قضايا و اراء

41839‏السنة 125-العدد2001يونيو25‏4 ربيع الآخر 1422 هـالأثنين

العقوبات غير الذكية
بقلم : د‏.‏كريم العاني
باحث عراقي

في الولايات المتحدة الكثير من مراكز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية المرتبطة بشكل من الاشكال بالإدارة الامريكية ودوائر صنع القرار فيها‏,‏ وكثيرا ماتصدر هذه المراكز دراسات وابحاثا وتوصيات بطلب من تلك الدوائر أو بدونه وتحمل مؤشرات عن اتجاهات السياسة الامريكية‏,‏ وغالبا ما نجد مثل هذه الدراسات تعبر عن المواقف الامريكية لأن الكثير من العاملين فيها والمسئولين عنها من كبار المسئولين السابقين في الاجهزة والدوائر الامريكية خاصة وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي‏,‏ وبين أيدينا الآن دراسة من هذا النوع وهي‏:‏
العقوبات الذكية‏:‏ إعادة هيكلة سياسة الأمم المتحدة في العراق وهي مشروع مشترك بين منتدي الحرية الرابع وبين معهد جون كروك لدراسات السلام الدولي والدراسة تدعو وتمهد لنوع جديد من العقوبات ضد العراق العقوبات الذكية‏,‏ وسرعان ما تحولت إلي موقف رسمي أمريكي ترجم إلي نصوص تضمنها المشروع البريطاني المعروض حاليا علي مجلس الأمن الدولي وتحت العنوان نفسه العقوبات الذكية

تقترح الدراسة مجموعة من الإجراءات الذكية حسب تعبيرها معرفة بطريقة ضيقة ومركزة علي الاسلحة والسلع ذات العلاقة العسكرية‏,‏ علي أن تطبق بحزم كبديل عن نظام العقوبات الحالي المتداعي‏,‏ ولأجل هذا وحتي تطبق بصورة فعالة فإنها تحتاج حسب رأيها علي المدي البعيد إلي مساندة أعضاء رئيسيين في مجلس الأمن والأمم المتحدة‏,‏ وكذلك إلي تأييد وتعاون دول رئيسية مجاورة للعراق علي أن يبقي هذا النظام نافذا إلي أن يلتزم العراق بالكامل بقرارات مجلس الأمن الدولي ذات العلاقة بالموضوع‏,‏ بما في ذلك التزامه بنزع السلاح في دعوتها إلي ضرورة مساندة دول رئيسية في مجلس الأمن فإن الدراسة تحاول الإيحاء بأهمية إحياء التحالف الغربي المناهض للعراق وذلك بمفهوم جديد تسميه حرية التجارة المدنية وفي محاولة لتجنب أسباب فشل النظام السابق المتداعي والمرفوض تحاول الظهور بغطاء جديد والهدف واضح وهو تشديد الحصار‏.‏ ولإنقاذ نظام العقوبات بعد أن أصبح غير مقبول علي مستوي العالم ولا يمكن الدفاع عنه‏,‏ ومن ثم السيطرة علي مقدرات العراق ووضع اليد علي عوائده النفطية وتجارته الخارجية وتحريض هذه الدول للانسياق وراء هذه الخطط المشبوهة عن طريق تقديم إغراءات مادية لها بتعويضها عما قد تخسره في حالة فقدان تجارتها مع العراق‏.‏

إن الدول الرئيسية الثلاث المجاورة للعراق والتي تشير إليها السياسة الأمريكية هي‏:‏ تركيا‏,‏ والأردن‏,‏ وسوريا‏,‏ ولكل من هذه البلدان خصوصية في علاقاتها التجارية مع العراق‏.‏ كما أن لبعضها علاقات خاصة مع الولايات المتحدة‏.‏ وفي كل الأحوال وقبل أن نحلل احتمالات مواقف كل منها من العقوبات الجديدة نشير فقط إلي أن مصالح البلاد المذكورة ومصالح شعوبها مع رفع الحصار كاملا عن العراق وليس تشديده بذرائع ومسميات جديدة‏,‏ اذ كثيرا ماسمع عن المليارات التي خسرها بعضهم نتيجة هذا الحصار ـ وبالتالي فمن باب أولي رفض أي شكل من أشكاله‏.‏
فتركيا التي تربطها علاقات قوية مع الولايات المتحدة والغرب وعضويتها في حلف الأطلسي ووجود قواعد عسكرية له فيها تستخدمها الطائرات الأمريكية والبريطانية في ضرب العراق وتطور علاقاتها العسكرية في السنوات الأخيرة مع إسرائيل سيضعها في دائرة الاهتمام والضغط الأمريكي‏,‏ وستكون في موضع امتحان صعب أمام احتمال خسارة أو تقلص مصالحها التجارية مع العراق الذي يعتبر شريكا رئيسيا لها‏,‏ واذا كانت السياسة التركية لم تحسم موقفها من هذه العقوبات بعد‏,‏ فإن المؤشرات الأولية تشير إلي عدم ارتياح المسئولين الاتراك من استمرار الحصار المفروض علي العراق وتفاقم نتائجه السلبية وانعكاساته علي المصالح التجارية والأمنية التركية‏.‏

أما الأردن الذي تشابكت مصالحه مع العراق بحيث أصبح الشريك التجاري الرئيسي له فإنه أصبح من الصعوبة التعويض عن علاقته معه أو إيجاد شريك بديل عنه وبالظروف نفسها والتسهيلات التي يحصل عليها من العراق‏.‏
وبالنسبة لسوريا فإن علاقاتها مع العراق قد نمت في السنوات الأخيرة بوتيرة متصاعدة خاصة تجاريا‏,‏ ويعتبر البعض هذا النمو وازدهاره طوق نجاة للاقتصاد السوري‏,‏ خاصة بعد توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين البلدين ودخولها حيز التنفيذ وإعادة فتح الحدود بينهما أمام تنقل مواطنيهما‏,‏ ولذا فإن سوريا ولاعتبارات أخري ستكون أقل تأثرا بالضغوط الأمريكية المتوقعة‏.‏

ولتنفيذ توصيات هذه الدراسة‏,‏ ولغرض تشديد الحصار علي العراق‏,‏ فإنها تقترح عدة خطوات‏:‏ تحت عنوان حظر السلاح وليس التجارة تقول‏:‏ إن تنقيح الحظر الحالي لصالح نظام عقوبات أكثر حدة يستهدف أمرين رئيسيين هما السيطرة علي الموارد المالية الناتجة عن تصدير النفط العراقي‏,‏ وحظر استيراد الأسلحة والسلع ذات الاستخدام المزدوج
إن المتابع لفصول هذه الدراسة يجد أنها تركز أساسا علي الموارد النفطية العراقية وتدعو للسيطرة عليها ومنع أي تصرف فيها خارج إرادة وإجراءات الأمم المتحدة‏,‏ كما أنها تدعو إلي تشجيع الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط العراقي‏.‏

وبالنسبة لما يسمي الاستخدام المزدوج أو المواد التي يمكن أن يكون لها استخدام مدني وآخر عسكري‏,‏ فقد قدمت الولايات المتحدة قائمة طويلة بهذه المواد تزيد علي‏200‏ فقرة‏,‏ ومن المعلوم أن هذا الموضوع قابل لتفسيرات كثيرة وتأويلات مختلفة‏,‏ وتجربة العراق مع لجنة‏661‏ تبين مدي التعسف الذي مارسه المندوب الأمريكي فيها عند تفسير مفهوم الاستخدام المزدوج لبضاعة مدنية تجارية‏,‏ فقد أعتبر علي سبيل المثال أقلام الرصاص ذات استخدام مزدوج‏.‏
يبقي أن نشير إلي فقرة في الدراسة ربما تكون السبب الرئيسي وراء مثل هذه الدراسات والافكار‏,‏ والتي سبق أن أشارت إليها دراسة سابقة عن الطاقة‏,‏ ألا وهي الدعوة إلي السماح بالاستثمار الأجنبي في العراق‏,‏ والمقصود الاستثمار في القطاع النفطي‏,‏ لأن مثل هذا الاستثمار سيكون عنصرا مهما للتنمية الاقتصادية‏,‏ ويساعد العراق علي توفير فرص عمل‏,‏ ويمكنه من زيادة قدرته الانتاجية من النفط‏,‏ وبالتالي توجيه عائدات إضافية إلي الحساب الخاص في الأمم المتحدة وسيوفر عرضا اضافيا من النفط في الأسواق العالمية‏,‏ مما يساعد علي استقرار أسعار النفط‏,‏ وتقول إن هذا الاستثمار سيحظي باستحسان بعض الدول‏,‏ خاصة‏(‏ روسيا وفرنسا‏)‏ ـ ودول أخري سبق أن استثمرت في العراق وتبحث عن استثمارات مستقبلية لها‏,‏ ولذا يجب إنشاء لجنة خاصة من خبراء الاستثمار والمراجعين الماليين لتقديم المشورة لمجلس الأمن لتقويم معايير الاستثمار الأجنبي في العراق‏,‏ ولايسمح للشركات الأجنبية بالاستثمار إلا إذا اتبعت هذه المعايير وحصلت علي موافقة لجنة العقوبات لكل مشروع استثماري‏.‏

وبتحليل بسيط لمضمون هذه الدعوة يدرك القاريء من الوهلة الأولي الأهداف الحقيقية وراءها‏,‏ فهي تدعو الشركات الأجنبية للاستثمار في قطاع النفط العراقي وفق معايير تضعها مجموعة خبراء أجانب‏,‏ تقترن تلك المعايير بموافقة مجلس الأمن ولجنة العقوبات لكل مشروع‏,‏ والغاية من وراء كل هذا توفير المزيد من المال في حساب الأمم المتحدة الخاص والمزيد من الامدادات النفطية كي تستقر أسعار النفط في الأسواق العالمية‏.‏ ودعوة مرة أخري لروسيا وفرنسا للموافقة علي حزمة العقوبات هذه‏,‏ مقابل ما ستحصلان عليه من فرص استثمارية واستعادة بعض ديونهما علي العراق‏,‏ وماذا عن العراق؟ وماذا سيجني من وراء هذا الاستثمار؟ وأين مصالح شعبه الذي تتباكي وتحرص عليه الدوائر الغربية ومشاريعها الإنسانية‏(‏ ؟‏!!)‏ أو ليس هذا دعوة لشركات النفط الكبري التي سبق أن أممت في العراق‏1972‏ وطردت منه وخسرت مصالحها فيه للعودة إليه من جديد من باب الأمم المتحدة وقراراتها الظالمة‏,‏ ثم أليست كل هذه المقترحات صورة أخري من صور الهيمنة والانتداب الاستعماري بثوب جديد‏!‏ فالعقوبات‏(‏ الذكية‏)‏ إذن ماهي إلا نسخة سيئة من العقوبات الغبية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية