|
رسالة هلسنكي ـ عازر فاروق |
 | | الحدود بين روسيا وفنلندا |
مرت العلاقات الفنلندية ـ الروسية بالعديد من المراحل لعبت فيها الجغرافيا والسياسة والحروب إلي جانب الصراعات التاريخية أدوارا مختلفة وهو ماجعل هذه العلاقة تأخذ شكلا خاصا وتنبع أهمية الحديث عن هذه العلاقة بين فنلندا وروسيا من كون فنلندا تحاول دائما تقديم نفسها للعالم الخارجي علي أنها بلد غربية الهوي, وهي بلد صغير في الحجم وعدد السكان إلا أنها تشترك في أطول حدود سياسية مع الاتحاد السوفيتي السابق ووريثته الحالية روسيا. وتميزت أيضا هذه العلاقة بين الدولتين بالعديد من أشكال الشد والجذب, ولكن فنلندا نجحت في الاحتفاظ بكيان مستقل وظلت محايدة إبان الحرب الباردة.
وتاريخينا كانت فنلندا جزءا من الأمبراطورية الروسية وإن كانت تتمتع بالحكم الذاتي حيث وقعت فنلندا في قبضة روسيا القيصيرية نتيجة انتصار الأخيرة علي السويد فيما سمي حرب الكراهية العظمي التي جرت بين الأمبراطوريتين في مستهل القرن الثامن عشر. ولأن فنلندا كانت ولاية تابعة للسويد فبخسارة الأخيرة لروسيا, أصبحت فنلندا دوفيه روسية إلي أن حصلت علي استقلالها عام1917 بعد إندلاع الثورة البولشفية في روسيا, وكانت هي البلد الوحيد الذي حصل علي الاستقلال في ذروة اشتعال نار الحرب العالمية الأولي.
وفشلت روسيا بعد ذلك في استعادة فنلندا, كما فعلت مع بقية الدول التي نالت استقلالها عنها مثل ليتوانيا ولاتفيا واستونيا وروسيا البيضاء ودول آسيا الوسطي, عندما أعادت الثورة البولشفية جمع شمل الأمبراطورية الروسية باستثناء دولتين هما فنلندا وبولندا. أما من ناحية الوضع الجغرافي ففنلندا تشترك مع روسيا في أطول حدود حيث تبلغ الحدود بين الدولتين نحو1200 كيلو متر تشكل الحدود الشرقية لفنلندا بالكامل وهو ماجعل فنلندا صاحبة وضع مميز كدولة غربية وحاول المعسكران الشرقي والغربي استغلال هذا الوضع الفريد, إلا أن فنلندا بحيادها فوتت الفرصة علي كليهما.
وبعد إنهيار الاتحاد السوفيتي ومعه الاقتصاد الروسي أصبحت هذه الحدود وبالا علي فنلندا حيث تدفق عليها المهاجرون الروس وبلغ عددهم الآن نحو300 ألف يشكلون أكبر جالية أجنبية في فنلندا. ويقدر الخبراء أن النسبة بين مستوي معيشة الفرد في روسيا مقارنة بنظيره الفنلندي تصل إلي1:50 وهو مايفسر الرغبة الروسية في الانتقال والهجرة إلي فنلندا.
أما من الناحية السياسية فيري المحللون السياسيون الفنلنديون أنها في أفضل حالاتها ويدللون علي ذلك بأنه لاتوجد مشاكل سياسية بين البلدين ولا وجود لصراعات عسكرية كالتي شهدها القرن الماضي بين البلدين. كما يري هؤلاء الخبراء أن روسيا لا تشكل تهديدا عسكريا لفنلندا كما كانت في السابق, ولعل وجهة نظرهم هذه تعتمد علي ضعف الاقتصاد الروسي وتضعضعه من ناحية ولكنها, من ناحية أخري, تعتمد علي تاريخ الصراع العسكري بين البلدين وهو ما مر عليه وقت طويل حسب رؤيتهم ولا سبيل لتكراره لأنه لاتوجد أسباب تدعو إلي ذلك.
خاض الفنلنديون حربين مع الاتحاد السوفيتي انتهيتا بخسارة فنلندا, الأولي عندما هاجم الاتحاد السوفيتي الأراضي الفنلندية فيما سمي بحرب الشتاء عام1939 ـ1940 والتي اضطر فيها الفنلنديون إلي التخلي عن نحو10% من أراضيهم للقوات السوفيتية, وكان هدف السوفيت من هذه الحرب هو تعميق خطوط الدفاع عن بلجراد واشتبكت فنلندا مع القنوات السوفيتية متخلية بذلك ـ مضطرة ـ عن سياسة الحياد التي انتهجتها هي والسويد والنرويج في الحرب العالمية الثانية ووجدت فنلندا نفسها مشتركة في هذه الحرب. وعندما انقلب هتلر علي الاتحاد السوفيتي وبدأ ما سماه بارباروسا وهي الحملة التي أراد فيها تحقيق انتصار عسكري علي السوفيت, ساند الفنلنديون القوات النازية وسمحوا لها باستخدام أراضي الشمال الفنلندي لمهاجمة السوفيت, وذلك حتي يضمنوا عدم قيام الاتحاد السوفيتي بهجوم شامل يحتل به فنلندا بكاملها ومن ناحية أخري رأوا أن ذلك قد يحقق لهم استعادة أراضيهم التي ضمها الاتحاد السوفيتي في حرب الشتاء.
وكانت وجهة النظر الفنلندية في مساندة القوات النازية هو أنه إذا جاء الألمان فأنهم سيرحلون أما إذا أحل السوفيت فنلندا فهذه هي نهاية دولتهم. وراهن الفنلنديون علي هزيمة السوفيت أمام الألمان وبدأوا الحرب الثانية بينهم وبين السوفيت وهي ماسميت حرب الاستئناف في25 يونيو1941 وشارك فيها نصف مليون فنلندي ولكن الاتحاد السوفيتي كسب الحرب في9 يونيو1944.
وأدت خسارة فنلندا إلي التوقيع علي اتفاق سلام مع الاتحاد السوفيتي ترتب عليه مايلي: } تعزيز استيلاء الاتحاد السوفيتي علي الأراضي التي ضمها في حرب الشتاء عام1939, وهو ما أدي إلي تهجير نحو سدس الشعب الفنلندي من أقليم كاريالا المتاخم للحدود الروسية. } قيام فنلندا بدفع تعويضات باهظة عن اشتراكها مع النازيين في حرب الاستئناف وفرض قيود سياسية عليها وكان أحد شروط الاتحاد السوفيتي هو أن تقوم فنلندا بطرد القوات النازية من شمال فنلندا وهو ما أدي إلي حرب قصيرة بين فنلندا وهذه القوات في عامي1944 ـ1945 وهو ماسمي حرب لابلاند.
وبالرغم من الخسارة العسكرية إلا أن نتائج هذه الحرب ساهمت بشكل كبير في تنمية الصناعات الفنلندية خاصة الثقيلة منها, فكانت تعويضات فنلندا للاتحاد السوفيتي عبارة عن منتجات فنلندية يتم تصنيعها في المصانع الفنلندية وهو مااسهم في تطور العديد من هذه الصناعات مثل صناعة السفن. وبقي أقليم كاريالا الذي استولي عليه الاتحاد السوفيتي هو الغصة التي تؤلم حلوق الفنلنديين فمعظم من تم تهجيرهم مازالوا يشعرون علي المستوي الشعبي بأن هذا الإقليم هو أرض فنلندية بينما يعتبر الساسة ملف هذا الإقليم هو ملف مغلق.
ولعل فنلندا قد استفادت من تحالفها مع الألمان وهزيمتها وخسارتها جزء من أراضيها عندما بدأت الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي بعد الحرب العالمية الثانية, فبالرغم من سعي فنلندا منذ استقلالها إلي أن تنتهج منهجا غربيا ورفضها التام لفكرة كونها أو اعتبارها جزء من العالم الشرقي, إلا أنها اختارت سياسة الحياد الكامل وأبقت علي علاقة طيبة بكل من المعسكرين. وقد كان كل من المعسكرين الشرقي والغربي علي وعي تام بأهمية موقع فنلندا وحاول كل منهما استمالتها ولكن فنلندا لم تقتنع بأي من محاولاتهما.
ولكن تبعا للقرب الجغرافي من الاتحاد السوفيتي السابق وتبعا أيضا لوجود تبادل تجاري ـ حتي وإن كان في اتجاه واحد كتعويضات عن الحرب ـ فإن التعاون التجاري بين فنلندا والاتحاد السوفيتي كان يشكل نحو60 إلي70% من صادرات فنلندا للعالم الخارجي. وشهد عهد الرئيس الفنلندي الراحل أرهو كيكونن نموا مطردا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين, وكيكونن كان أهم من شغل منصب رئيس الجمهورية في فنلندا ولعل ذلك سببه طول فترة رئاسته حيث تولي الرئاسة من عام1956 حتي عام1981.
وفي أثناء فترة حكمه حاول الاتحاد السوفيتي تنمية العلاقات العسكرية بين الدولتين وحدثت ماسميت أزمة أوستينوف في عام1978, حيث تقدم أوستينوف وزير الدفاع السوفيتي آنذاك بمشروع للقيام بمناورات عسكرية مشتركة بين البلدين, لكن كيكونن بمساعدة رئيس أركانه لاوري سوتيلا أجهض المشروع ولكن كيكونن كان حريصا علي تنمية التعاون الاقتصادي. وبعد إنتهاء فترة حكم كيكونن تولي بعده ماونو كويفيستو مابين عامي1981 ـ1994 وهو الذي قام بفتح مجالات التعاون بين بلاده والبلاد الغربية فيما وصفه المحللون بأنه انعطاف ذكي في مجال علاقات فنلندا الخارجية لتعويض خسارتها للسوق السوفيتية, التي أنهارت من ناحية, ومن ناحية أخري كانت جهوده في هذا المجال هي الإرهاصات الأولي لتصبح فنلندا عضوا في الاتحاد الأوروبي عام1995.
وبعد إنهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت فنلندا تشعر بحرية سياسية أكبر, علي الرغم من أنها لم ولن تنسي أنها تجاور قوة عظمي, ولكن انخراط فنلندا تحت المظلة الأوروبية جعلها أكثر جرأة, فمثلا بدأ الحديث الآن يكثر في الأوساط السياسية والعسكرية الفنلندية عن إمكانية الانضمام إلي شمال الأطلنطي. وفي الآونة الأخيرة بدأ العديد من الساسة الفنلنديين تأكيد أهمية دعم التعاون بين فنلندا وروسيا, وبعضهم يذهب إلي أن التعاون التجاري الاقتصادي بين البلدين لن يصبح كاملا بدون تنمية العلاقات السياسية خاصة أن فنلندا كعضو في الاتحاد الأوروبي تعتبر مسألة المشاركة مع روسيا هي فرصتها الكبري للوقوف ـ وخلفها أوروبا الموحدة ـ موقف النظير للدب الروسي المريض.
ولكن روسيا ـ واعية بدعم الاتحاد الأوروبي لفنلندا ـ تدعوها دائما لتنمية التعاون بينهما علي شكل اتفاقات ثنائية بعيدة عن الاتحاد الأوروبي, وهو مايرفضه الساسة الفنلنديون الذين يرون أن عضوية الاتحاد الأوروبي لن تضعف العلاقات مع روسيا بل ستقويها. |
|
|
|
|
|