قضايا و اراء

41818‏السنة 125-العدد2001يونيو4‏12 من ربيع الأول 1422 هـالأثنين

إسرائيل والخطأ الكبير
بقلم: د‏.‏ حامد طاهر
نائب رئيس جامعة القاهرة

كان خطأ استراتيجيا كبيرا اختيار ذلك الموقع لإقامة دولة إسرائيل‏.‏ لأنه أولا يضم مقدسات المسلمين الذين يتزايد عددهم باستمرار‏,‏ حتي أصبحوا يتجاوزون مليارا وثلاثمائة مليون نسمة وهم لن يفرطوا أبدا في ارتباطهم الديني العميق بتلك المقدسات‏,‏ وثانيا لأن الموقع يقع في قلب العالم العربي الذي قد تفرقه السياسات العابرة‏.‏ ولكنه يرتبط بمجموعة من الأواصر القومية التي تجعل منه كتلة واحدة يصعب تمزيقها علي المدي الطويل‏.‏ وأخيرا فإن الفكر الاستراتيجي الذي اختار موقع إسرائيل لم يأخذ في اعتباره عامل التطور الذي سوف يعم المنطقة العربية‏,‏ ولن يؤخرها طويلا عن التقدم الذي تم افتراض ارتفاع معدلاته باستمرار في دولة إسرائيل وحدها‏.‏
نقطة أخري لم توضع في حسبان من فكروا في زرع إسرائيل بقلب العالم العربي‏,‏ وهي طبيعة الانسان العربي التي تأبي الخضوع لأجنبي‏,‏ حتي ولو كان ذلك علي حساب طعامه وشرابه‏,‏ كما أن هذه الطبيعة كانت ومازالت حريصة أشد الحرص علي الأرض بنفس قوة حرصها علي العرض‏.‏ ولعل هذا يفسر تلك المقاومة المستميتة التي تتمثل في أن شابا في مقتبل العمر يفجر نفسه وسط المغتصبين أرضه والمعتدين علي مقدساته‏.‏ وليقارن المحللون بين تلك المقاومة العربية المستشهدة‏,‏ وبين مقاومة الايرلنديين مثلا للإنجليز‏,‏ أو أهل الباسك للأسبان‏,‏ أو أبناء جزيرة كورسيكا للفرنسيين‏.‏

وإنني أعجب كثيرا من أن الإسرائيليين فيهم أذكياء كثيرون‏,‏ لكن تعصبهم أعمي أعينهم عن إدراك حقائق التاريخ والواقع‏.‏ فمثلا هم يعلمون جيدا أنهم قد عاشوا أفضل مراحل تاريخهم في ظل الحضارة الإسلامية‏,‏ سواء في دمشق وبغداد‏,‏ أو في قرطبة وطليطلة بالأندلس‏.‏ وأن جاليتهم كانت تتمتع بحق المواطنة الكاملة في القاهرة‏,‏ وأن الغرب الذي يحتضنهم الآن لا يكن لهم إلا مشاعر الحقد والقرف‏,‏ ويتمني زوالهم من بلاده‏,‏ ولولا ما يتمتعون به حاليا من نفوذ مالي لما وجدوا لديه إلا التجاهل والإهمال‏.‏
لذلك فإن إسرائيل لا حياة لها بين العرب إلا من خلال السلام‏.‏ والسلام لن يتحقق إلا بإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المغتصبة‏,‏ وإعادة الجولان لسوريا‏,‏ وعدم التشبث‏(‏ الهايف‏)‏ بمزارع شبعا التي لن يتركها لهم حزب الله‏!‏

لقد قامت دولة إسرائيل سنة‏1948,‏ واعترف بها العالم ماعدا العرب‏,‏ لكن بعضهم أقام معها معاهدات سلام لم يتم خرقها حتي الآن‏,‏ وكانت ـ ومازالت ـ فرصة نادرة لإسرائيل أن تغير وجهها القبيح في المنطقة بل وفي العالم كله‏,‏ وتمد يدها بالسلام لجيرانها‏,‏ وهم مستعدون لذلك في إطار الشرعية الدولية‏,‏ وعودة الحقوق لأصحابها‏.‏ أما أن تظل إسرائيل مغتصبة للأرض‏,‏ عنيدة في تعاملها مع العرب‏,‏ عدوانية مع شعب فلسطين الأعزل‏,‏ فإنها لن تستريح لحظة واحدة‏,‏ بل ولن تنام هادئة البال ليلة واحدة‏.‏ وإذا كنا قد فقدنا الأمل والثقة في الحكومات الإسرائيلية المتتابعة أخيرا‏,‏ فإننا مازلنا نتوقع أن يدرك الشعب الإسرائيلي حقيقة الأمور‏,‏ وأن يعترف بمعالم الواقع الذي يحيط به‏,‏ لأنه في النهاية هو الذي يختار تلك الحكومات الضعيفة والمتعجرفة‏:‏ الضعيفة لأنها لا تقوي علي شروط السلام‏,‏ والمتعجرفة لأنها تحتمي بالجيش‏,‏ الذي تظن أنه سيظل يحارب من أجلها إلي الأبد‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية