|
|
كان خطأ استراتيجيا كبيرا اختيار ذلك الموقع لإقامة دولة إسرائيل. لأنه أولا يضم مقدسات المسلمين الذين يتزايد عددهم باستمرار, حتي أصبحوا يتجاوزون مليارا وثلاثمائة مليون نسمة وهم لن يفرطوا أبدا في ارتباطهم الديني العميق بتلك المقدسات, وثانيا لأن الموقع يقع في قلب العالم العربي الذي قد تفرقه السياسات العابرة. ولكنه يرتبط بمجموعة من الأواصر القومية التي تجعل منه كتلة واحدة يصعب تمزيقها علي المدي الطويل. وأخيرا فإن الفكر الاستراتيجي الذي اختار موقع إسرائيل لم يأخذ في اعتباره عامل التطور الذي سوف يعم المنطقة العربية, ولن يؤخرها طويلا عن التقدم الذي تم افتراض ارتفاع معدلاته باستمرار في دولة إسرائيل وحدها. نقطة أخري لم توضع في حسبان من فكروا في زرع إسرائيل بقلب العالم العربي, وهي طبيعة الانسان العربي التي تأبي الخضوع لأجنبي, حتي ولو كان ذلك علي حساب طعامه وشرابه, كما أن هذه الطبيعة كانت ومازالت حريصة أشد الحرص علي الأرض بنفس قوة حرصها علي العرض. ولعل هذا يفسر تلك المقاومة المستميتة التي تتمثل في أن شابا في مقتبل العمر يفجر نفسه وسط المغتصبين أرضه والمعتدين علي مقدساته. وليقارن المحللون بين تلك المقاومة العربية المستشهدة, وبين مقاومة الايرلنديين مثلا للإنجليز, أو أهل الباسك للأسبان, أو أبناء جزيرة كورسيكا للفرنسيين.
وإنني أعجب كثيرا من أن الإسرائيليين فيهم أذكياء كثيرون, لكن تعصبهم أعمي أعينهم عن إدراك حقائق التاريخ والواقع. فمثلا هم يعلمون جيدا أنهم قد عاشوا أفضل مراحل تاريخهم في ظل الحضارة الإسلامية, سواء في دمشق وبغداد, أو في قرطبة وطليطلة بالأندلس. وأن جاليتهم كانت تتمتع بحق المواطنة الكاملة في القاهرة, وأن الغرب الذي يحتضنهم الآن لا يكن لهم إلا مشاعر الحقد والقرف, ويتمني زوالهم من بلاده, ولولا ما يتمتعون به حاليا من نفوذ مالي لما وجدوا لديه إلا التجاهل والإهمال. لذلك فإن إسرائيل لا حياة لها بين العرب إلا من خلال السلام. والسلام لن يتحقق إلا بإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المغتصبة, وإعادة الجولان لسوريا, وعدم التشبث( الهايف) بمزارع شبعا التي لن يتركها لهم حزب الله!
لقد قامت دولة إسرائيل سنة1948, واعترف بها العالم ماعدا العرب, لكن بعضهم أقام معها معاهدات سلام لم يتم خرقها حتي الآن, وكانت ـ ومازالت ـ فرصة نادرة لإسرائيل أن تغير وجهها القبيح في المنطقة بل وفي العالم كله, وتمد يدها بالسلام لجيرانها, وهم مستعدون لذلك في إطار الشرعية الدولية, وعودة الحقوق لأصحابها. أما أن تظل إسرائيل مغتصبة للأرض, عنيدة في تعاملها مع العرب, عدوانية مع شعب فلسطين الأعزل, فإنها لن تستريح لحظة واحدة, بل ولن تنام هادئة البال ليلة واحدة. وإذا كنا قد فقدنا الأمل والثقة في الحكومات الإسرائيلية المتتابعة أخيرا, فإننا مازلنا نتوقع أن يدرك الشعب الإسرائيلي حقيقة الأمور, وأن يعترف بمعالم الواقع الذي يحيط به, لأنه في النهاية هو الذي يختار تلك الحكومات الضعيفة والمتعجرفة: الضعيفة لأنها لا تقوي علي شروط السلام, والمتعجرفة لأنها تحتمي بالجيش, الذي تظن أنه سيظل يحارب من أجلها إلي الأبد! |
|
|
|
|
|