|
|
 | |
الشرف والأمانة والصدق من خير ما عرفته البشرية من خصال حميدة والأديان كلها تدعو إليها وتتمدحها وترفض كل الرفض من لا يتحلي بها وهي صفات تضفي علي الحياة كرامتها ونقاءها وبغيرها تصبح الحياة جحيما لا تستحق أن تعاش. والذين تتخلي عنهم هذه الصفات كثيرون فالسفالة والخيانة والكذب صفات لها الغلبة في مألوف حياتنا.
وهناك من يعتمد علي ذلك الخلق الوضيع لينال به مالا وأقرب مثل بين أيدينا المحتالون علي البنوك يلفقون لها الضمانات الكاذبة ويختانون الأمانة وينالون بما دبروا الملايين الضخمة من دماء الشعب. وحين نري هذا النهب الوبيل نسمع عن عقوبات صارمة تنزل علي اللصوص الصغار, ونتذكر رواية البؤساء لفيكتور هوجو وتثب إلي أذهاننا المصائب التي احاقت بجان فالجان لأنه سرق رغيفا يرد به جوعه.
واترك عالم الرواية واتذكر حادثة وقعت لحمال بالميناء سرق جوال دقيق فاصدر رئيسه أمرا برفته وتحويله إلي النيابة وبلغ هذا الأمر وزيره الذي سارع بإلغاء الرفت كما رد عنه الأمر بإحالته إلي التحقيق ودفع الوزير ثمن جوال القمح للدولة من جيبه الخاص. وهكذا يتأكد لنا أن العقوبات تعرف طريقها في وضوح وجلاء إلي صغاراللصوص وهي في الوقت نفسه تقع في متاهات ضبابية مظلمة دامسة الظلام مع كبار الموظفين ذوي المناصب العالية.
وفي أيام الحرب كانت إطارات السيارات توزع عن طريق الحكومة وكان الموظف المختص ذا درجة من الدرجات المهمة في الوزارة وكان يتقاضي الرشاوي في وحشية فاحشة وسمع وزيره بما يفعله فاستدعي أحد أصدقائه ممن لا يعرف المرتشي صلته بالوزير وطلب الوزير من صديقه أن يتقدم بطلب للإطارات وأنا في غني عن أن اروي لك بقية القصة فقد رفت الموظف, وأحيل إلي النيابة.
وهناك طرفة كان يطيب للدكتورطه حسين أن يحكيها في سعادة وإني سأقصها عليك من باب تداعي الخواطر ولما تمثله من خلق نبيل. فهو لم يكن من نفس الحزب السياسي الذي ينتمي إليه الوزيرالمختص بالتصريح بالإطارات, ولهذا استحي أن يطلبها من الوزير مباشرة, فأرسل إليه أخاه الشيخ أحمد حسين الذي كان صديقا له ليكون شفيعا للعميد لدي الوزير, وذهب الشيخ أحمد إلي الوزير قال له: ـ هذا طلب من الدكتور طه حسين لتسمح له بأربعة إطارات
ـ تقول ممن؟ ـ من أخي د.طه حسين ـ إذن فالطلب مرفوض ـ مرفوض ـ طبعا
ـ أأقول له هذا ـ نعم والآن ـ أطلبه وابلغه برفض معاليك ـ فورا ومن تليفوني الخاص
وفي حيرة وخجل ودهشة قام الشيخ أحمد إلي التليفون وطلب أخاه وحين أجاب الدكتور طه حسين أخاه لم يزد الأخ عن أن قال:
ـ أنا عند معالي الوزير. ـ ولم يزد وامسك الوزيرالسماعة من الشيخ احمد وقال. ـ يا د. طه أنا ارفض طلبا يكون منك وله شفيع مهما يكن أخاك فإن مكانتك الأدبية ومابيننا من صداقة وطيدة تحتم علي أن تطلب أنت وألبي أنا.. اليوم سيكون عندك التصريح.
وإني أكتب هذا الذي كتبته جميعا لما أحسه من ألم وأسي وأحباط مما أراه من أمثله ربما تكون قليلة من احتيال الأطباء وكذبهم واختلاقهم أمجادا طبية لأنفسهم وسرعان ماينكشف كذبهم واختلاقهم. وتلك كبيرة عظمي من الأطباء وهم الفئة التي نكن لها كل إجلال واحترام وتوقير,فنحن نلجأ إليهم ليكونوا شفاء لنا, والمرض هو الطريق إلي الموت ونحن نضع جسومنا ونفوسنا بين أيديهم ليكونوا سببا فعالا يرد عنا هول الموت. وليس شيء اعز علي الأحياء من حياتهم, فحتم علي الطبيب أولا وقبل كل شيء ان يكون بعيدا علي كل البعد عن ادعاء مفاخر طبية ليست له فإنه بهذا يصبح خائنا للأمانة كل الخيانة بل إنه يثير الشبهات الظالمة حول زملائه الشرفاء.
وأحب أن أقدم لك كلمة عربية لمن يطلق عليه الناس فشارا فاسمه بالعربية نفاج وأنا اكبر أعز الطبيب واجله أن يكون نفاجا وهو بهذا الاكبار والإجلال جدير.. والله سبحانه سيكرمه إذا اكرم هو نفسه عن ان يكون نفاجا وسيحيطه بالرعاية والتوفيق فإنه جل شأنه يكرم الأمناء والشرفاء. |
|
|
|
|
|