|
|
 |
أستطيع أن أحقق مركزا في العاصمة لمعلمة صبية حسناء, قادرة علي أن تظهر لي العرفان بالجميل. اكتبي إلي الصحيفة تحت عنوان: الصديق ذو النفوذ. عندما قرأ صاحبنا هذا الإعلان الصغير المنشور في الصحيفة, لم يصدق عينيه, إذ يفوق الإعلان كل مايمكن أن يخطر علي البال.
وفور إعادة قراءته للمرة الثالثة, احتقن وجهه, واشتعل قلبه غضبا, وخيل إليه أن دمه في عروقه كف عن الدوران, إذ يكشف الإعلان دون التباس, وبلا ممهدات عن أنه صورة من صور تلك الصفقات العارية المفضوحة, التي تعقد عن طريق الإعلانات الصغيرة, حيث تحصر وتحاصر الضحايا, وتتدرع بأنها لاتجبر أحدا, بل تطرح الخيار أمام من يرتضون ومن لايرتضون. وباعتبار أن صاحبنا يعد واحدا من أصوات إدانة الانحطاط, فإنه رأي في هذا الإعلان أفظع مايمكن أن تصل إليه الوقاحة وقلة الحياء, كما يعكس تصدعا وشروخا في مهنة الصحافة, وتحديدا في الصحيفة صاحبة النشر, التي لاهم لها سوي اجتذاب القراء بالتحرر من ضوابط الأداء. وإن صحيفة كهذه لاتعكس إلا صورة لعالم بائس محزن. يدفعنا هذا التشخيص إلي أن نطرح بعض التساؤلات, كي نقترب من العوامل المنتجة لهذا السلوك, لنتأمل البعد الواضح فيه, وهو الانتهاك المعلن للمحظور, ودون التقنع بارتداء قميص مكذوب, وذلك علي مستوي فاعليه, أي صاحب النفوذ الذي طلب نشر الإعلان, والصحيفة التي قبلت النشر, ونتساءل: تري ما الذي شجع صاحب الإعلان المنحط, أن يخرج بانحطاطه إلي دائرة الوضوح المفضوح علي الملأ؟ نعاود السؤال: ما الذي دفع الصحيفة إلي أن تنشر هذا الانحطاط علي الرأي العام؟ أفيكون السبب هو غياب المساءلة للفاعلين- عن مسئوليتهم مهنيا وأخلاقيا؟! إذ هذه المساءلة- سواء التي ترتبط بالضمير الذاتي أو بمؤسسات المجتمع هي التي تثمن معياريا ضلالات السلوك, احتكاما إلي مرجعية القيم المشتركة, التي يلتزم بها المجتمع إجماعا, والضامنة لاستمرار مصالحه الكلية والدائمة لأفراده جميعا.
وفي إطار المساءلات, يلح علينا أيضا سؤال: عند أي مدي يصل تأثير غياب المساءلة؟ أفيكون غياب المساءلة هو السبب في أن صاحبنا تخالجه الرغبة منذ وقت طويل في أن يشن الحرب علي السوقية والصغار؟ لقد راح يعتمل في خياله مخطط ما, غامض, وراودته فكرة إقامة جمعية سرية ينحصر نشاطها في فضح كل خسة, كل خيانة, كل احتيال, كل تواطؤ, كل مساس بالقانون يعسر علي القانون عقابه. وهنا تستوقفنا صورة المشهد المأزق مجردة: انتهاك معلن للقيم لايستتر, يواجه بفعل سري مستتر, في حين أن الانتهاك لما ارتضته الجماعة, سواء في الخلوة أو في العلن, لايعرف سوي الإدانة في صيغة صريحة معلنة. صحيح أن صاحبنا كان يتابع انتهاكات المحظورات, إلا أنه اعتصم بموقع انفصالي متعال, يسمح لنفسه بالمراقبة والحكم من بعيد, وتوزيع أوصاف العقاب, وظلت فكرة الجمعية السرية, بل مشروعاته كلها لمواجهة السوقية والانحطاط وضلالات السلوك, مجرد أفكار لم تتخط تخوم التأمل والتفكير, وقد يقال إن للصور الذهنية دورا أسياسيا, في تحديد الغايات, والتحرك في مأمن من أي ارتباك نحو الفعل والسلوك, لكن رهاننا دائما علي مايحدث بالفعل في شرطه الإنساني الذي يتداخل فيه المجهول والمعلوم, وليس الرهان علي مايفترض أن يكون, وذلك باعتباره فاقدا لشرطه الإنساني, لذا فإننا نتابع تأثير الإعلان المنشور, وفقا لصياغته التي تبرهن علي الانحطاط المحض غير المستتر, والتي دفعت صاحبنا إلي ضرورة إسقاط التأمل, ووجوب البدء بتأسيس مواجهة عملية تحديدا ضد هذا الانحطاط في واقعته المشحونة بالاستفزاز, والتي لاتقبل غض الطرف أو الإمهال.
بدأ صاحبنا مغامرة المواجهة العملية, بأن كتب رسالة كرد علي الإعلان المنشور, احتجب فيها وراء اسم مستعار لصبية جميلة وظريفة تدعي أمل, أبدت موافقتها ورغبتها في قبول المقايضة, وطلبت الي صاحب النفوذ الذي نشر الإعلان, أن يعلمها بمكان اللقاء, ويخطرها بذلك, بخطاب يرسله إلي شباك البريد المركزي. وبعث صاحبنا بالرسالة المزيفة الي الصحيفة, وراح ينتظر الجواب. لاشك في أن صياغة أية مواجهة تتطلب شرط إدراك الحدث, وتعيينه بآلياته ومكوناته وأطرافه الفاعلة. وفي حالتنا هذه تتحدد الأطراف الفاعلة بثلاثة أطراف, أولها: صاحب النفوذ, وثانيها: الصحيفة الناشرة للإعلان, وثالثها: مؤسسات المجتمع المنوط بها المساءلة. وقد نحي صاحبنا قوي المجتمع, ومؤسساته كلها واستبدل بها نفسه, وأخذ الأمر كله علي عاتقه, كما نحي كذلك من المواجهة الصحيفة التي نشرت الإعلان وعممته, فأسقطت بذلك التجريم عن فعل المقايضة بعرض الصبية مقابل الضمان بدوام الوظيفة, أي ضمان خبز الحياة لها, متجاهلا أن الصحيفة بنشرها الإعلان يعني أنها قد تخلت عن دورها في تحصين المجتمع وأفراده من كل مسخ أخلاقي, وتفكك اجتماعي. وعلي الجانب الآخر يعني أيضا أن المجتمع نفسه يفتقد فعالية مؤسسات ضبط الأداء في المساءلة عند انتهاك القيم, وتدهور كفاءة الأداء.
تسلم صاحبنا من شباك المركز الرئيسي للبريد الرد الموجه الي أمل التي اخترعها ـ والمرسل إليها من صاحب النفوذ ناشر الإعلان, يطلب إليها كشف المستور عن اسمها وعنوانها وصورتها, مستتبعا ذلك بمجموعة استيضاحات عن وضعها العائلي, وعدد أفراد أسرتها ونوعياتهم, وهو ما يعكس أن مزاج الرجل الذي يجود بما هو منتظر, ومع انحطاطه وانفلاته., يلوذ بعقل ضابط محكم حذر, فاتخذ في نهاية الخطاب اسما مستعارا لزهرة الأقحوان طالبا أن تراسله به أمل علي عنوان شباك المركز الرئيسي للبريد. ونتيجة لقصور التصور الأحادي والمتعجل لصاحبنا, والقائم علي الاختزال لكيفية استجابة صاحب الإعلان, تجلي ارتباك صاحبنا فور قراءته لخطاب الرد الحصيف, إذ ـ علي الفور ـ التقط مظروفا, وكتب عليه اسم أقحوان, ووضع بداخله ورقة بيضاء, وهو ما يعني أن المواجهة بينهما أفلست, وفقدت إمكانية حسمها, إذا أية مواجهة لا تحسم لمصلحة أحدالجانبين إلا عندما يعوزها سبق التعيين, أي سبق التعرف والإدراك لآليات حركتها, وتخيل ما فيها من رصيد الاحتمالات والإمكانات, وفقا لشروطها وطبيعتها, وكأن صاحبنا قد نسي أن المواجهة تتخذ نهجا يرتكز علي التدبير والترتيب والإضمار والاحتراز ولا يخلو ـ بالطبع ـ من الإغواء والاستدراج والاقتناص, باستخدام آليات الاسترصاد, وإذ به وكأنه استدرك فجأة ما فعل, فعدل عن خطته, ومزق المظروف الذي كاد ينهي المواجهة, وأعاد تشغيلها, بأن كتب رسالة رد الي صاحب النفوذ, موقعة باسم أمل, تبدي فيها عدم قدرتها علي منحه ثقتها, مادامت تجهل اسمه, وهو ما يجعلها لا تطمئن الي جدية نيته ومقاصده.
وطفق صاحبنا ينتظر مصابرا ليومين قرب شباك البريد المركزي, متخذا نهجا للمواجهة يرتكز علي الاسترصاد, ونصب الكمين لاقتناص التعرف الي صاحب الإعلان. وفجأة اخترق الرجل الصيد المكان مشرقا, وكل ما فيه يتنفس ثقة وفرحة بليدة بالحياة, وبالحيلة والمكر, وتسلم من موظفة البريد كومة من الرسائل تحمل كلها اسم أقحوان, كانت تنتظر حضوره, وأدرك صاحبنا أنه أحكم علي الصيد الطوق, وراح يتبعه ويراقبه وهو يفتح رسائله واحدة إثر أخري, ويخرج منها صورا فوتوغرافية يتأملها رغدا, حتي وصل الي بيته. عندئذ توصل صاحبنا الي بداية رحلة البحث عن المعلومات, حيث تبين له أنه متزوج وأب لولدين, وقد أفلس في تجارته عدة مرات, ويعيش من أملاكه, وهو الآن عضو منتخب بالمجلس البلدي. وعلي ضوء معطيات المراقبة من المعلومات التي اجتلبها, بدأت تعمل لدي صاحبنا ثنائية الصياد والفريسة, التي تستوجب المواراة لضبط عضو المجلس البلدي متلبسا, فوضع ونفذ خطة رقابة صارمة تلازمه, وإذ به يكتشف في أثناء مطارادته المضنية لعضو المجلس البلدي, أنه هو نفسه يقوم بجمع المعلومات عن امرأة صبية تعيش في مسكن من غرفتين مع أمها وإخوتها وأخواتها, وهي معلمة بغير عمل. وبموجب دقة المراقبة يكتشف صاحبنا أيضا أن عضو المجلس البلدي يمتلك مسكنا آخر غير سكن أسرته, مهيأ لستر مغامراته الغرامية. عندئذ يلوح المبتغي براقا بجهد التوفر علي مراقبة عش الغرام المستتر. فاحتل صاحبنا مركزا للمراقبة والمتابعة, وظل من جولة الي أخري, حتي شاهد يوما وصول عضو المجلس البلدي الي العش المستتر, ثم من بعده المعلمة الصبية, فدفعت بدخولها المسكن ظلال حسابات الظن, وبددت الأخذ بالنيات, فالصيد تورط. والتلبس قائم, وما عليه سوي الإجهاز علي الموقف للفوز بالمبتغي, وما هي إلا لحظات حتي كان صاحبنا منغرسا في دهليز المسكن, بعد اقتحامه, وأمامه عضو المجلس البلدي يختنق من الغضب, والصبية المعلمة تطلق صرخة فزع.
صحيح أن صاحبنا خاض تجربة الممكنات كوقائع, وها هو في الموقف الذي يحصل فيه علي إجابة سؤاله: كيف السبيل الي ضبط عضو المجلس البلدي متلبسا؟ لكننا بحساب المقاصد نتساءل: ماذا بعد التلبس؟ وما مشروع صاحبنا المضاد الذي يؤسس له؟ وتأتينا الإجابة في تلك الخطبة التي راح صاحبنا يسمعها الي عضو المجلس البلدي بعد ضبطه متلبسا.
ـ إذا كانت لديك مغامرات غرامية صغيرة فهذا شأنك, وما تفعله بسلطتك كعضو منتخب في المجلس البلدي فهذا أيضا شأنك, أما أن تنشر هكذا إعلانات صغيرة, وتكون علي هذا القدر من الخسة, وأن تنشر خستك علي رؤوس الأشهاد, فهذا شأني, لأني لا أحتمل أن أحيا في عالم تحدث فيه مثل هذه الأمور بغير حياء أو خجل, ولذلك سأعطيك الآن درسا لن تنساه. تشابكا وتعاركا, وفر هاربا عضو المجلس البلدي من مسكنه, وظن صاحبنا أنه انتصر وفرح بتحقيق مأربه, لكننا عندما نتأمل الموقف, نجد أن الإجراء في سياق الحدث يكشف عن أن صاحبنا مارس استخدام القوة التي تنحو الي الاعتماد علي القسر, ولم يستنفر أو يدفع أو يعين السلطة في مؤسسات المجتمع, كقوة شرعية قائمة علي الإقرار العام, فدور الفرد إيجابيا داخل مؤسسات المجتمع يعزز بلورة دور هذه المؤسسات, إذ عبء التنفيذ لا يقع علي الفرد, إذا كان ما يهم هو شأن عام, يتطلب مشاركة مؤسسات المجتمع في عمليات مختلفة, وفقا لشبكة الأدوار التي تمتلك المساءلة, في إطار معايير تضبط الأداء الاجتماعي في مجالاته المتعددة ثوابا وعقابا, تحت مظلة نسق القيم السائدة.
واجه صاحبنا بعد هروب عضو المجلس البلدي موقفا جديدا لم يكن في حسبانه, إذ مثلما نحي الصحيفة التي نشرت الإعلان المنحط عن معركته, وتركها تتسابق في ممارسة أقوي آليات الاستدراج والإغواء العلني, بالاستمرار في نشر الانحطاط الذي يبدد مفاهيم القيم كتصور ذهني لدي الناس, لترسخ الانفلات منها بتعميم أن الحياة فرص يحسن اقتناصها بالمقايضة, كان صاحبنا قد نحي طرفا آخر من أطراف المواجهة. وفجأة, وهو في قمة انتصاره, يأتيه صوت من نحاه, صوت المعلمة الصبية, فيكتشف أنها أمامه تواجهه وتسأله عما إذا كان سيوفر لها وظيفة, فأجابها بأنه ليس عضوا منتخبا يسيء استعمال سلطته, فعادت تسأله عما يبحث عنه إذن, وما عسي ذلك أن يصنع له. ولما لم تند عنه إجابة شافية, راحت تقذف في وجهه بصراخها اليائس, وغضبها, وشتائمها المفزعة, وهي تعلن أن عليها أن تنصرف الي بيت أمها لتأكل معها الخبز اليابس, في حين كانت علي وشك أن تحصل علي وظيفة, ثم أشرعت يديها الاثنتين لتنشب مخابلها فيه, ففر صاحبنا هاربا ركضا, واختفي في عتمة المساء. تلك كانت نهاية قصة الحقاني للكاتب المجري لايوس بيرو, والتي كشف فيها عن عيوب ممارسة النظرة الاختزالية, فقد اختزل صاحبنا الظاهرة في طرف واحد, وتغاضي عن الأطراف الأخري, ولم يتفحص علاقات تلك الأطراف بعضها ببعض, ففقد بموقفه هذا جوانب المعني, التي تمتد الي بقية الأطراف فتشكل آلية اشتغال هذه الظاهرة, والتي يمكن أن تتردد في مستويات أخري من الممارسات الاجتماعية فالاختزال في معالجة المشكلات أبرز خطوط التصدع, الذي يولد اختناقات والتباسات استدراكها أمر يبعثر الجهود, ويمنح الفرصة للأيدي الخفية. |
|
|
|
|
|