الكتاب

41818‏السنة 125-العدد2001يونيو4‏12 من ربيع الأول 1422 هـالأثنين

وأفلام أخري أتمني أن نشاهدها
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

حين نأسف للأفلام العظيمة التي قدمها مهرجان كان السينمائي هذا العام‏,‏ والتي لن نشاهدها في مصر‏,‏ فذلك ليس انتقادا لرقابة المصنفات الفنية وحدها‏,‏ وإنما هو انتقاد أيضا للعقلية التجارية التي تتحكم في سوق الفيلم الأجنبي في مصر‏,‏ والتي لا تملأ السوق إلا بالفيلم الأمريكي‏,‏ متصورة أن الأفلام غير الأمريكية لا تحقق ربحا‏,‏ لكني شاهدت بالمهرجان أفلاما يمكن أن تلقي عندنا إقبالا جماهيريا كبيرا‏,‏ رغم أنها ليست من إنتاج هوليوود‏,‏ وقد بحثت عن كبار الموزعين السينمائيين المصريين في المهرجان لكي ألفت نظرهم لهذه الصفقة الناجحة لبعض الأفلام التي تمثل حقوق توزيعها في مصر نسبة ضئيلة من مثيلتها الأمريكية‏,‏ وإن كانت من الممكن أن تحقق نفس الدخل لموزعها‏,‏ لكني للأسف لم أجد غير عدد من المنتجين اللبنانيين الذي تعاقد بعضهم بالفعل علي توزيع عدد من هذه الأفلام في الشرق الأوسط كله‏,‏ وأصبح الآن علي الموزع المصري أن يشتري حق التوزيع في مصر من باطن المنتج اللبناني‏,‏ وبسعر قد يكون هو ما دفعه اللبناني للتوزيع في الشرق الأوسط كله‏.‏
ومن بين الأفلام التي أردت ترشيحها للعرض في مصر يأتي أولا فيلم المخرج البوسني الشاب دانيس تانوفيتش ـ‏32‏ عاما ـ المنطقة العازلة
‏NOMANSLAND‏
الذي حقق نجاحا كبيرا عند عرضه ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان‏,‏ وفاز في النهاية بجائزة أفضل سيناريو من بين جميع أفلام المسابقة‏,‏ وهو فيلم المفاجئة الذي لم يكن يتوقعه أحد‏,‏ فالسينما البوسنية لم يسبق أن فرضت نفسها علي الساحة الدولية من قبل‏,‏ كما فعلت بهذا الإنتاج المشترك الذي لاقي قبولا من جانب الجمهور والنقاد معا‏,‏ وفيلم المنطقة العازلة هو الفيلم الروائي الأول لمخرجه‏,‏ فقد كان تانوفيتش في الـ‏26‏ من عمره حين نشبت الحرب في البوسنة‏,‏ وقد أمضي سنتين يعمل مصورا سينمائيا علي الحدود لمصلحة الأرشيف العسكري للجيش البوسني‏,‏ كما قام بعمل بعض الأفلام التسجيلية من داخل الحرب‏,‏ نالت بعض الجوائز الدولية قبل أن ينتقل منذ سنوات للإقامة في بروكسل ببلجيكا‏,‏ حيث أصبح طالبا لاجئا‏,‏ إلي أن انتقل الآن للعيش في باريس‏.‏
والحقيقة أن تانوفيتش في فيلمه الروائي هذا يثبت أنه لم يترك أرض المعركة في بلاده قط‏,‏ فقصة الفيلم التي كتبها بنفسه كما كتب لها السيناريو والموسيقي أيضا‏,‏ تجري في المنطقة العازلة ما بين القوات البوسنية والصربية‏,‏ حيث يجد ثلاثة ضباط أنفسهم محاصرين بين نيران الجيشين‏,‏ وأحد هؤلاء الضباط بوسني‏,‏ بينما الآخر صربي‏,‏ أما الثالث وهو بوسني هو الآخر‏,‏ فقد ظن البعض أثناء المعركة أنه قد قتل فوضعوا تحت جثته لغما حيا حتي إذا ما جاء أقرانه يرفعون جثته انفجر فيهم اللغم‏,‏ لكن الضابطين المحاصرين يكتشفا بعد فترة أن الضابط الثالث علي قيد الحياة فيتوسل إليه كل منهما ألا يتحرك حتي لا ينفجر اللغم في الجميع‏.‏

وهكذا اختار المخرج موقفا دراميا مثيرا ليكون هو مفجر أحداث فيلمه مستخدما نظرية الدراما الأرسطية التي تنص علي وحدة المكان ووحدة الزمان ووحدة الحدث‏,‏ وقد صرح المخرج في أحاديثه بالمهرجان بأن السينما الغربية أصبحت في أحيان كثيرة تهتم بالشكل الفني أكثر من الموضوع‏,‏ لكن الفيلم في رأيه يجب أن يكون له قصة قوية وليس مجرد قصة واهية يبدو أن الغرض منها ـ كما هو الحال في بعض الأفلام الأمريكية ـ هو استعراض التقنيات الفنية التي تسمح بتفجير الرأس الآدمية بـ‏65‏ طريقة مختلفة‏!!‏ أما فيلمه هذا فهو يصفه بأنه صاحب قضية وأن قضيته هي الدعوة للسلام من خلال السخرية من الحرب‏,‏ فما هي إلا دقائق وتتوجه قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلي الموقع المحاصر فيه الضابطان داخل خندق بالمنطقة العازلة لإنقاذ الموقف‏,‏ وتسمع أجهزة الإعلام بالموضوع فتنتقل كاميرات التليفزيون هي الأخري إلي الموقع‏,‏ تماما كما حدث في الحياة‏,‏ حين اهتم المجتمع الدولي وأجهزة الإعلام بالحرب الدائرة في البوسنة‏,‏ لكن مثلما حدث في الحياة أيضا فإن الكل لا يبحث إلا عن مصلحته الشخصية ولا يكترث كثيرا إن توقفت الحرب أو لم تتوقف‏,‏ ذلك أن أجهزة الإعلام لا يشغلها إلا الوصول إلي سبق صحفي قبل غيرها‏,‏ والقوات الدولية تحاول إعطاء الانطباع بأنها قد نجحت في نزع فتيل الأزمة دون أن يكون ذلك قد حدث بالفعل‏,‏ لذلك فحين يخبرها خبير المفرقعات الذي استحضرته معها بأن هذا النوع من اللغم الذي وضع تحت جسد الضابط البوسني لايمكن إبطال مفعوله فإن رئيس القوات الدولية يطلب منه ألا يقول ذلك لأحد من الصحفيين‏,‏ وأن ينزل مرة أخري إلي الخندق وينشغل بأي شئ هناك‏,‏ إلي أن تنصرف كاميرات التليفزيون‏,‏ وهنا يخرج رئيس القوات الدولية إلي ممثلي أجهزة الإعلام ليعلن أنه تم بالفعل إبطال مفعول اللغم‏,‏ وأن الموقف قد تم حله‏,‏ وأنه بإمكانهم الآن الانصراف‏..‏ وبعد أن ينصرفوا ينصرف هو الآخر مع قواته وخبير الألغام‏,‏ تاركين الضابط الراقد فوق اللغم ليموت موتا بطيئا داخل الخندق‏,‏ دون أن يدري به أحد‏,‏ إذا ظل راقدا فوق اللغم أو أن ينفجر إلي أشلاء داخل الخندق إذا قرر النهوض من موقعه‏,‏ وكأن المخرج يقول أن الموقف في البوسنة مازال قابلا للانفجار في أي وقت رغم التصور السائد في العالم بأن الأوضاع قد هدأت‏,‏ فقد نجح الفيلم في إيجاد الموقف الذي يلخص الوضع الحالي في بلاده من خلال قصة إنسانية أخاذة مليئة بالمواقف الطريفة وبا
للحظات الكوميدية التي تتولد عن مثل هذه الأحداث الدرامية المتأزمة‏,‏ وقد كان إيقاع الفيلم الذي لم يستغرق أكثر من‏98‏ دقيقة سريعا ومتلاحقا‏,‏ يجعل المشاهد لا يشعر بلحظة ملل واحدة‏.‏
ان مثل هذا الفيلم يمكن أن يحقق نجاحا تجاريا كبيرا عندنا لعدة أسباب منها الاهتمام الشعبي بموضوع حرب البوسنة التي يقتل فيها المسلمون دون أن يتحرك لإنقاذهم أحد ومنها طبيعة أحداث الفيلم الشيقة التي تشد انتباه المتفرج‏,‏ ومنها أخيرا وليس آخرا القالب الكوميدي الساخر الذي اختاره المخرج لفيلمه‏,‏ والذي يمكن أن يلقي استحسانا كبيرا من جانب الجمهور المصري‏.‏

ولقد تضمن مهرجان كان هذا العام عددا من الأفلام الإيرانية التي استرعت اهتماما كبيرا بين المشاهدين وكان من بينها فيلم في المسابقة الرسمية هو كندهار للمخرج الكبير محسن مخملباف‏,‏ كما تضمن المهرجان أيضا بعض الأفلام الآسيوية التي جاءت من اليابان وهونج كونج وتايلاند‏,‏ دخلت من بينها ثلاثة أفلام يابانية المسابقة الرسمية وفاز منها كل من فيلم كم الساعة الآن؟ وفيلم مامبو الألفية بالجائزة التقنية لأفضل صوت‏.‏
ومن بين الأفلام اليابانية والإيرانية فإني أرشح الفيلم الياباني المسافة والفيلم الإيراني تحت ضوء القمر للعرض عندنا‏,‏ حيث يمكن أن يلقي كل منهما قبولا بين جمهور المشاهدين في مصر‏,‏ فالفيلم الأول أخرجه هيروكازو كوري إيدا‏39‏ عاما الذي يمثل الموجة الجديدة في السينما اليابانية‏,‏ وهذا هو فيلمه الثالث‏,‏ وقد فاز بجوائز عن فيلميه السابقين في مهرجان فنسيا عام‏1995‏ وفي مهرجان القارات الثلاث بمدينة نانت الفرنسية عام‏1998,‏ والحقيقة أن السينما الآسيوية قد انتعشت بشكل كبير في السنوات الأخيرة‏,‏ حتي ان الإنتاج في تايلاند مثلا وصل في السبعينيات إلي نحو مائة فيلم في السنة‏,‏ وزاد الإنتاج المشترك بين مختلف الدول الآسيوية من إنتاج الأفلام في كل دولة علي حدة‏,‏ وهكذا أصبحت الكتابات السينمائية في العالم تتحدث الآن عن آسيا وود علي غرار هوليوود كأحد مراكز الإنتاج السينمائي الكبيرة في العالم‏,‏ كما سبق الحديث عن بوليوود نسبة إلي بومباي في الهند‏,‏ وهي إحد المراكز الأخري التي لا يستهان بحجم ما تنتجه سنويا من الأفلام السينمائية‏.‏
أما فيلم المسافة
‏DISTANCE‏
فهو يعالج المسافة التي عادة ما تفصل بيننا وبين بعض الخارجين علي أفكارنا المألوفة‏,‏ خاصة تلك الجماعات المتطرفة التي نكتفي بإدانتها دون أن نفهمها وتقبل مسئوليتنا كمجتمع في إفرازها‏.‏ وقد اختار المخرج الذي كتب قصة الفيلم أيضا أن يعود إلي الواقعة الشهيرة التي شهدتها اليابان حين قامت جماعة من هؤلاء الذين يرفضون المجتمع الحالي بتسميم مياه الشرب بإحدي البحيرات‏,‏ مما نتج عنه قتل أكثر من مائة مواطن‏,‏ ويتصور الفيلم قيام بعض أقرباء أعضاء الجماعة الذين فقدوا حياتهم في هذه العملية‏,‏ وقد قرروا في الذكري السنوية الثالثة لرحيل ذويهم أن يقوموا بزيارة البحيرة التي كانوا يعيشون علي ضفافها خارج مدينة طوكيو‏,‏ وهناك تسرق السيارة الميكروباص التي أتوا بها فيفرض عليها البقاء في هذا المكان لفترة وفي نفس الظروف التي عاش فيها أقرباؤهم من أعضاء الجماعة فيبدأون في تفهم بعض ما كان يعتمل في نفوسهم بعد أن يكونوا قد عبروا المسافة التي كانت تفصلهم عن هؤلاء الأعضاء‏.‏
ولا شك أن مثل هذا الفيلم ليس بعيدا تماما عن بعض الظواهر التي نعيشها في مجتمعنا منذ سنوات السبعينيات‏,‏ وإن كنا لم ننجح بعد في عبور المسافة التي تفصل بيننا وبين هذه الظواهر التي نتعامل معها التعامل السليم‏,‏ بدلا من مجرد اعتبارها ظاهرة أمنية من اختصاص قوات البوليس وحدها‏,‏ وقد جاءت هذه الرسالة في فيلم راق علي درجة كبيرة من التقنية السينمائية والجمال الفني‏,‏ حيث اتسم إخراجه بدرجة كبيرة من الحساسية‏,‏ والحقيقة أنه آن لنا أن نتعرف علي السينما الآسيوية خاصة بعد تجربة احدي المسلسلات التليفزيونية اليابانية التي عرضت منذ سنوات علي شاشة التليفزيون المصري‏,‏ وتابع الناس بطلتها أوشين بشغف شديد‏.‏

يأتي بعد ذلك دور السينما الإيرانية التي اكتشفها العالم أخيرا‏,‏ فلم يعد يخلو منها أي مهرجان دولي في العالم‏,‏ وقد عرض في كان هذا العام نحو ستة أفلام إيرانية دار حولها حديث كثير‏,‏ وكان من بينها فيلمان لاثنين من كبار المخرجين الإيرانيين هما محسن مخملباف‏44‏ عاما وعباس كياروستامي‏61‏ عاما‏,‏ أما الفيلم الذي أرشحه للعرض جماهيريا عندنا فهو للمخرج الشاب رضا مير كريمي‏35‏ عاما وهو يحمل عنوان تحت ضوء القمر ويعتبر صيحة للضمير في وجه ظاهرة الاتجاه الاجباري في إيران للانخراط في المشيخة الدينية‏,‏ وذلك من خلال قصة الشاب الريفي سيد حسن الطالب بأحد المعاهد الدينية والذي حان موعد تخرجه حيث سيرتدي العمامة ليصبح مله‏,‏ واستعدادا لذلك فهو يسافر إلي العاصمة طهران ليشتري ملابس التخرج‏,‏ وهي العباءة والعمامة‏,‏ لكن في العاصمة تسرق منه ملابسه الجديدة فيتتبع السارق إلي أن يصل إلي مكان تجتمع فيه نماذج غريبة من المجتمع من النشالين والمومسات الشحاذين وخلافه‏,‏ ويتعرف سيد هناك علي عالم جديد لم يكن يعرفه‏,‏ ويبدأ في تبين الجانب الإنساني في هؤلاء الساقطين الذين لفظهم المجتمع‏,‏ فيقرر مساعدتهم‏,‏ وهكذا لا يعود إلي معهده الديني بل يظل مع هؤلاء القوم بعد أن وجد أن مساعدة البشر قد تكون أهم من ارتداء العمامة‏.‏ وتلك هي الرسالة التي يقوم عليها الفيلم‏,‏ ولقد توقفت كثيرا عند نهاية الفيلم الذي كتب له السيناريو كريمي بنفسه‏,‏ وتساءلت إن كان الغرض منها هو تمرير الفيلم علي الجهات الرقابية في إيران‏,‏ ففي النهاية ينجح البطل سيد في إصلاح حال اللص الذي سرق منه ملابسه‏,‏ وعندئذ يجد أنه قد أصبح صالحا لأن يرتدي العمامة فيهرع إلي معهده الديني ليصل في نفس لحظة النطق باسمه في حفل التخرج‏,‏ فيخرج من بين صفوف الطلبة ليتسلم شهادته ويرتدي العمامة‏,‏ وقد تردد في المهرجان أن الفيلم قد منع في إيران‏,‏ لكني سألت مخرجه رضا مير كريمي في ذلك أثناء حضوره عرض الفيلم‏,‏ فنفي لي ذلك وقال إن الفيلم أنتج في إيران وأنه حضر منها بشكل رسمي للاشتراك في المهرجان‏,‏ وأعزي سبب هذا التصور إلي أن الفيلم لم يعرض بعد في إيران‏,‏ وقد سألت رضا كريمي عن نهاية الفيلم التي لا تبدو لي متسقة مع منطلقاته الأساسية‏,‏ فابتسم في رقة ولم يعلق‏!!‏ لكن في جميع الأحوال فإن فيلم تحت ضوء القمر ـ وهو المكان العراء أسفل أحد الكباري حيث كانت تعيش مجموعة الساقطين ـ يقدم السينما الإيرانية الجديدة التي لا تقنع
بتقديم الواقع كما هو وإنما تناقشه بنظرة نقدية وتدخل مع هذا الواقع في علاقة جدلية لها دلالتها‏,‏ وقد قدم رضا كريمي ذلك كله في قالب إنساني مؤثر لا يخلو من لحظات المرح البرئ والدعابة الخفيفة‏,‏ وإن كان قد شاب تصويره لمجموعة الساقطين جو غير واقعي حيث كان من بينهم الشاعر والموسيقي‏,‏ لكن لعله بذلك كان يريد أن يرمز خفية لمجتمع المثقفين والفنانين الذي أصبح يعيش الآن في إيران خارج المجتمع الرسمي في العراء أسفل أحد الكباري‏,‏ وإن كان تحت ضوء القمر‏.‏
وبعد‏..‏ فهل نطمع في أن يقدم بعض رجال السينما عندنا علي فك أسر الجمهور المصري من رقبة الفيلم الهوليوودي حتي نري جنبا إلي جنب مع الفيلم الأمريكي مثل هذه الأفلام الجيدة الآتية من دول أخري في العالم‏,‏ قد تكون أقرب لمشكلات مجتمعنا؟‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية