|
|
 |
في بعض الأحيان يكون المدخل الأسهل لتناول بعض القضايا هو أن نطرح أهم النقاط المثارة حولها علي هيئة أسئلة مباشرة صريحة, وأن نبحث عن الإجابات الصادقة لها بغير الاستغراق في العموميات والفلسفات ومحاولات التنظير. وأبدأ بالسؤال القديم الذي جددت الظروف الراهنة الحاجة إلي طرحه من جديد وحسمه وهو: إلي متي سوف نستمر في البحث عن شماعة جاهزة نلقي علي عاتقها الأخطاء والمسئوليات كلما ثارت أزمة طارئة, أو تفجرت قضية ساخنة, وذلك بدلا من أن نبحث الأسباب الحقيقية للأزمة, ونعترف بشجاعة بمسبباتها, ثم نحاول من بعد ذلك علاجها؟. ونأتي في هذا الشأن إلي موضوع نقابة الصحفيين ومحاولات إلقاء تبعات أخطاء المهنة كلها فوق عاتقها, واعتبارها مسئولة عن تجاوزات القلة من أعضائها في الممارسة الصحفية والمهنية, وعن تدني هذه الممارسة في بعض الأحوال إلي حد السقوط الفاحش في المتاجرة بالإثارة الجنسية والدينية والجريمة فضلا, عما يسمي بالفضائح السياسية المصطنعة.
وهنا يفرض السؤال نفسه: ما هو دور النقابة في هذا الشأن؟ هل هي التي منحت تراخيص إصدار الصحف الصغيرة التي تعتمد علي أسلوب الإثارة لترويجها, وتنتهك في سبيل ذلك كل الأعراف والتقاليد المهنية والآداب العامة, وقد تصل في بعض الحالات المتطرفة إلي الوقوع في هاوية الإساءة إلي المشاعر الدينية؟ هل هي التي سمحت بدخول الصحف الوافدة من الخارج لكي تطبع طبعاتها في مصر, وتلجأ في سبيل الرواج والاستمرار إلي الابتزاز والتهديد للحصول علي أموال مباشرة أو غير مباشرة من الأفراد تحت شعار الإعلانات, ومستخدمة في ذلك وسائل الابتزاز والتهديد بالنشر الذي يسيء إلي المستهدفين بطلب الإعلانات أو الأموال منهم؟.
|
 |
إن النقابة لا تملك منح تراخيص إصدار الصحف, ولا وقف هذه التراخيص, أو سحبها, أو إلغاءها وإنما تملك حق الإصدار جهات معلومة ومحددة بنص القانون, ووفقا لخطوات معروفة هي: أن يقوم المجلس الأعلي للصحافة بإصدار هذه التراخيص, أو أن يصدرها مجلس الوزراء, إذا تعلق الأمر بإنشاء شركات مساهمة لإصدار الصحف, أما الصحف الوافدة من الخارج فإنها تخضع لقانون المطبوعات, الذي يعطي وزارة الإعلام حق السماح بدخولها واتخاذ القرار بتوزيعها أو رفض ذلك. أما دور النقابة فهو بطبيعته( كما يحدده القانون) هو: حماية حقوق الصحفيين كأشخاص في الحصول علي أجورهم, ومزاياهم التأمينية, والعلاج, والمعاش, والتدريب, وحمايتهم من تعسف الإدارة, وغير ذلك من الحقوق المهنية لهم, وفي الوقت نفسه فقد ترك لها القانون ـ وهو الأهم ـ سلطة تأديبهم عند الخروج علي مقتضيات المهنة, وميثاق الشرف الصحفي, الذي ارتضيناه جميعا ليحكم الأداء المهني, والممارسة الصحفية السليمة.
فإذا تحدثنا عن سلطة التأديب المخولة للنقابة فهي ـ وفقا لنص القانون ـ تتمثل في إحالة الصحفي, عند خروجه علي شرف المهنة, إلي لجنة تحقيق قانونية يرأسها أحد نواب رئيس مجلس الدولة, وتكون مهمتها إجراء التحقيق مع الصحفي المنسوب إليه الخروج علي تقاليد المهنة, وإذا ارتأت إدانته يجري تحويله إلي المحاكمة التأديبية, التي يشارك فيها رجال القضاء, وأعضاء من المجلس الأعلي للصحافة, وأعضاء من مجلس نقابة الصحفيين. فإذا ثبتت الاتهامات كان للمحكمة أن تصدر أحكاما تتراوح بين توجيه لفت نظر للصحفي وتجميد عضويته بالنقابة لفترة محددة, أو شطبه من سجلاتها شطبا نهائيا, حيث لا يحق له في هذه الحالة ممارسة العمل الصحفي بعد ذلك.
إذن فإن مجلس النقابة لا يستطيع علي الإطلاق اتخاذ قرار بشطب عضو من أعضاء النقابة عن غير هذا الطريق القانوني, فإن بدا أن ذلك يستغرق وقتا طويلا, فإن الالتزام بنصوص القانون أفضل في كل الأحوال من تجاوزه أو إسقاط ولايته علي الجميع. وأضرب في هذا الشأن مثلا واضحا, فلقد اتخذت الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين قرارا بشطب أحد الأعضاء من جدول النقابة, وأصدرت الجمعية ـ باعتبارها السلطة العليا في النقابة ـ قرارا بهذا الشأن, فكانت النتيجة أن لجأ هذا العضو إلي القضاء, واستصدر منه حكما بعودته إلي عضوية النقابة, لأن قرار الشطب لم يتبع الإجراءات القانونية المقررة.
نقطة أخري لابد من الإشارة إليها هنا هي أن مجلس النقابة لا يملك أن يتحرك لاتخاذ إجراء معين في أي تجاوزات صحفية, إلا بناء علي شكوي مقدمة إليه من جهة معينة, أو من فرد مضار, يشكو فيها من ممارسات صحفية غير ملائمة. والمثال الواضح لذلك أن المجلس كان يحقق بالفعل مع ممدوح مهران رئيس تحرير صحيفة النبأ, التي أثارت الأزمة الحالية منذ5 أشهر وأحاله بالفعل إلي لجنة التحقيق القانونية, حيث كان العضو القانوني فيها مشغولا بانتخابات مجلس الشوري, في حين لم يترك العضو المحال إلي التحقيق حيلة, أو وسيلة من ألاعيبه لتعطيل التحقيق معه إلا واتخذها.
وعندما تلقي المجلس عدة شكاوي تشكك في أحقيته في عضوية النقابة من ناحية أخري لا علاقة لها بالأزمة الحالية, هي أنه مالك لدار النبأ الصحفية, مما يخرجه من جموع الصحفيين, وفقا للقانون إلي فئة ملاك الصحف الذين لا تحق لهم عضوية النقابة. قامت النقابة علي الفور بالتحقق من ذلك من المجلس الأعلي للصحافة, ومصلحة الشركات, وعندما تأكد مجلس النقابة من صحة ذلك اتخذ قراره علي الفور بشطبه من عضوية النقابة, ولولا ذلك لما استطاع مجلس النقابة أن يصدر هذا القرار ضده, علي الرغم مما فعله, وأدي إلي إثارة الأزمة الحالية, التي مست مشاعر الجميع مسلمين وأقباطا, إلا بعد سلسلة الإجراءات القانونية الطويلة التي أشرت إليها من قبل. فإذا قال قائل إن مجلس النقابة لا يتحرك لحسم القضايا واتخاذ القرار إلا مع اقتراب موعد الانتخابات, فإن ردي عليه هو سجل نقابة الصحفيين ومجلسها خلال الدورات السابقة, وقراراته العديدة لحماية القيم والأخلاق العامة, والثوابت الوطنية والدينية, ومعاركه ضد القوانين السالبة للحرية, بل والأخري السالبة لاختصاصات مجلس النقابة, وهي خير شاهد علي أن المجالس السابقة أدت دورها دونما ارتباط بمواسم الانتخابات, أو متطلباتها.
ثم من الذي يختار أعضاء مجالس النقابة؟ أليسوا هم جموع الصحفيين أنفسهم ومن خلال انتخابات حرة مباشرة, خاضعة لأرقي أشكال الرقابة القانونية القضائية والمهنية؟. ومن الذي يتحمل مسئولية هذا الاختيار أليسوا هم الصحفيين أنفسهم في مجموعهم إنني لا أزعم أننا قد بلغنا حد الكمال في أدائنا لدورنا النقابي خلال الدورات الماضية.
وهناك بالفعل بعض أوجه القصور في هذا الأداء منها أننا لم نواجه بالقدر الكافي بعض الانحرافات التي ظهرت في الآونة الأخيرة من خروج سافر علي ميثاق الشرف الصحفي. ولم نواجه بحسم ظاهرة حرب المنشورات القائمة داخل الجماعة الصحفية, والتي تنتهك فيها كل قيم الزمالة والآداب والأخلاق والشرف والفضيلة.
ولم نواجه أيضا بالحزم المطلوب حالة التسيب في الأداء الصحفي, والتي تعامل معها البعض بمنطق أنصر زميلك ظالما أو مظلوما, مع إساءة فهم معني أن ينصر الإنسان أخاه ظالما فالمقصود أن يمنعه من الظلم, وليس أن يعينه علي ظلمه, فإذا كنت قد أشرت ـ ومن باب الحقيقة ـ إلي بعض أوجه القصور ـ فمن واجبي أيضا أن أشير إلي أحد أهم أسبابه, وهو تسرب قلة ممن يزعمون أنهم صحفيون إلي عضوية النقابة من بعض ثغرات اللائحة والقانون, وهؤلاء هم وصحفهم, المحسوبة ظلما وعدوانا علي الصحافة المصرية الوطنية هم مصدر معظم ـ إن لم يكن كل ـ هذه التجاوزات والاتهامات الموجهة لصحافتنا الوطنية الشريفة. وفي هذا المجال فلابد أن يعمل مجلس النقابة علي حماية الجماعة الصحفية, من تسرب أي عناصر مماثلة إليها مهما كانت الضغوط والأحوال. وبعد ذلك يأتي السؤال هل هذا الذي يحدث ونشكو منه جميعا خطيئة من عناصر المجموع الذي تتحرك الصحافة في إطاره.
هل هي خطيئة مجلس النقابة. أم خطيئة المجلس الأعلي للصحافة, الذي لم يجد ما يفعله في الأزمة الأخيرة, وبعد مناقشات طويلة, سوي رفع دعوي أمام القضاء لسحب ترخيص صحيفة النبأ, وهو ما كان أي مواطن يستطيع أن يفعله في مثل هذه الحالة؟ أم خطيئة الجهات الحكومية المعنية, التي من شأنها منح أو منع التراخيص؟
أم هو خطيئة كل هؤلاء بسبب قصور القوانين, وعجزها عن تحقيق التنسيق الكامل الذي يحمي الصحافة الوطنيةو والصحفيين الشرفاء من الآثار السلبية لخطايا هذه القلة المارقة من المحسوبين ظلما وعدوانا علي الصحافة؟. أكاد أقول من جديد إن هناك أدعياء للصحافة بين جموع الصحفيين الحقيقيين, وهم ليسوا بصحفيين, ولا هم أعضاء بالنقابة, ولا يحق لهم ممارسة العمل الصحفي, وكان من الطبيعي أن يقدموا للمحاكمة لانتحالهم الصفة الصحفية منذ زمن بعيد, ولو كان ذلك قد تم إعمالا لنص القانون لما اتسع الخرق, وتشجع غيرهم علي الاقتراب من ساحة العمل الصحفي الشريف لكن ذلك لم يحدث للأسف, علي الرغم مما طالب به مجلس النقابة مرارا وتكرارا, ونبه إليه هيئة الاستعلامات, التي تمنح بطاقات لبعض العاملين بالمكاتب الخارجية للصحف غير المصرية باعتبارهم صحفيين, ولم يستجب لنا أحد.
وماذا نستطيع أن نفعل إزاء هذا القصور في القوانين؟! هل المطلوب هو أن نتقدم بمشروعات لقوانين جديدة تصلح الأخطاء, وتسد ثغرات القوانين الحالية؟ إذا كان هذا هو الحل فلابد أن نذكر الجميع بأن أسباب هذا القصور الحالي, وهذه الأزمات التي نشكو منها جميعا هو استبعاد الجماعة الصحفية عند إعداد القوانين السابقة, وعدم الأخذ برأيها في النصوص والبنود التي تتعامل مع العمل الصحفي, فضلا عن التدخلات في القوانين والتناقضات بين السلطات المختلفة فيها بين النقابة, والمجلس الأعلي للصحافة, وقانون المطبوعات. فإذا كان المطلوب هنا هو التصحيح فلابد من أن نذكر الجميع مرة أخري بأن أهل مكة أدري بشعابها. ولابد لجموع الصحفيين من أن يعقدوا علي الفور مؤتمرا لمناقشة جميع مشكلات الصحافة وهمومها ومطالبها وآمالها, والتوصل إلي توصيات موضوعية وحاسمة لإصلاح الأوضاع, وفي مقدمتها قانون نقابة الصحفيين نفسه, والذي صدر عام1970, وكان البعض يخشي تعديله خوفا من تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية في فرض مواد تحمل قيودا علي حرية الصحافة..
ولأننا لانستطيع كصحفيين ـ في الصحف القومية والصحف الحزبية ـ أن نحقق ذلك وحدنا, فإن المطلوب أيضا هو تعاون الدولة معنا, خاصة أننا نبحث هذه المشكلات كلها منذ أكثر من عشر سنوات مع الحكومات المتتالية, بدءا من حكومة د. عاطف صدقي, مرورا بحكومة الدكتور الجنزوري, الذي كان قد عين باعتباره وزيرا للتخطيط في حكومة د. صدقي رئيسا للجنة حل مشكلات المؤسسات الصحفية وهياكلها المالية والضرائب المتراكمة عليها, ومنها ما يرجع إلي عام1968, لكن شيئا من ذلك لم يحدث حتي هذه اللحظة أيضا. وفي النهاية فإني أقولها صريحة إنه مهما يحاول أعداء حرية الصحافة والمتربصين لها أن يستثمروا الأزمة العابرة الحالية في استعداء القيادة السياسية علي حرية الصحافة, واستخلاص بعض القيود لفرضها عليها.. فإن القيادة السياسية التي انحازت منذ البداية إلي جانب حرية الصحافة والديمقراطية وألغت قانون الصحافة المشبوه, والتزمت طوال التجربة بألا تغلق صحيفة بقرار سياسي, لن تتخلي عن إيمانها بشرف الصحافة المصرية ووطنيتها, وسلامة مجموعها الأشمل وأحوالها, ولا عن إيمانها بأن الصحافة نفسها هي القادرة علي أن تطهر ثوبها مما قد يعلق به ـ خلال الرحلة ـ من جانب المتطفلين والأدعياء ومنتحلي الصفة الصحفية وشذاذ الآفاق.
ولعلي لا أذيع سرا حين أقول إن الرئيس حسني مبارك قد رفض تطبيق المادة الثالثة من قانون الطواريء لغلق صحيفة النبأ علي الرغم من استيائه اللا نهائي مما نشرته, وأساءت به إلي مشاعر الأمة المصرية كلها, مفضلا أن يترك قرار إغلاقها للقضاء الطبيعي في أقرب فرصة. إن ما حدث في الأزمة الأخيرة لا علاقة له بالصحافة ولا بحريتها, فالجريمة الشنعاء التي جرحت مشاعر المتدينين من الأقباط والمسلمين, ومست المقدسات الدينية المحترمة من الجميع, ليست عملا صحفيا بأي شكل من الأشكال, وإنما هي جريمة أخلاقية شنعاء, تقع تحت طائلة قانون العقوبات الطبيعي, ولا ينبغي التعامل مع مرتكبها إلا بهراوة القانون الثقيلة. |
|
|
|
|