|
|
 |
من بين الأمور التي شغلت الكثير من تفكيري منذ تخلي الدولة عن نظام اقتصاد التخطيط المركزي والاتجاه لنظام اقتصادات السوق الذي يجب أن يطلق عليه البعض تعبير الاقتصاد الحر قضية تمويل الثقافة والفنون والتي من الواضح أن الدولة قد وضعتها في نهاية جدول اهتماماتها مما أصاب الحياة الثقافية والفنية بأضرار. لايخفي علي أحد, فقد تقلصت ميزانية الانفاق الحكومي علي الثقافة ــ وفق السياسة الاقتصادية الجديدة ــ عما كانت عليه مثلا في مرحلة الستينيات الماضية, دون أن تظهر في الأفق وسائل تمويل بديلة تعوض هذا النقص, وذلك لأن الدولة التي بذلت جهودها في سن القوانين التي تشجع رأس المال الخاص للدخول إلي مجالات الاستثمار التجاري والصناعي لم تبذل أي جهد حتي الآن لاجتذاب رأس المال إلي الاستثمار في الثقافة, فهي لم تصدر قانونا واحدا جديدا يعطي للمستثمر في هذا المجال بعض المزايا والتسهيلات التي يحصل عليها في المجالات الاقتصادية الأخري, لكنا مع ذلك وجدنا إحدي الشركات التجارية الكبري تغامر بالدخول في هذا المجال وسط توجس وتربص من الوسط الثقافي, فكيف يبدو الآن كشف حسابها بعد قرابة العام علي إنشائها وماهو بالتالي مستقبل الاستثمار الخاص في مجال الثقافة والفنون؟
وربما كان من الطبيعي وسط غياب أي تشجيع من الدولة أن تتهم شركة أ.ف.ج هرمس التي أنشأت أول شركة تتاجر في الثقافة والفنون والنشر باسم فنون بأن لها نيات خفية هي التي دفعتها للخوض في هذا المجال, ففي الأنظمة الاقتصادية التي أصبحنا نتخذها قدوة لاقتصادنا نجد الدولة تشجع رأس المال الخاص علي الاستثمار في مجال الثقافة والفنون بأن تقدم له تسهيلات لا تختلف عما نقدمه نحن للمستثمرين في المجالات الأخري حتي لو كان ذلك هو صناعة الشكولاتة أو أدوات التجميل, أو هي تقدم له إعفاءات ضريبية قد تسري لسنوات وسنوات في الوقت الذي تخصم التبرعات التي تقدمها الجهات الخاصة للانشطة الثقافية من الوعاء الضريبي لهذه الجهات, وقد ينطبق ذلك ــ كما هو الحال في الولايات المتحدة ــ علي كل التبرعات أيا كان حجمها, بينما عندنا مازال القانون الساري هو القانون الصادر منذ مايقرب من أربعين عاما الذي ينص علي ألا تزيد هذه التبرعات علي7% بحد أقصي من الضريبة المستحقة(!!) وهو في معظم الأحيان مبلغ لايكفي لنشر إعلان متواضع في الصحف عن مثل هذا النشاط, ناهيك عن تكلفة النشاط نفسه وميزانياته المتشعبة. ولقد اعتمدت النظرية التآمرية التي سرحت بعقول من هاجموا هذه الخطوة علي تصور خاطيء بأن هذه الشركة ذات الاسم الأجنبي الغريب هي شركة ــ غير مصرية, وبالتالي فلابد أن وراءها مؤامرة علي الثقافة العربية, وإذا كانت هناك مؤامرة فلا يمكن إلا أن تكون لصالح إسرائيل, لذلك فلابد أن هذه الشركة تعمل لحساب إسرائيل والأفلام التي ستشتريها لن تذهب إلا إلي إسرائيل والواقع أن الشركة أسمها الحقيقي هو المجموعة المالية المصرية وهي شركة مساهمة مصرية تأسست في القاهرة بمساهمين مصريين ووفق القانون المصري, وقد أختصر اسمها إلي الأحرف الأولي من اسمها باللغة الانجليزية كما يحدث في العالم لتسهيل تعاملها مع الخارج فأصبح الاسم هو E.F.G إختصارا لــ Egyptian Financial Group وقد حققت الشركة تقدما كبيرا منذ السنوات الأولي لتأسيسها مما سمح لها بالاندماج في شركة أخري مصرية أيضا هي شركة هيرمس فأصبحت شركة ا.ف.ج.هيرميس أما لماذا جاء هذا الاسم الغريب للشركة فذلك لأن مؤسسي شركة هرمس أرادوا تسمية الشركة علي اسم أحد إله التجارة أو المال في الحضارات القديمة, ولما كانت الحضارة المصرية لم تؤله التجارة والمال, فقد وقع اختيار الشركة علي حضارة انسانية أخري كان لها وجود كبير في مصر علي مدي مئات السنين هي الحضارة اليونانية, أما الحضارة المصرية فقد اهتمت أكثر ــ كما هو معروف ــ بالروحانيات وبالفلسفة وبالمعمار وبالعلوم, فكانت أول عن عرف التوحيد وأول من وضع قاعدة فلسفية لنظام أخلاقي للمجتمع وأول من شيد الأهرامات والمعابد وأول من اخترع علوم الفلك والتحنيط والكتابة, وقد كانت الحضارة المصرية في بداياتها حضارة وحيدة في العالم واعتمدت علي مواردها فقط حيث لم تكن إلي جوارها حضارات أخري ــ يمكن أن تتبادل معها الخبرات والمعارف ولا يمكن أن ينشأ بينها وبين هذه الحضارات نشاط تجاري, ولم يحدث أي تبادل تجاري في التاريخ القديم للحضارة المصرية إلا مع الجنوب الأسود الذي كانوا يطلقون عليه أسم بلاد بونت وأغلب الظن أن الذي كان مقصودا به هو بلاد النوبة التي كانوا يحصلون منها علي معدن الذهب, لكن هذا النشاط ــ مثله مثل التجارة الداخلية ــ كان قائما علي المقايضة, ولم يكن محل تقديس حتي يتخذ له إله يحمل اسما خاصا.
وأذكر أنه في ظل إحتدام أزمة الشك في نوايا شركة فنون التي تم تجاهلها والحديث عن الشركة القابضة وهي ا.ف.ج.هيرمس والتي عمدت حملة التوجس والتشكيك إلي اسقاط الجزء الأول من اسمها الدال علي مصريتها والاكتفاء بالنصف الثاني الموحي بالأجنبية, أقول إنه في وسط احتدام هذه الازمة ذهب البعض إلي وزير الثقافة فاروق حسني لإجراء حديث صحفي معه والحصول منه علي تصريح يهاجم فيه شركة هيرمس الأجنبية التي تمثل المحاولة الأولي للقطاع الخاص لدخول مجال الثقافة والفنون بعد أن كانت وزارة الثقافة هي المسيطر الوحيد علي النشاط الثقافي طوال مرحلة نصف القرن الماضي, لكن الوزير الفنان بسعة أفق وباخلاصه للثقافة والفنون رحب في أحاديثه للصحافة والتليفزيون بقيام القطاع الخاص بدوره في دعم الثقافة وقال اننا نتطلع إليه ثم وجه الشكر للقائمين علي الشركة لأنهم بدلا من الاكتفاء بالاستثمار في المجالات المالية والتجارية وحدها قرروا أخيرا الدخول لمجال الاستثمار الثقافي, وأذكر أن قال لي الوزير فاروق حسني في ذلك الوقت إنه متفائل جدا بهذه الخطوة وإنه لا يخشي علي الوزارة من دخول القطاع الخاص مجال الثقافة لأن وزارة الثقافة ستظل دائما هي الراعي الأول للفنون كما هو الحال في بعض الدول الرأسمالية الأخري وفي مقدمتها فرنسا, فالوزارة هي التي ستظل تحدد السياسة الثقافية للبلاد, وقد تضع ايضا البرامج الرئيسية للنشاط الثقافي والفني, وقد كان تصور فاروق حسني يقوم دائما علي أن الدولة يجب ألا تكون جهة إنتاج للثقافة, وأن دورها أكبر من ذلك فالمنتج الخاص مثلا قد ينتج الافلام السينمائية أو العروض المسرحية, أما الذي يحدد السياسة الثقافية للبلاد فهو الوزارة, أي أن الوزارة ليس مجالها هو التكتيك وإنما الاستراتيجية, الثقافية, وأن تعدد جهات الانتاج وزيادتها هو إضافة لموارد الانتاج الثقافي خاصة اذا قامت به شركات ذات موارد مالية ضخمة.
ولقد أثبتت الأيام صحة موقف فاروق حسني وزيف الاتهامات التي لاحقت شركة فنون الوليدة ولقد دعاني بعض أبطال أحد الافلام الجديدة التي ساهمت في انتاجها شركة فنون وهو السلم والثعبان لمشاهدة الفيلم, فذهبت إليه وعيني ليست فقط علي تقويم الفيلم وإنما ايضا علي تقويم أداء هذه الشركة بعد أن أصبح أمامنا مثال مادي لانتاجها. وقد شاهدت الفيلم فوجدت فيه طعما جديدا نتعود عليه في السينما المصرية, وهو يأتي بعد سلسلة بدا أنها لاتنتهي من الافلام المكررة التي تقدم كوميديا فجة لاتحتل أي مكان في ذاكرة المتفرج بعد انتهائه من مشاهدتها, أما في السلم والثعبان فقد تمكن مؤلف الفيلم محمد حفظي ــ والذي يعتبر مكسبا بلا شك للسينما ــ من الدخول إلي مساحة من الحياة الاجتماعية لم تتطرق إليها السينما المصرية من قبل وهي حياة الشباب من طبقة معينة ليست هي الطبقة الكادحة التي يحلو دائما لأفلامنا أن تقدمها متصورة أن تلك هي التي ينتمي إليها القطاع الأكبر من الجمهور, ومن ثم فهي التي سيقبل علي مشاهدتها, ولا هي طبقة المليونيرات التي تختلف مشاكلها تماما عما قدمه الفيلم, وإنما هي الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة التي يعمل أبناؤها في الشركات المملوكة لطبقة المليونيرات وهم لذلك علي صلة بهذه الطبقة قد يدعون إلي حفلاتها في بعض المناسبات, وقد أثبت هذا الفيلم أن الجمهور المنتمي للطبقات الكادحة قد تستهويه الفرجة علي حياة الطبقات العليا في المجتمع ومتابعة تفاصيل حياتهم اليومية, ولو كان الجمهور العريض لا يقبل إلا علي الافلام التي تتحدث عن مشاكله لما كان للافلام الأمريكية علي سبيل المثال سوق في مصر إلا بين أبناء طبقة محدودة جدا من المتفرجين.
ومع ذلك فإن المشاكل التي يطرحها الفيلم ليست حكرا علي طبقة وحدها دون بقية الطبقات, صحيح أن المؤلف وضع أحداثه في طبقة معينة لكن هذه الأحداث قد توجد في طبقات أخري ويؤخذ علي قصة الفيلم نهايته التقليدية والتي تعودنا عليها في الافلام المصرية القديمة وهي زواج البطل والبطلة رغم أن تطور الأحداث منذ البداية يؤكد اختلاف كل منهما عن الآخر, لكنا نجد البطل في النهاية قد نجح في استعادة حبيبته ثم نراهما في المشهد الأخير في حفل الزواج, وتلك ليست النهاية الطبيعية التي تتفق فنيا مع نوعية هذا الفيلم, وكنت أتمني ألا يلجأ الفيلم إلي النهاية المعروفة للفيلم العربي التقليدي لأن هذا الفيلم ليس فيلما تقليديا, وقد كان محمد حفظي شجاعا هو والمخرج طارق العريان الذي شارك ايضا في كتابة هذا السيناريو المتميز, في اللجوء لهذه النوعية من الأفلام التي تقترب من السينما الأوروبية بشكل خاص, لكن يبدو أنهما حين وصلا إلي نهاية الأحداث كان قد انتهي رصيدهما من الشجاعة الفنية فعادا إلي النهايات السعيدة التي كثيرا ما أضفت علي أفلامنا مسحة من السذاجة غير الفنية, ففي السينما المصرية كنت دائما تستطيع أن تفعل ماتشاء طالما أنك ستنهي الفيلم نهاية سعيدة تبسط المتفرج ولاتعيده إلي بيته وفي نفسه مايقلق, لكن الحقيقة أن الفن العظيم هو الذي يقلق النفس, لأنه هو الذي يتحدي الأنماط التقليدية, وهو الذي يعارض المفاهيم السائدة, ذلك هو مافعله بيكاسو مثلا في الفن التشكيلي بمدارسه السريالية والتكعيبية والتجريدية التي تحدي بها كل ما ساد قبله, وهذا هو مافعله يونسكو ايضا وبيكيت في المسرح بمدرسة العبث وهو ذاته ما فعله في السينما جان لوك جودار بأفلام الموجة الجديدة, وقد كان في فيلم السلم والثعبان فرصة فنية مواتية لتكسير بعض القوالب البالية في السينما المصرية, وقد حقق الفيلم ذلك بالفعل في جوانب كثيرة منه لكنه ما إن اقترب من النهاية وتذكر مايمكن أن يخرج به المتفرج من انطباع بعد انتهاء الفيلم حتي عاد بسرعة إلي النهاية التقليدية فضمن أن ينام المتفرج هنيئا برغم معاناته الفنية خلال الفيلم.
وبرغم ذلك فإني أحيي هذا الفيلم الذي وجدت أن بعض النقاد قد اختلفوا في تقويمهم له, وإن كان هذا الاختلاف هو إحدي سمات كل عمل جديد لايسير علي المنوال الذي تعودنا عليه, ورغم مافي الفيلم من جماليات سينمائية عديدة فإني أحييه من موقع ما قدمه من الاختلاف عن الافلام الدارجة, لقد قدم المخرج طارق العريان فنا نظيفا لم يستجد فيه الجمهور براقصة شرقية ولا بمشهد جنسي لا لزوم له, وقد شاب الفيلم عدد من السمات التي تكاد تكون منقولة من بعض الافلام الأجنبية, لكن المخرج نجح في احتوائها داخل نسيج الفيلم الذي يحكي علي أي حال حياة طبقة قريبة من الحياة الأوروبية فهي قد ترقص التانجو وقد تحضر حفلات البذخ وقد تركب اليخوت. واذا كان هذا الفيلم يقدم جديدا فإن من أهم الجديد الذي يقدمه هو الابطال الشباب وفي مقدمتهم الوجه المميز هاني سلامة الذي بدأ يفرض وجوده علي الشاشة الفضية بما يملكه من إمكانات تؤهله لاحتلال مكانة مهمة في السينما المصرية الجديدة تركها شاغرة الكثير من نجوم السينما عندما بعد أن عبروها إلي مرحلة أخري مثل نور الشريف ومحمود ياسين ومحمود عبد العزيز, فهاني سلامة يتمتع بوجه سينمائي لا يمكن تجاهله, وقد أثبت في هذا الفيلم أكثر من جميع أفلامه السابقة أن موهبته التمثيلية قادرة علي التطور بحيث يمكن أن تضارع وجهه السينمائي وعينيه الثاقبتين, وإنني أري هاني سلامة يقترب بخطي حثيثة من احتلال تلك المكانة الشاغرة التي لاينافسه فيها كثيرين وكذلك فإن هذا الفيلم يمثل كلا شيء عدة خطوات إلي الأمام علي طريق تطورها الفني, فهي تتمتع بجمال من نوعية خاصة به من الرقي مايستلفت الانتباه, لكن تمثيلها يتسم بقدر من البساطة والتلقائية التي تجعلها تدخل القلب دون استئذان ولحلا شيحا ينبء بمستقبل باهر ينتظرها في السينما المصرية.
أما أحمد حلمي فقد أصبح له أسلوب خاصا في الكوميديا لايقلد به أحدا وهو في هذا الفيلم زاد في تأكيد خطه المميز الذي يختلف عن نوعية الكوميديا الأخري التي لا أريد تسميتها والتي يقدمها بقية زملائه من وجيل الشباب ولقد احتوي المصور الفنان طارق التلمساني كل ذلك داخل جماليات كادراته الفنية العظيمة فجاء التصوير بطلا من أبطال هذا الفيلم لا يمكن تجاهله وقد كنت أفضل أن يلتزم طارق بدور المصور الذي لايطاوله فيه إلا القليلون ويترك التمثيل لمن يجيدون. وفي النهاية يبقي السؤال هل كان من الممكن أن يري النور مثل هذا الفيلم الجديد والنظيف لو أن السوق قد ظلت حكرا علي أفلام المقاولات التي تسببت في تلك الموجة من الأفلام الهابطة التي سادت في السنوات الأخيرة. |
|
|
|
|
|