الكتاب

41839‏السنة 125-العدد2001يونيو25‏4 ربيع الآخر 1422 هـالأثنين

بهدوء
الأسئلة‏..‏ والإجابات
في أحوال الصحافة‏..‏ و الاتهامات‏!‏
بقلم‏:‏ ابراهيم نافع

في بعض الأحيان يكون المدخل الأسهل لتناول بعض القضايا هو أن نطرح أهم النقاط المثارة حولها علي هيئة أسئلة مباشرة صريحة‏,‏ وأن نبحث عن الإجابات الصادقة لها بغير الاستغراق في العموميات والفلسفات ومحاولات التنظير‏.‏ وأبدأ بالسؤال القديم الذي جددت الظروف الراهنة الحاجة إلي طرحه من جديد وحسمه وهو‏:‏ إلي متي سوف نستمر في البحث عن شماعة جاهزة نلقي علي عاتقها الأخطاء والمسئوليات كلما ثارت أزمة طارئة‏,‏ أو تفجرت قضية ساخنة‏,‏ وذلك بدلا من أن نبحث الأسباب الحقيقية للأزمة‏,‏ ونعترف بشجاعة بمسبباتها‏,‏ ثم نحاول من بعد ذلك علاجها؟‏.‏
ونأتي في هذا الشأن إلي موضوع نقابة الصحفيين ومحاولات إلقاء تبعات أخطاء المهنة كلها فوق عاتقها‏,‏ واعتبارها مسئولة عن تجاوزات القلة من أعضائها في الممارسة الصحفية والمهنية‏,‏ وعن تدني هذه الممارسة في بعض الأحوال إلي حد السقوط الفاحش في المتاجرة بالإثارة الجنسية والدينية والجريمة فضلا‏,‏ عما يسمي بالفضائح السياسية المصطنعة‏.‏

وهنا يفرض السؤال نفسه‏:‏ ما هو دور النقابة في هذا الشأن؟ هل هي التي منحت تراخيص إصدار الصحف الصغيرة التي تعتمد علي أسلوب الإثارة لترويجها‏,‏ وتنتهك في سبيل ذلك كل الأعراف والتقاليد المهنية والآداب العامة‏,‏ وقد تصل في بعض الحالات المتطرفة إلي الوقوع في هاوية الإساءة إلي المشاعر الدينية؟
هل هي التي سمحت بدخول الصحف الوافدة من الخارج لكي تطبع طبعاتها في مصر‏,‏ وتلجأ في سبيل الرواج والاستمرار إلي الابتزاز والتهديد للحصول علي أموال مباشرة أو غير مباشرة من الأفراد تحت شعار الإعلانات‏,‏ ومستخدمة في ذلك وسائل الابتزاز والتهديد بالنشر الذي يسيء إلي المستهدفين بطلب الإعلانات أو الأموال منهم؟‏.‏
إن النقابة لا تملك منح تراخيص إصدار الصحف‏,‏ ولا وقف هذه التراخيص‏,‏ أو سحبها‏,‏ أو إلغاءها وإنما تملك حق الإصدار جهات معلومة ومحددة بنص القانون‏,‏ ووفقا لخطوات معروفة هي‏:‏ أن يقوم المجلس الأعلي للصحافة بإصدار هذه التراخيص‏,‏ أو أن يصدرها مجلس الوزراء‏,‏ إذا تعلق الأمر بإنشاء شركات مساهمة لإصدار الصحف‏,‏ أما الصحف الوافدة من الخارج فإنها تخضع لقانون المطبوعات‏,‏ الذي يعطي وزارة الإعلام حق السماح بدخولها واتخاذ القرار بتوزيعها أو رفض ذلك‏.‏
أما دور النقابة فهو بطبيعته‏(‏ كما يحدده القانون‏)‏ هو‏:‏ حماية حقوق الصحفيين كأشخاص في الحصول علي أجورهم‏,‏ ومزاياهم التأمينية‏,‏ والعلاج‏,‏ والمعاش‏,‏ والتدريب‏,‏ وحمايتهم من تعسف الإدارة‏,‏ وغير ذلك من الحقوق المهنية لهم‏,‏ وفي الوقت نفسه فقد ترك لها القانون ـ وهو الأهم ـ سلطة تأديبهم عند الخروج علي مقتضيات المهنة‏,‏ وميثاق الشرف الصحفي‏,‏ الذي ارتضيناه جميعا ليحكم الأداء المهني‏,‏ والممارسة الصحفية السليمة‏.‏

فإذا تحدثنا عن سلطة التأديب المخولة للنقابة فهي ـ وفقا لنص القانون ـ تتمثل في إحالة الصحفي‏,‏ عند خروجه علي شرف المهنة‏,‏ إلي لجنة تحقيق قانونية يرأسها أحد نواب رئيس مجلس الدولة‏,‏ وتكون مهمتها إجراء التحقيق مع الصحفي المنسوب إليه الخروج علي تقاليد المهنة‏,‏ وإذا ارتأت إدانته يجري تحويله إلي المحاكمة التأديبية‏,‏ التي يشارك فيها رجال القضاء‏,‏ وأعضاء من المجلس الأعلي للصحافة‏,‏ وأعضاء من مجلس نقابة الصحفيين‏.‏
فإذا ثبتت الاتهامات كان للمحكمة أن تصدر أحكاما تتراوح بين توجيه لفت نظر للصحفي وتجميد عضويته بالنقابة لفترة محددة‏,‏ أو شطبه من سجلاتها شطبا نهائيا‏,‏ حيث لا يحق له في هذه الحالة ممارسة العمل الصحفي بعد ذلك‏.‏

إذن فإن مجلس النقابة لا يستطيع علي الإطلاق اتخاذ قرار بشطب عضو من أعضاء النقابة عن غير هذا الطريق القانوني‏,‏ فإن بدا أن ذلك يستغرق وقتا طويلا‏,‏ فإن الالتزام بنصوص القانون أفضل في كل الأحوال من تجاوزه أو إسقاط ولايته علي الجميع‏.‏
وأضرب في هذا الشأن مثلا واضحا‏,‏ فلقد اتخذت الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين قرارا بشطب أحد الأعضاء من جدول النقابة‏,‏ وأصدرت الجمعية ـ باعتبارها السلطة العليا في النقابة ـ قرارا بهذا الشأن‏,‏ فكانت النتيجة أن لجأ هذا العضو إلي القضاء‏,‏ واستصدر منه حكما بعودته إلي عضوية النقابة‏,‏ لأن قرار الشطب لم يتبع الإجراءات القانونية المقررة‏.‏

نقطة أخري لابد من الإشارة إليها هنا هي أن مجلس النقابة لا يملك أن يتحرك لاتخاذ إجراء معين في أي تجاوزات صحفية‏,‏ إلا بناء علي شكوي مقدمة إليه من جهة معينة‏,‏ أو من فرد مضار‏,‏ يشكو فيها من ممارسات صحفية غير ملائمة‏.‏
والمثال الواضح لذلك أن المجلس كان يحقق بالفعل مع ممدوح مهران رئيس تحرير صحيفة النبأ‏,‏ التي أثارت الأزمة الحالية منذ‏5‏ أشهر وأحاله بالفعل إلي لجنة التحقيق القانونية‏,‏ حيث كان العضو القانوني فيها مشغولا بانتخابات مجلس الشوري‏,‏ في حين لم يترك العضو المحال إلي التحقيق حيلة‏,‏ أو وسيلة من ألاعيبه لتعطيل التحقيق معه إلا واتخذها‏.‏

وعندما تلقي المجلس عدة شكاوي تشكك في أحقيته في عضوية النقابة من ناحية أخري لا علاقة لها بالأزمة الحالية‏,‏ هي أنه مالك لدار النبأ الصحفية‏,‏ مما يخرجه من جموع الصحفيين‏,‏ وفقا للقانون إلي فئة ملاك الصحف الذين لا تحق لهم عضوية النقابة‏.‏ قامت النقابة علي الفور بالتحقق من ذلك من المجلس الأعلي للصحافة‏,‏ ومصلحة الشركات‏,‏ وعندما تأكد مجلس النقابة من صحة ذلك اتخذ قراره علي الفور بشطبه من عضوية النقابة‏,‏ ولولا ذلك لما استطاع مجلس النقابة أن يصدر هذا القرار ضده‏,‏ علي الرغم مما فعله‏,‏ وأدي إلي إثارة الأزمة الحالية‏,‏ التي مست مشاعر الجميع مسلمين وأقباطا‏,‏ إلا بعد سلسلة الإجراءات القانونية الطويلة التي أشرت إليها من قبل‏.‏
فإذا قال قائل إن مجلس النقابة لا يتحرك لحسم القضايا واتخاذ القرار إلا مع اقتراب موعد الانتخابات‏,‏ فإن ردي عليه هو سجل نقابة الصحفيين ومجلسها خلال الدورات السابقة‏,‏ وقراراته العديدة لحماية القيم والأخلاق العامة‏,‏ والثوابت الوطنية والدينية‏,‏ ومعاركه ضد القوانين السالبة للحرية‏,‏ بل والأخري السالبة لاختصاصات مجلس النقابة‏,‏ وهي خير شاهد علي أن المجالس السابقة أدت دورها دونما ارتباط بمواسم الانتخابات‏,‏ أو متطلباتها‏.‏

ثم من الذي يختار أعضاء مجالس النقابة؟ أليسوا هم جموع الصحفيين أنفسهم ومن خلال انتخابات حرة مباشرة‏,‏ خاضعة لأرقي أشكال الرقابة القانونية القضائية والمهنية؟‏.‏
ومن الذي يتحمل مسئولية هذا الاختيار أليسوا هم الصحفيين أنفسهم في مجموعهم إنني لا أزعم أننا قد بلغنا حد الكمال في أدائنا لدورنا النقابي خلال الدورات الماضية‏.‏

وهناك بالفعل بعض أوجه القصور في هذا الأداء منها أننا لم نواجه بالقدر الكافي بعض الانحرافات التي ظهرت في الآونة الأخيرة من خروج سافر علي ميثاق الشرف الصحفي‏.‏
ولم نواجه بحسم ظاهرة حرب المنشورات القائمة داخل الجماعة الصحفية‏,‏ والتي تنتهك فيها كل قيم الزمالة والآداب والأخلاق والشرف والفضيلة‏.‏

ولم نواجه أيضا بالحزم المطلوب حالة التسيب في الأداء الصحفي‏,‏ والتي تعامل معها البعض بمنطق أنصر زميلك ظالما أو مظلوما‏,‏ مع إساءة فهم معني أن ينصر الإنسان أخاه ظالما فالمقصود أن يمنعه من الظلم‏,‏ وليس أن يعينه علي ظلمه‏,‏ فإذا كنت قد أشرت ـ ومن باب الحقيقة ـ إلي بعض أوجه القصور ـ فمن واجبي أيضا أن أشير إلي أحد أهم أسبابه‏,‏ وهو تسرب قلة ممن يزعمون أنهم صحفيون إلي عضوية النقابة من بعض ثغرات اللائحة والقانون‏,‏ وهؤلاء هم وصحفهم‏,‏ المحسوبة ظلما وعدوانا علي الصحافة المصرية الوطنية هم مصدر معظم ـ إن لم يكن كل ـ هذه التجاوزات والاتهامات الموجهة لصحافتنا الوطنية الشريفة‏.‏ وفي هذا المجال فلابد أن يعمل مجلس النقابة علي حماية الجماعة الصحفية‏,‏ من تسرب أي عناصر مماثلة إليها مهما كانت الضغوط والأحوال‏.‏
وبعد ذلك يأتي السؤال هل هذا الذي يحدث ونشكو منه جميعا خطيئة من عناصر المجموع الذي تتحرك الصحافة في إطاره‏.‏

هل هي خطيئة مجلس النقابة‏.‏
أم خطيئة المجلس الأعلي للصحافة‏,‏ الذي لم يجد ما يفعله في الأزمة الأخيرة‏,‏ وبعد مناقشات طويلة‏,‏ سوي رفع دعوي أمام القضاء لسحب ترخيص صحيفة النبأ‏,‏ وهو ما كان أي مواطن يستطيع أن يفعله في مثل هذه الحالة؟
أم خطيئة الجهات الحكومية المعنية‏,‏ التي من شأنها منح أو منع التراخيص؟

أم هو خطيئة كل هؤلاء بسبب قصور القوانين‏,‏ وعجزها عن تحقيق التنسيق الكامل الذي يحمي الصحافة الوطنيةو والصحفيين الشرفاء من الآثار السلبية لخطايا هذه القلة المارقة من المحسوبين ظلما وعدوانا علي الصحافة؟‏.‏
أكاد أقول من جديد إن هناك أدعياء للصحافة بين جموع الصحفيين الحقيقيين‏,‏ وهم ليسوا بصحفيين‏,‏ ولا هم أعضاء بالنقابة‏,‏ ولا يحق لهم ممارسة العمل الصحفي‏,‏ وكان من الطبيعي أن يقدموا للمحاكمة لانتحالهم الصفة الصحفية منذ زمن بعيد‏,‏ ولو كان ذلك قد تم إعمالا لنص القانون لما اتسع الخرق‏,‏ وتشجع غيرهم علي الاقتراب من ساحة العمل الصحفي الشريف لكن ذلك لم يحدث للأسف‏,‏ علي الرغم مما طالب به مجلس النقابة مرارا وتكرارا‏,‏ ونبه إليه هيئة الاستعلامات‏,‏ التي تمنح بطاقات لبعض العاملين بالمكاتب الخارجية للصحف غير المصرية باعتبارهم صحفيين‏,‏ ولم يستجب لنا أحد‏.‏

وماذا نستطيع أن نفعل إزاء هذا القصور في القوانين؟‏!‏ هل المطلوب هو أن نتقدم بمشروعات لقوانين جديدة تصلح الأخطاء‏,‏ وتسد ثغرات القوانين الحالية؟ إذا كان هذا هو الحل فلابد أن نذكر الجميع بأن أسباب هذا القصور الحالي‏,‏ وهذه الأزمات التي نشكو منها جميعا هو استبعاد الجماعة الصحفية عند إعداد القوانين السابقة‏,‏ وعدم الأخذ برأيها في النصوص والبنود التي تتعامل مع العمل الصحفي‏,‏ فضلا عن التدخلات في القوانين والتناقضات بين السلطات المختلفة فيها بين النقابة‏,‏ والمجلس الأعلي للصحافة‏,‏ وقانون المطبوعات‏.‏
فإذا كان المطلوب هنا هو التصحيح فلابد من أن نذكر الجميع مرة أخري بأن أهل مكة أدري بشعابها‏.‏ ولابد لجموع الصحفيين من أن يعقدوا علي الفور مؤتمرا لمناقشة جميع مشكلات الصحافة وهمومها ومطالبها وآمالها‏,‏ والتوصل إلي توصيات موضوعية وحاسمة لإصلاح الأوضاع‏,‏ وفي مقدمتها قانون نقابة الصحفيين نفسه‏,‏ والذي صدر عام‏1970,‏ وكان البعض يخشي تعديله خوفا من تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية في فرض مواد تحمل قيودا علي حرية الصحافة‏..‏

ولأننا لانستطيع كصحفيين ـ في الصحف القومية والصحف الحزبية ـ أن نحقق ذلك وحدنا‏,‏ فإن المطلوب أيضا هو تعاون الدولة معنا‏,‏ خاصة أننا نبحث هذه المشكلات كلها منذ أكثر من عشر سنوات مع الحكومات المتتالية‏,‏ بدءا من حكومة د‏.‏ عاطف صدقي‏,‏ مرورا بحكومة الدكتور الجنزوري‏,‏ الذي كان قد عين باعتباره وزيرا للتخطيط في حكومة د‏.‏ صدقي رئيسا للجنة حل مشكلات المؤسسات الصحفية وهياكلها المالية والضرائب المتراكمة عليها‏,‏ ومنها ما يرجع إلي عام‏1968,‏ لكن شيئا من ذلك لم يحدث حتي هذه اللحظة أيضا‏.‏
وفي النهاية فإني أقولها صريحة إنه مهما يحاول أعداء حرية الصحافة والمتربصين لها أن يستثمروا الأزمة العابرة الحالية في استعداء القيادة السياسية علي حرية الصحافة‏,‏ واستخلاص بعض القيود لفرضها عليها‏..‏ فإن القيادة السياسية التي انحازت منذ البداية إلي جانب حرية الصحافة والديمقراطية وألغت قانون الصحافة المشبوه‏,‏ والتزمت طوال التجربة بألا تغلق صحيفة بقرار سياسي‏,‏ لن تتخلي عن إيمانها بشرف الصحافة المصرية ووطنيتها‏,‏ وسلامة مجموعها الأشمل وأحوالها‏,‏ ولا عن إيمانها بأن الصحافة نفسها هي القادرة علي أن تطهر ثوبها مما قد يعلق به ـ خلال الرحلة ـ من جانب المتطفلين والأدعياء ومنتحلي الصفة الصحفية وشذاذ الآفاق‏.‏

ولعلي لا أذيع سرا حين أقول إن الرئيس حسني مبارك قد رفض تطبيق المادة الثالثة من قانون الطواريء لغلق صحيفة النبأ علي الرغم من استيائه اللا نهائي مما نشرته‏,‏ وأساءت به إلي مشاعر الأمة المصرية كلها‏,‏ مفضلا أن يترك قرار إغلاقها للقضاء الطبيعي في أقرب فرصة‏.‏
إن ما حدث في الأزمة الأخيرة لا علاقة له بالصحافة ولا بحريتها‏,‏ فالجريمة الشنعاء التي جرحت مشاعر المتدينين من الأقباط والمسلمين‏,‏ ومست المقدسات الدينية المحترمة من الجميع‏,‏ ليست عملا صحفيا بأي شكل من الأشكال‏,‏ وإنما هي جريمة أخلاقية شنعاء‏,‏ تقع تحت طائلة قانون العقوبات الطبيعي‏,‏ ولا ينبغي التعامل مع مرتكبها إلا بهراوة القانون الثقيلة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية