مادامت السياسة الخارجية المصرية لا تتماشي وفق الخطة الموضوعة لها‏,‏ إن هذا الربط في الذهنية العربية بين حقوق الإنسان والازدواجية الأمريكية في التعامل مع هذه القضية هو ما أثر سلبيا في حجم القبول الشعبي للحركة العربية لحقوق الإنسان وباتت مطالبة بتفسير المواقف الأمريكية المتفاوتة حيال قضايا حقوق الإنسان في العالم‏,‏ علي الرغم من الإدانات المتكررة من جانب الحركة العربية لحقوق الإنسان‏.‏
أن هذا النجاح للدبلوماسية غير الحكومية العربية في الخروج بوثيقة تاريخية تحافظ وتحمي الحقوق العربية المشروعة في الوقت الذي تتقاعس فيه الدبلوماسية الرسمية هو ما يلقي بعبء أكبر علي هذه المنظمات وعليها أن تضع في سياساتها وبرامجها الدائمة قسما لتكوين وإدارة التحالفات الدولية للاستفادة منها في مثل هذه المناسبات المهمة‏,‏ كذلك عليها التنسيق فيما بينها لإصدار مجموعة دراسات ووثائق موثقة تحمل خطابا حقوقيا حول جميع الحقوق العربية يمكن الدفع به في مثل هذه القضايا ويمكن في ذلك التعاون مع جامعة الدول العربية خاصة مع التوجهات الجديدة التي حملها السيد عمرو موسي الأمين العام وتعيينه مفوضا للمجتمع المدني بالجامعة العربية‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية